أحمد الصراف يكتب: هل مقولة عبده كاذبة؟

rel="nofollow noopener" target="_blank"/>

منذ سنوات طويلة، والبعض يكتب وينشر في وسائل الإعلام مقولة مشهورة للشيخ محمد عبده بأنه عندما ذهب الى مؤتمر في باريس عام 1881 وعاد إلى وطنه مصر بعدها قال قولته: ذهبت الى الغرب فوجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين. ولما عدت الى الشرق وجدت مسلمين ولكن لم أجد إسلاماً!

وقد انتشرت هذه المقولة والخبر أكثر مع وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت شبه حقيقة، ولكن بالبحث تبين أن الشيخ محمد عبده لم يذهب الى أي مؤتمر في باريس، وربما بالتالي لم يقل مقولته تلك أصلاً.

ولد الشيخ المصلح محمد عبده عام 1844، وتوفي صغيراً نسبياً عام 1905، عن أب تركماني وأم مصرية، وعرف عنه رغبته، وزميله جمال الدين الأفغاني، بتجديد الدين والفقه الإسلامي. وأنشأ معه حركة فكرية تجديدية إسلامية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تهدف إلى القضاء على الجمود الفكري والحضاري وإعادة إحياء الأمة الإسلامية لتواكب متطلبات العصر.

درس عبده في طنطا، وتلقى تعليماً في الجوامع، وفي 1866 التحق بالأزهر، وبعد 11سنة حصل على الشهادة العالية، وعمل مدرساً للتاريخ في دار العلوم.
على الرغم من موقفه المتشكك من ثورة أحمد عرابي ضد الإنكليز، بسبب ميوله السلمية التصالحية التي ترفض العنف والتصادم، فإنه شارك فيها في نهاية الأمر، ولكن الثورة فشلت ونفي عرابي الى جزيرة سيلان. أما محمد عبده، فقد حكم عليه بالسجن، ومن ثم النفي إلى بيروت لمدة ثلاث سنوات.

دعاه أستاذه ورفيق دربه جمال الدين الأفغاني لزيارة باريس، فترك منفاه عام 1884، وسافر في باريس ليستقر فيها، حيث أسس والأفغاني صحيفة «العروة الوثقى»، ولكنه عاد بعد عام إلى بيروت وأسس فيها جمعية سرية بنفس الاسم، وعمل بالتدريس في المدرسة السلطانية عام 1886، وتزوج ثانية بعد وفاة زوجته الأولى.

دفع الحنين عبده للعودة إلى مصر عام 1889 بعفو من الخديوي توفيق، بعد موافقة اللورد كرومر عنه، شريطة ألا يعمل بالسياسة، فقبل.

تدرج عبده في سلك القضاء، وفي 3 يونيو 1899 عين مفتياً للديار المصرية، وكانت تلك بداية انفصال منصب الإفتاء عن مشيخة الأزهر، فقد كان المنصبان يؤديان من قبل شيخ الأزهر.

نعود إلى المقولة المنسوبة لمحمد عبده، ونبدي شكنا فيها، فالإسلام مفهوم عام يختلف من فرد إلى آخر ومن مجتمع الى آخر، وبالتالي فما رآه عبده في باريس مثلاً هو نمط معيشة وخلق أوروبي وليس أمراً يمكن قياسه بأدوات معينة. فكيف يمكن قياس الإسلام ومقارنته من منطقة الى أخرى. وهل لو ذهب الى دولة مسلمة وغير سنية مثلاً، فسيذكر المقولة نفسها؟ إن هذه المقولة التي توارثتها الأجيال على مدى أكثر من مئة عام، واعتبرها الكثيرون من الحكم والأقوال الصادقة، كفيلة، «إن صدقت»، أن تجعل كل فضائل عاصمة النور تحسب للإسلام. فباريس ليست عاصمة دولة، بل هي أم الثقافة والفكر والأدب والمساواة والإخاء في العصر الحديث، وكل مبادئ الثورة الفرنسية العظيمة من ليبرالية وعلمانية. أما جهلنا وتخلفنا، فسببه ثقافتنا وتربيتنا، ولا يجب إلقاء المسؤولية على أي جهة أخرى. كما أن محمد عبده لم يجد إسلاماً في باريس لأن ما رآه كان نتاج حضارة أوروبية، وإن جازت أن تنسب الى دين فهي مسيحية كاثوليكية. والخلاصة أنني أشك في أن المقولة قد صدرت من الإمام المصلح. وإن كانت بالفعل قد صدرت، فهي لا تعني شيئاً وخاطئة تماماً.

أحمد الصراف

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
www.kalamanas.com

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى