شاعر (عويت الذيب) - د.عبدالعزيز الجار الله

كل مرة يفقد الوطن شخصية اجتماعية نشعر معها بالألم من فقدانها لكنها سنة الحياة وإراده الله العزيز القدير، يوم الأربعاء الماضي ودعنا الشاعر الشعبي محمد الخس الوداع الأخير بالكويت رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الله فسيح جناته، أطلق الملك عبدالعزيز رحمه الله على الشاعر محمد الخلف الخس لقب البستان، وقام بزيارة له خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله العام الماضي ليطمئن على صحته، هذه الشخصية الشعرية الفذة ليس لكونها جاءت شاعريته وراثة من والده خلف الخس الشاعر والفارس إنما إلى جانب موهبته التي وهبها له الله فقد عاش في بيئة الصمان التي تعد ملهمة للشعراء العرب، حيث كانت هي المورد الاقتصادي الخصب والرعوي الخلاب أيام الشتاء والربيع، يقول الشاعر محمد خلف في أجمل قصائده الغزلية في مظهرها وعبارتها لكنها تحمل في مضمونها الأوطان والمحبة والمفردات المشبعة بأرض نجد المرتفعة وهضبة الصمان الغنية بمصائد مياه الأمطار، والخبراوات والفياض والروضات العشبية يقول شاعر الحب والبيئة:

الله من قلبٍ عوى عويت الذيب

ذيب عوى لجت ضلوعه ولجي

عليك ياراعي العيون المهاديب

سود مضاليلٍ وساع وبجي

بالفعل قصيدة تجسد بيئة هضبة نجد وموطن الشاعر الصمان حيث تنحصر الصمان بين نفود الدهناء من الغرب، وسهل الساحلي للخليج العربي من الشرق، ومجرى وادي السهباء من الجنوب، ومجرى وادي الباطن من الشمال، هذه إذن هي الموطن البيئي للشاعر الذي يجعلك تغرق معه عبر مسحة الحزن المكنونة في صوته فيعيدك إلى أزمنة الحروب وأصوات الذئاب ورائحة نباتات الأرض وصلابة تلالها ودحولها شقوق الأرض الخفية في الصمان وأيضا بوجه من نحب من حاضرة وبادية هضبة الصمان.

كانت الصمان معبراً وطريقاً تسلكه قوافل الحج والتجارة القديمة، وممراً عبرته الغزاة والحملات التي تأتي من سوادة وصحراء العراق التي كانت ترى وصاية حكومات الدولة العثمانية وحكومات بغداد والبصرة وشمال الخليج على الجزيرة العربية، وشاعرنا محمد الخس يحفظ في ذاكرته كثيراً من الصور والحكايات والتاريخ الشفوي والمروي والسجل المخضب برائحة الأرض العطرة والوجوه المحلية والقيادات التي دافعت عن ترابنا من الطامعين ممن تكسرت أحلامهم على حدود رمال الدهناء ورمال البيضاء وحافات جبال طويق.

رحل الشاعر محمد الخس وهو يقول:

سودٍ تشذب بسرة القلب تشذيب

طحت بخطرهن يالله انك تنجي

سهومهن تسطي على القلب وتصيب

تخج صندوق المعاليق خجي

يا صاحبي حبك لقلبي عواقيب

ارفق علي شوي قبل استلجي

يا اللي عليك عيون الامة مراقيب

تقول بين شفاك درٍ يمجي

صوت يأتي من المدى البعيد ليضعنا على شفير التاريخ المعاصر بملامح الماضي رغم أنه كان بيننا ويعيش حاضرنا إلا أن صحراء الصمان كانت تسكنه ويسكنها بكل صلابة أرضها وخبراواتها الموسمية.

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى