ولا مِثلَ الشّجاعَةِ في الحَكيمِ - د. حمزة السالم

ولا مِثلَ الشّجاعَةِ في الحَكيمِ - د. حمزة السالم

في العام الثالث من الحرب الأهلية الأمريكية، شهدت مدينة فديبريق معركة طاحنة قضت على نحو خمسين ألف جندي، فألقى إبراهام لينكون في ميدانها خطبة قصيرة من 270 كلمة، لم يصفق لها أحد.

وسخرت منها الصحافة، فقالت شيكاغو تايمز «لا شك أن كل أمريكي يشعر بالعار حين يقرأ الكلمات السخيفة التافهة عديمة المعني من الرجل الذي يفترض أن يراه الأجانب الأذكياء». قول لم يحظ بتصفيق آنذاك، لأنها كانت فوق مستوى السامعين ومتقدمة عن زمانها، ثم أصبح الأمريكان يعدونها أعظم خطبة في التاريخ، ولا يكاد يخلو يوم من أيامهم من اقتباس منها.

وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً

وآفتُه من الفهمِ السقيمِ

ولكنْ تأخذُ الآذانُ منه

على قدرِ القرائحِ والعلومِ

قام لينكون خطيبًا فقال «منذ سبعة وثمانين عامًا أنجب آباؤنا على سطح هذه القارة أمةً جديدة ًولدت في ظل الحرية وأوقفت ذاتها على مسألة أن الناس جميعًا خلقوا متساويين». ثم قال «نحن الآن منخرطون في حرب أهلية طاحنة من شأنها أن تثبت ما إذا كانت تلك الأمة، أو أي أمة أخرى ولدت ذلك المولد ووقفت ذاتها ذلك الموقف، قادرة على البقاء طويلاً على قيد الوجود. لقد اجتمعنا اليوم في ميدان معركة عظيم في هذه الحرب لنقرر بثقة أن هؤلاء القتلى لم يقضوا نحبهم عبثًا، إنما لكي يكون لهذه الأمة، في ظل الله، ميلادًا جديدًا للحرية - ولتكون حكومة الشعب، من قبل الشعب، من أجل الشعب، ليبقى الشعب في الأرض فلا يهلك أبدًا.»

بدأت الحرب الأهلية مع بداية تولي لينكون الرئاسة، وانتهت قبل مقتله بأيام، أي بعد أكثر من شهر على خطابه الرئاسي الثاني، الذي جاء في آخره قوله: «عجبي من جرأة رجل يدعو الله طالبًا العون، وقد انتزع الخبز من عرق وجوه أخرى».

ثم قال «ويل للعالم من جرائمه، وويل للرجل الذي يأتي بتلك الجرائم. العبودية الأمريكية هي واحدة من تلك الجرائم، فأعطى الله هذه الحرب عقوبة للشمال والجنوب».. ثم قال «هذه الحرب الرهيبة، هي الويل الذي جاء بسبب من أقدموا على هذه الجريمة، فلندعو الله أن يُعجل بكشف هذا البلاء العظيم سريعًا. ومع ذلك، فإذا شاء الله أن يستمر هذا البلاء، حتى يتم إهلاك كل الثروة التي تراكمت عبر مئتين وخمسين عامًا من كدح العبيد بلا مقابل، وحتى يتم تسديد كل قطرة دم سُكِبتْ من سوط جلد عبد، بضربة سيف يسكب دمًا، فإن الأمر كما قيل من قبل ثلاثة آلاف سنة، إن أحكام الرب هي الحق والعدالة جميعًا.

لنترك الأحقاد ولنحسن للجميع، مع الثبات على الحق، ليرينا الله الحق حقًا. فدعونا نسعى جاهدين لإنهاء العمل الذي نحن فيه؛ لربط جراح الأمة، لرعاية من تحمل المعركة ولأرملته، واليتيم، للقيام بكل ما يمكن أن يحقق السلام العادل والدائم الذي نعتز به، فيما بيننا ومع جميع الأمم»

وكلّ شَجاعَةٍ في المَرْءِ تُغني

ولا مِثلَ الشّجاعَةِ في الحَكيمِ

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى