غياب المواكبة النقدية - سعد الحميدين

«النقد أو التقويم هو الكشف عن مواطن الجمال أو القبح في الأعمال الأدبية ويعتبر النقد دراسة للأعمال الأدبية والفنون وتفسيرها وتحليلها وموازنتها بغيرها والكشف عن القوة والضعف والجمال والقبح وبيان قيمتها ودرجتها. تعريف النقد الثقافي»

(...)

***

لابد أن من يتابع الحركة الثقافية، وخاصة ما يندرج ضمن معطيات ومسميات الإبداع وهو يرى حركة النشر النشطة التي تعم العالم العربي وخاصة منطقة الخليج العربي التى استولت في السنوات الأخيرة على الحركات والأنشطة الثقافية أن يتساءل مع هذا الكم الكبير من المنشور عن تغيب عمليات النقد والتقويم، والدراسات النقدية التي تتابع وتلقي الأضواء على القصص، والروايات، والدواوين الشعرية المتتابعة الصدور، حيث إن هناك إسرافاً في النتاج وشحاً في تقويمه من أجل وضعه في المكان المناسب له أمام المتلقين، وحتى في مواجهة أصحاب هذه الأعمال المستمرة الذين يهمهم، ويتوجب عليهم أن يعرفوا المدى الذي وصلوا إليه، وما مقياس قامتهم في الساحة الثقافية، وذلك حاصل في مجلات وصحف العالم عبر الأبواب الثابتة التي تتلقف الجديد وتقدمه بواسطة أقلام متخصصة، أو متذوقة كمشاركة في الحراك الثقافي وتنميته.

غالبا ما يكون التوجه بالاتهام إلى النقاد، وبالذات ممن يحملون مؤهلات علمية في هذه المجالات من الذين أخذت تشدهم وتشاهدهم الساحة الأدبية عبر منابرها الإعلامية المتيسرة، وهي تتمثل في القنوات الثقافية، والأندية الأدبية، والكراسي الجامعية، والأمسيات الأدبية بأنواعها، وصار من الجاري على الألسن ووسائل التواصل تكريس تحميل هذه الفئة من الناقدين يكثر ويتضاعف بعدم مواكبتهم لما يجري، وبكونها تكاسلت أو نأت، وهي عملية الإضاءة، والتمهيد للاستمرار في العطاء، ومع أن الناقد لا يصنع أديبا كقول الناقد عبدالله الغذامي ومن يشاركه الرأي، وأنا لا أنفي أو أساند ولكن اطرح إحساسي وقد يشاركني آخر، أنحي باللائمة على الطرفين المبدع / الناقد، فالكاتب الذي ينتظر ما سيقوله الناقد ربما يصاب بخيبة أمل عندما لا يعجبه الرأي، والناقد ربما يكون قصد التوجيه، أو أنه طرح الرأي بسرعة كمجاملة، وكان التأثير السلبي بالنسبة لصاحب العطاء الذي قد يصاب بالإحباط، وربما يتراجع، أو يكف عن المحاولة مرة أخرى.

في الحقيقة أن الساحة الثقافية تحتاج إلى مجهودات الجميع، وأن تكون الآراء ليس من الناقدين فقط، وإنما تكون مشاركة ممن يرى أنه يعي ويدرك الجماليات ومكامن القوة والضعف، والذواقة من المتابعين للإبداع، وهؤلاء قد يأتون بما لم يأت به المتخصص، الذي سيحصر دراسته وفق منهج نقدي، أو مصطلح أحاط نفسه في دائرته وما خرج عن عرفه لا يقيم له وزنا، أو حكما عليه من أول نظرة، وفي تطبيق منهجه هو المستفيد وليس صاحب المنتج المنتظر لمن يأخذ بيده، فسيتيه في بيداء تحجب عنه الرؤية السليمة، وسيراوح بين متاهات عدة، حيث إنه قد لا يفهم مما كتب عنه شيئا إذا ما دخل في حومة المصطلحات، والمسميات والمناهج التي يحاول أن يطبقها الناقد، فلا يعرف ما ينبغي له أن يفعل تجاه ما قيل سوى أن ينبهر كما غيره عندما يرون، إذ إن ميدانا خاصا يمكن أن يكوَّن لمثل هذه الدراسات الجديدة، وذلك في دورات خاصة تحمل هذه المسميات بتوسع لكي يتوجه إليها لمتخصص، ومن يريد أن يدخل في مثل هذه العوالم.

الدراسات التي لا تدور في فلك هذه المناهج وتعتمد على التذوق مع التعمق والغوص في البحث الجمالي، ستكون في نمو ما دامت الساحة تقبل وتشجع على أن تكون ميدانا للآراء بكافة ألوانها، فلا حدود للتأمل والتفكير، متى ما كان هناك تغذية ومتابعة.

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى