جرّب ألّا تنفعل أو تخاصم أحداً شهراً كاملاً - د. فايز بن عبدالله الشهري

حاولتُ أن أقوم بتجربة فريدة على مدى 30 يوما قرّرت فيها ألا أخاصم أحداً وألا أرد (منفعلاً) على من وضع نفسه في موقع الخصم أو المهاجم قدر استطاعتي ودون أن أخبر أحداً بهذه التجربة. كنت أدوّن الملاحظات نهاية اليوم وأرى مناطق ضعفي وانفعالاتي للتنبّه لها في اليوم التالي. وخرجت نهاية شهر التجربة بتصور عجيب جديد عن ذاتي وعن كثيرين ممن حولي.

أول مواقف الشهر التجريبي كان داخل الطائرة ونحن في الطريق إلى دولة خليجيّة إذ وجدت لحظة دخولي الطائرة شخصاً يحتلّ مقعدي واضعاً رجلاً على رِجل وهو يتصفّح جوّاله. ابتسمت وقلت: يبدو أن هناك "خلطاً" في ترقيم المقاعد وأشرت إلى مقعدي الذي يحتلّه. نظر إليّ بابتسامة ميكانيكيّة وقال: "معليش متعوّد أجلس إلى جوار النافذة" "وكلّها ساعة ونوصل" ثم واصل ابتسامته التي لا معنى لها. ابتسمت له مرّة أخرى ثم جلست وأنا أشاور نفسي بين الإصرار على مقعدي أو استنطاق هذا المحتلّ باعتذار لائق ولكنّي آثرت ألا أصدم تجربتي في أول يوم لها.

ومن عشرات المواقف التي عايشتها وضعفت في بعضها ونجحت في تجاوز انفعالات بعضها اكتشفت أن معظم الناس ممن يتخاصمون باللفظ والفعل والإشارة أسرى سوء الفهم والأفكار المسبقة ثم تأتي أنانيّة اللحظة والتحاسد متوهمين أنّنا بمواقفنا الغاضبة نفعل الصواب. وأذكر من هذه المواقف موقفاً جمعني بشخص اشتهر بين أقرانه أنّه كثيراً ما "يناقز" على صدور المجالس متقدّماً كبار السن والفضل في اللقاءات الخاصة والعامّة. كنّا وقوفاً نستقبل قادمين فتحرّك متجاوزاً الجميع في مجلس "كبير قومه" فأمسكت بيده خفية طالباً منه أن يبقى إلى جواري. لم يستجب بل سحب يده بامتعاض متجهاً جهة منتصف المجلس ثم حشر نفسه بين الضيفين الرئيسيين وهو يوزع نظراته يمنة ويسرة. وحين خرجنا نظر نحوي معاتباً ثم قال: أعرف أنك أكبر مني سناً ولكن لا يمكن أن أجلس (أمام جماعتي) إلا في صدر المجلس فلا تحرج نفسك معي. ابتسمت له وقلت ولكني بحكم المعرفة والزمالة كنت أحاول تحسين "مجلسك" في كتاب مذكراتي فلم تساعدني.

ومن المواقف التي فشلت في ضبط انفعالي فيها ما حدث مع زميل سليط اللسان اختار أن يكون دوره الاجتماعي هو "التطاول" على الناس مستغلاً مهاراته في توظيف عبارات السخريّة دون حياء. سلّط هذا الزميل لسانه على زميل بسيط مسالم لاستدرار ضحك الحضور ممن يرجو نفعهم فانفعلت ورددت عليه بقسوة ثم تذكّرت التجربة فأمسكت عن المواصلة ولكن بعد فوات الأوان.

بالطبع لم أذكر عشرات المواقف فبعضها شخصي لا يهم إلا صاحبها، وهناك مواقف أطرافها قد لا يتسامحون، ولكني أعرض طرفاً من التجربة لعلّ بعضكم يجد فيها مدخلاً جديداً لاختبار الذات والتسامح مع الحياة. وأعترف لكم أن التجربة لم تكن يسيرة بداية الأمر، ولا أخفيكم أيضاً أنها تعرّضت للأزمات أكثر من مرّة جراء مواقف يكون الانفعال فيها استجابة (لا إراديّة). ولكن متعة (الصبر) فيما بعد حدّت من كثير من الانفعالات وقت الاستفزازات. ومن هنا علّنا نفهم ونستلهم مقاصد الحديث الشريف (إنَّما العلمُ بالتَّعلُّمِ، والحلمُ بالتَّحلُّمِ) حيث يمكن للإنسان إذا راقب سلوكه أن يغير الكثير من ممارساته السلبيّة.

قال ومضى:

على ناصية العمر.. تأمل المشوار الطويل ثم تنهّد وقال: ليت البضاعة تعادل الثمن.


لمراسلة الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى