جيل الأمر الواقع..! - د. أحمد الجميعـة

سياسة الأمر الواقع مع تطور الأحداث، ومحدودية الفرص، وتشابك المصالح، ووعي المجتمعات تجاه التعامل الأمثل مع متغيرات ومغريات العالم الجديد؛ لم تعد تحتمل فرض إرادة طرف على آخر، وحمله على التكيّف معها بقوة، أو ضغط، مقابل الحصول على منفعة وقتية، أو مشاركة بلا هوية لإنجاز مرحلي لا يستديم، ولا يتراكم خبرة مع الحياة، ولا يصل في النهاية إلى حل يصنع فارقاً على مدى زمني محدود.

جيل اليوم منحته التقنية فرصة التواصل، والاتصال، وحرية الرأي والتعبير، والمشاركة في اتخاذ القرار، والقدرة على صناعة الأحداث، ونقلها مباشرة، والتأثير فيها، ونقدها، واتخاذ موقف منها، حيث لم يعد يمثّل أغلبية صامتة في المجتمع، أو ينحاز لتوجهات مؤدلجة، وإنما يمثّل قناعاته، وقراراته، وبالتالي لم يعد هذا الجيل يتماشى مع سياسة الأمر الواقع، مهما بلغت إرادة الطرف الآخر؛ لأن الحياة اليوم بخياراتها، وتعدد قنواتها الاتصالية كافية بأن يقول الشاب ما يريد، وأن يصل إلى ما يريد، ويحدد مساره وفق ما يرتضيه، وليس ما يُملى عليه.

نؤمن كثيراً بالفجوة بين الأجيال فكراً وممارسة، ولكن المشتركات بينهم تزيدنا إيماناً من أن كل جيل هو امتداد للآخر، مهما كانت سلسلة كل جيل وظروفه، وحدود معارفه، وسلوكه، ولهذا ما يميز جيلنا اليوم قدرته على فرز المواقف، وتحديد المصالح، وإدراكه أن أمن الوطن خط أحمر أمام كل هذه المتغيرات، والشواهد كثيرة أثبتت أن شبابنا هم قدوة في الحفاظ على أمن واستقرار وطنهم، وتضحيتهم من أجله، ورغبتهم المشاركة جنباً إلى جنب مع رجل الأمن في التصدي لمحاولات الإجرام، والإرهاب، والإساءة للوطن، ويكفي أن تكون مواقع التواصل الاجتماعي منصة يختلف فيها الجميع إلاّ على الأمن، ورجل الأمن.

أمام الجيل الجديد لا ينأى أحد بمسؤولياته، وتصريحاته، وحتى إحصائياته في الوصول إلى ما يريد على حساب أو مستقبل هؤلاء الشباب، فلم يعد المجال رحباً للخروج من مواجهة المشكلة، أو الانفراد بحلولها، وإنما أصبح الجميع حاضراً للمواجهة، وقادراً عن التعبير عنها، وتقديم الحلول لها، وليس بحاجة إلى تبريرات غير مسؤولة، أو قرارات غير مدروسة، ولنا في مشروع مكافحة البطالة دليل على أن الرؤية تحتاج إلى تعديل مع إنشاء الهيئة الجديدة، ولسنا بحاجة إلى أرقام لا تغيّر من الواقع شيئاً، وأكبر مثال على ذلك ما أعلنه مدير عام صندوق تنمية الموارد البشرية الأستاذ إبراهيم آل معيقل في منتدى جدة للموارد البشرية 2015 من أن (30%) ممن يدخلون الجامعات لا يكملونها، و(55%) من الطالبات و(33%) من الطلاب يدرسون في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل، ومثل هذه الأرقام على أهميتها ودقتها ومجيئها في سياق جميل من الأستاذ آل معيقل في حديثه عن التعامل مع الجيل الجديد، إلاّ أن الشباب يرون فيها تهرباً من وزارة العمل من مواجهة مشكلة البطالة، وإلقاء اللوم على المخرجات التعليمية التي هي أيضاً ترى أن مسؤولياتها في التعليم وليس التوظيف، وبالتالي لا يزال الأمر الواقع مفروضاً في الاستمرار على نهج واحد لا يتغيّر في التعليم، ومحدودية الخيارات في التوظيف، رغم أن الشباب لهم رأي آخر، ويبحثون عن تطبيقه، وهو تعزيز ثقافة العمل الحر، ودعم طموحاتهم في التجارة، من خلال مشروعات صغيرة أو متوسطة، من دون النظر إلى تبعات أزمة التعليم التي لن تنتهي، واحتياجات القطاع الخاص التي بدأت تتراجع.

لقد جاء مشروع التحول الوطني 2020 نافذة أمل لهذا الجيل الشاب، وهو يتطلع إلى خير وطنه، ويشارك فيه، ويتحمّل في سبيله الكثير لتحقيق أهدافه، وليس سراً أن شباب المملكة في مواقع التعبير عن هذا المشروع كانوا ينظرون إليه على أنه حلم يتحقق، وسيتحقق ما دام ولي ولي العهد هو أيقونته، وداعمه، وأكثر من وقف وسيقف مع الشباب.

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى