د. ظافر العجمي .. بطء التعاون العسكري مع الصين … حصافة

في عام 1402م، بنى الامبراطور الصيني تشين سو “”Cheng-Tsu أسطول بحري ضخم مكون من 250 سفينة، وعقد لواء قيادته لأمير البحر الصيني المسلم تشين هو” “Cheng –Ho

فخرج في سبع حملات بحرية مشهورة في تاريخ البحار. وقد عقد “تشين هو” خلالها أحلافاً واتفاقيات عسكرية مع الحكام المسلمين من ملقا “Malacca “حتى وصل إلى الحبشة مرورًا بالهند وبالأخص مملكة هرمز في مدخل الخليج العربي التي قامت في القرن العاشر الميلادي على السواحل الشرقية للخليج العربي واشتهرت بالتجارة وبالثراء[1].لقد كان آخر ذكر لـ”تشين سو” في الخليج عام 1433م وكان في هرمز التي منها أرسل بعثة حج لمكة. وقد تمت الرحلات الصينية السبع بسفن عسكرية ظهر عنفها في أكثر من ميناء، ولعل أشدها قسوة احتلال سيريلانكا وبعض السواحل الإفريقية. لكن ما يهمنا هو أن الصينيين خلال الحملة السابعة مكثوا في مملكة هرمز مدة طويلة تجاوزت العام، ويشير حجم الأسطول ومدة بقاء الصينيين في هرمز إلى أنهم لم يكونوا تجار عابرين بل وصلوا كقوة محتلة لجزء من الخليج العربي قبل دخول البرتغاليين بنصف قرن. ففرضوا الضرائب على هرمز التي كانت بدورها تفرضها على مسقط وقشم وقلهات والبحرين والقطيف بالخليج العربي. ويمكن تقسيم الاهتمام الصيني في جانبه الأمني بالخليج بعد تلك الرحلات السبع إلى مراحل ست: بدأت الأولى بالتركيز على العراق 1958-1967 م، ثم تحول الى التركيز على الحركات الثورية اليسارية في الخليج 1967-1971م، تبعها مرحلة 1971-1979م، وفيها تحركت الصين في الخليج والجزيرة العربية كمناوئ للسوفيتي. وفي المرحلة الخامسة ركزت الصين اهتمامها على إيران 1979-1990م، كمستورد رئيسي للسلاح الصيني. أما المرحلة السادسة 1990-2001م، فشهدت تركيز صيني على المملكة العربية السعودية، وإيران. تبع هذه المراحل انفتاح خليجي على الصين حتى قيل إن الخليج العربي اقليم يعتمد على الغرب في أمنه وعلى الصين في رفاهيته لكثرة النفط المصدر للصين وكثرة البضائع التي تستورد من هناك.

لقد قال نابليون بونابرت «عندما تستيقظ الصين سيهتز العالم» وهو شعار عرفه العالم تجاريًا منذ زمن، ولعل ما أيقظ العالم حاليا هو الجانب العسكري من يقظة الصين حين نشرت المؤسسة العسكرية الصينية ما عرف “بالكتاب الأبيض”، حول عملية الدفاع الوطني للجيش، والطبيعة الدفاعية لسياسة الدفاع الوطني، كما أن نشره يهدف لتعزيز شفافية الصين العسكرية، ومن أجل زيادة ثقة العالم في التزاماتها، وبآليات وسبل التنمية السلمية، وتعزيز الانفتاح على العالم وتوسيع قنوات الاتصال مع العالم الخارجي[2].فكان اهتمام المراقب الخليجي بالتعاون العسكري مع الصين عبر تفحص إمكانية حدوثه، ومدى حدود هذا التعاون. وجدواه وتأثيره على استقرار منطقة الخليج.ثم التحديات التي تواجه هذا التعاون، والقدرة على تجاوزها، وموقف الدول الكبرى والإقليمية من هذا التعاون.

-إمكانية وحدود التعاون العسكري بين الخليج والصين

في الميزان الدولي تتمتع دول مجلس التعاون بكونها من أهم البؤر الاستراتيجية لموقعها الجغرافي وبالاكتشافات النفطية، مما جعلها قوى متنفذة، بعد أن وظفت ما تملك في النهوض سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ومؤخرًا عسكريًا. مما دفع صانع القرار الاستراتيجي الصيني إلى أنيولي دول مجلس التعاون اهتماما بالغا، حيث تطورت العلاقات الصينية الخليجية بصورة سلسة، فأقام الجانبان تعاون جيد في مجالات السياسة والاقتصاد والتجارة والطاقة والأمن. ففي عام 2014م، بلغ حجم التجارة بين الصين ودول المجلس 175,25 مليار دولار، بزيادة 6% على حجمها عام 2013م، واستوردت الصين 102,04 مليون طن من النفط الخام من دول المجلس، بزيادة حوالي 3% عن 2013م، وذلك يمثل ما يقارب ثلث كمية النفط المستورد للصين[3].ورغم أهمية دول الخليج للصين إلا انها لازالت تنظر بعين الحذر إلى فتح باب التعاون العسكري مع الخليجيين. أما أهمية الصين للخليجيين عسكريًا فتتمثل فيما يلي:

-عسكريًا حلّت الصين في المرتبة الثالثة في ميزان القوى العسكرية الكبرى. ومنذ العقدين الماضيَين تعمل الصين بشكل محموم لزيادة قوتها وتأثيرها العسكري، حيث طوّرت بشكل ملحوظ سلاحها الجوّي، وقدرتها على المناورة، وقدراتها البالستية وقدرات السيبرانية. كما يعمل الصينيون على تطوير سلاحهم البحري من خلال صناعة حاملات طائرات وتطوير سفن الصواريخ وإجراء تمارين لتمكين قدرات القوات البحرية[4].

– أما في مجال صناعة الأسلحة فقد أدركت الصين أن دول مجلس التعاون تصرف جزءًا كبيرًا من ميزانياتها على مشتريات الأسلحة، حتى غدت في المركز الثاني، بعد الولايات المتحدة الأمريكية في معدلات الإنفاق على مشتريات الأسلحة. وتخطت الصين ألمانيا وفرنسا لتصبح ثالث أكبر مصدر للأسلحة في العالم، بحسب ما أظهرت دراسة نشرها المركز الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم “سيبري”، وبحسب هذه الدراسة التي تغطي فترة السنوات (2010-2014م) فإن “الولايات المتحدة احتلت بوضوح مركز الصدارة” (31% من الصادرات) أمام روسيا التي حلت في المركز الثاني (27% من الصادرات)[5].

-التعاون العسكري الخليجي/الصيني

– كجزء من جهدها المستمر لإيجاد موطئ قدم في سوق الأسلحة بالخليج، تحاول الصين التواجد في المعارض العسكرية في الخليج كمعرض دبي. والصين تتقدم بالفعل في مجال تصدير الطائرات بدون طيار، حيث صدرتها للسعودية التي سبق أن استوردت منها صواريخ رياح الشرق البالستية في الثمانينيات من القرن الماضي. ثم جددت الرياض ذلك الاهتمام فأظهرت في عرض عسكري مجموعة من الصواريخ من طراز دونج فينج (دي اف-3) الصينية الصنع، التي تتميز بقدرتها على حمل رؤوس نووية. فالسعودية من أولى الدول في الشرق الأوسط التي تعرض علنا صواريخ بعيدة المدى عابرة للقارات. كما تمت مناقشة إمكانية حصول الرياض على صواريخ دونج فينج 21(دي اف21) التي يصل مداها إلى 1700 كيلو متر، بالإضافة إلى منظومة الرادار المصاحبة لتلك الصواريخ[6]. كما نجحت الصين في تسويق مدفع ” بي إل زد-PLZ-45″ لدول الخليج، وهو مدفع ذاتي الحركة 155 ملم، ويستند إلى هيكل “Type 89″، وهو ضمن سلاح مدفعية الجيش الكويتي والجيش العربي السعودي، ويبلي بلاءً حسنًا في عملية إعادة الأمل باليمن. وعلى نفس النهج تسير دولة قطر حيث تم بحث التعاون العسكري القطري/ الصيني في أكثر من مناسبة[7].

ويحتم تتبع التقرب الصيني من الخليج عسكريًا في غير مجال مبيعات الأسلحة أن نشير إلى نقاط عدة منها:

-أهمية الخليج لأميركا هي نفس أهميته للصين، حيث تتفقان على استمرار تدفق النفط بأسعار معقولة، فالصين تستورد نصف حاجتها من منطقة الخليج العربي. وهي مستورد نفط ومورد بضائع وأسلحة ولو بشكل أقل، لكنها نوعية الأسلحة التي تتمنع واشنطن من تزويد الخليجيين بها.

-ينظر الخليجيون للصين كشريك نزيه بلا تاريخ استعماري حديث، أو مغامرات عسكرية قريبة منهم، كما أن الصين لا تتدخل في قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية التي يلوح بها الغرب كلما أراد ابتزاز دولة ما.

-سيكون للصين دور في أمن الخليج العربي في العقود القادمة لكن بتريث وحذر صيني. فالاهتمام الخليجي بالصين مؤخرًا يعود إلى نوايا أمريكا، حيث تستخدم واشنطن لغة غير مشجعة مثل “الاستقلالية عن نفط الخليج” و”انتهاء ًدمان نفط الخليج” أما لغة بكين فتتضمن مفردات “أمن الطاقة “و”الشراكة الاستراتيجية” وجراء ذلك شعر صانع القرار الخليجي بالأمان من الخطاب الصيني والتململ من الخطاب الأميركي[8].

– يمكن ان تتوسع أبواب تعاون الصين مع دول الخليج في مجالات الأمن غير التقليدي “Non-traditional Security ” وهي هياكل جديدة تشمل مكافحة الإرهاب، والحركات الانفصالية، والتطرف. أو التعاون عبر الأمم المتحدة فقد تقربت الصين عسكريا أول مرة لمنطقة الخليج العربي بعد حرب تحرير الكويت في 1991م، حيث شارك جنود صينيون ضمن بعثة الأمم المتحدة في المنطقة العازلة بين الكويت والعراق. وهو نهج ناجح شجع بكين الانخراط في أنشطة الأمم المتحدة حيث تواجدت بحلول عام 2013م في تسع مناطق حول العالم، ومن ضمنها لبنان والسودان. كما شاركت في التصدي للقرصنة في مضيق باب المندب، ودعمت قرار الأمم المتحدة ضد تنظيم داعش.

الصين والخليج والتقرب البحري العسكري عن بعد

“المجد للقوة البحرية” شعار يلخص نظرية الأدميرال الأميركي الفرد ماهان”Alfred Thayer Mahan”والتي تدرس في كليات القيادة والأركان في العالم دون استثناء، حيث قال في كتابه “أثر القوة البحرية في التاريخ” بأن الأحداث التاريخية، ما هي إلا مظهر من مظاهر النشاط الجغرافي. وفي ظل قوة المصالح الاقتصادية (قوة ناعمة) للصين بالمنطقة، تبرز قلة أدواتها العسكرية (قوة صلبة)، كالمشاركة بالقوات، والقواعد العسكرية. حتى نشرت وثيقة “الاستراتيجية العسكرية للصين” مايو 2015 م، وفيها تأكيد على تبني “نظرية ماهان ” وأنه يتعين على الصين إنشاء قوة بحرية عصرية، تناسب مصالحها، بتأمين طرق النقل الاستراتيجية (SLOCs) والمصالح فيما وراء البحار.ويشير إحياء ماضي الرحلات الصينية السبع الشهيرة لتبني الصين للبحرية كذراع طويل.حيث أرسلت الصين للمرة الأولى في ديسمبر 2008م، قوة بحرية لمنطقة خليج عدن، في إطار مساع دبلوماسية للتصدي للقراصنة، ومنذ ذلك الوقت استخدمت أكثر من 20 قوة عمل تضم أكثر من 60 قطعة بحرية عسكرية، ترافق سفنًا تجارية من الصين ودول أخرى. وفي 26 نوفمبر 2016م، نُشر أن الصين وقعت مع حكومة جيبوتي معاهدة لإقامة قاعدة دعم لوجيستي للعمليات العسكرية على أراضيها وتشغيلها على مدى عقد من الزمن. حيث ترمي الصين من القاعدة إلى تحقيق حزمة من الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى. فللصين مصلحة في تأمين ممرات الملاحة والمعابر المائية الضرورية مثل مضيق تايوان وملكا وهرمز وقناة السويس. وما تلك الخطوة إلا تقرب بديل للخليج العربي لتحاشي المواجهة مع الغرب في إحدى أهم مناطق نفوذه. فالتواجد في جيبوتي يسمح للصين بحماية مواطنيها، وسفنها ومصالحها التجارية والاقتصادية، وكذلك اكتساب خبرة عملياتية في المهام البحرية طويلة المدى، لكن الأهم أن تكون الصين على مقربة من شبه الجزيرة العربية، التي يصل منها نحو معظم النفط الخام الذي تستورده[9].

– جدوى وتأثير التعاون العسكري

للوصول إلى نتيجة عن جدوى التعاون العسكري بين دول الخليج والصين، وبعد أن شاهدنا فيما سبق انه تعاون لم يتعد بيع الصواريخ البالستية للرياض والمدفعية للكويت، يجدر بنا قياس مدى نجاح التعاون العسكري بين الصين ودول الجوار الإقليمي في الخليج العربي. فقد تمحورت العلاقات العسكرية الصينية ــ الإيرانية في مجال بيع السلاح، وحتى في هذا المنحى لم تكن طهران بسبب الحصار عليها مخيرة في شراء سلاح غير الصيني، أو من كوريا الشمالية أو من بلدان من دول العالم الثالث. ثم شهد مطلع القرن الحالي توسع في التعاون العسكري بين بكين وطهران لكنه لم يتعد زيارة مدمرة وفرقاطة صينيتين ميناء بندر عباس الإيراني، حيث بدأتا تدريبات مشتركة مع القوات البحرية الإيرانية لمدة أربعة أيام، وكانت هذه هي الزيارة الأولى لسفن بحرية صينية لإيران. وقد كان هدف الزيارة المشاركة في عمليات مكافحة القرصنة في خليج عدن. كما قامت طائرات صينية بالتزود بالوقود من إيران في طريقها إلى تدريبات في تركيا، وكانت أول زيارة تقوم بها طائرات حربية أجنبية لإيران منذ ثورة 1979[10]. أما العراق فلم تكن زبونًا للسلاح الصيني طوال القرن الماضي .وإن كان الوضع قد تغير حاليًا فالعراق يسعى إلى تطوير وتعميق العلاقات مع الصين في جميع المجالات وخاصة الاستثمار وإعادة بناء البنى التحتية حيث غدت أكبر شريك تجاري للعراق وأكبر مستثمر في قطاعي النفط والكهرباء فيه، إذ وصل حجم التبادلات التجارية بين البلدين العام الماضي إلى 24 مليار دولار بزيادة 40 في المائة عن العام الذي قبله، حيث تعمل حاليًا أكثر من 52 شركة صينية كبرى في العراق، في مجالات النفط والكهرباء والاتصالات وغيرها.وسيكون هناك مدخل واسع لخلق شراكة عسكرية صينية عراقية لأن العراق يخوض اليوم حربًا ويتطلع إلى مزيد من التعاون العسكري مع الصين[11].

تحررت الصين من شعارات ايديولوجية زائفة ذات وقع تحرري، فأخذت تروج لانتهاء عصر السلبية الصينية، واتجهت للعب دور نشط في الخليج لتأمين الطاقة، فقد تراجعت الاهتمامات الايديولوجية وحل محلها الاهتمام بالمصالح التجارية والطاقة والأمن غير التقليدي.فالصين تعارض بقوة أى محاولات خارجية للتدخل في الشأن الخليجي، وتسعى لمنع انفراد قوة عظمى واحدة بمصير الخليج، والخليج العربي كما وضع مخططوها الاستراتيجيين ضمن ما يسمى بدول “الجوار الموسع”، وفي ذلك فتح لأبواب تعاون قد يفضي للحصول على تكنولوجيا صينية غير مشروطة كالحال مع دول الغرب. فاهتمامات الصين تنحصر في الخليج في منع ظهور نظام مناوئ للصين، ومنع ظهور نظام مؤيد لتايوان، ودعم سياسة الصين الخارجية. كما إن من جدوى التعاون العسكري الصيني الخليجي ملء الفراغ الاستراتيجي الذي سيخلفه التراجع الأمريكي، حيث تتجه الصين لإتباع استراتيجية مضادة للاستراتيجية الأمريكية التي تقوم على أساس احتواء التصاعد الصيني في شرق آسيا، وردًا على هذه الاستراتيجية وتلافيًا للاصطدام المباشر مع أمريكا في شرق آسيا اتخذت الصين على عاتقها الوجود في الفضاء الجيوستراتيجي لواشنطن، خصوصًا المناطق التي تعاني من فراغ استراتيجي كمنطقة الخليج.[12] كما أن من جدوى العلاقات العسكرية الصينية الخليجية إن أمن الطاقة من حيث المصادر وطرق الإمداد سيظل المحرك الرئيسي للسياسة الصينية تجاه المنطقة، وستسعى الصين إلى تعزيز حضورها في الخليج معتمدة على أسعارها التنافسية وشروطها المقبولة بشكل أكثر من الشركات الغربية. كما سوف تواصل الصين السعي لوجودها العسكري، من خلال زيادة قواتها المشاركة في عمليات حفظ السلام أو مكافحة القرصنة، وفي الوقت نفسه السعي لإيجاد قواعد عسكرية لحماية إمداداتها النفطية. وقد نجحت في بعض ذلك حين قام الجيش الصيني بإخلاء آلاف المواطنين الصينيين من ليبيا في عام 2011م، والذي كشف عن قدرات صينية عالية في عمليات التدخل السريع. ثم تبعها الإجلاء الناجح لرعاياها من اليمن.

– التحديات التي تواجه التعاون العسكري

لقد طال زمن الانحناءات الدبلوماسية بين الصين ودول الخليج العربي دون أن يلتحق التعاون العسكري بركب مجالات التعاون الأخرى، حتى إن سؤالًا يفرض نفسه إن كان التعاون لم يتحقق لكونه مصلحة صينية فقط، أو لكونه مصلحة خليجية من طرف واحد! يغلف ذلك الوضع قصور من الطرفين للتفريق بين الشراكة الاستراتيجية والمجاملة الدبلوماسية. أو ربما وهو الأقرب في تقديرنا أن العلاقات المتشابكة بين الصين وإيران والخليج وأمريكا عامل يشغل حيزًا كبيرًا من أفق التحديات التي تمنع التقرب بين الصين ودول مجلس التعاون.

-العامل الإيراني: لم يقتصر التعاون الإيراني الصيني على مبيعات الأسلحة حيث زودت الصين إيران بتكنولوجيا دفاعية حساسة ونظم تسليح متقدمة. بل إن أحدث الأسلحة الإيرانية صممت لأول مرة وأنتجت بالصين، حيث أن الهندسة العكسية”Reverse Engineering “التي يستخدمها الصينيون لتقليد الأسلحة الأجنبية وخصوصًا الروسية قد تم توطينها[13]. وبهذين الذراعين قربت العسكرية الصينية إيران من الاكتفاء الذاتي عسكريًا خصوصًا في مجال الصواريخ البالستية وقطع الغيار. ويقع الخليج ضمن “الجيرة الكبرى” للصين، ويتّضح أنّ علاقة الصين مع إيران هي الأقرب من أيّ دولة من دول هذه الجيرة، ربما لكون الصين تستغل إيران للموازنة مع أمريكا . كما أن إيران حاجز لحماية غرب الصين، ولإيران نفوذ في أفغانستان ووسط آسيا. لذا زارت السفينتان الحربيتان الصينية المدمرة “تشانغتشون” والفرقاطة “تشانغتشو”، بندر عباس كما أشرنا سابقًا وبدأتا تدريبات مشتركة مع البحريةالإيرانية[14].

العامل الأمريكي: في زمن مضى كانت دول الخليج في خندق مناوئ للايديولوجية الشيوعية الصينية، بل كانت أقرب إلى الخندق الأمريكي. لكن تخلي الصين عن الايديولوجيات في تقربها من الخليج واعتمادها على البراغماتية المصلحية الحادة أزال ذلك التحدي. بل وتحول الأمر إلى النقيض؛ فقد لا ترى بكين نفسها في هذا الوضع لكن دول الخليج ترى الصين كموازن للولايات المتحدة في العالم. ويزيد الأمر تعقيدًا أن الولايات المتحدة لا ترى الصين شريكًا في استتباب الأمن في الخليج، بل تحاول التكسب بأنانية من الجهد الأمريكي لفرض الأمن دون أن تنخرط هي فعليًا في الترتيبات الأمنية التي تحتاجها المنطقة، فيما تجني مكاسب تجارية دون جهد يذكر. بل أن بكين التي تستمتع بالوصول إلى أهدافها مجانا”Free Ride” لا تتردد في وصف التدخل الأمريكي بالمعكر لصفو أمن المنطقة كما حدث إبان حرب تحرير العراق 2003م.

ومن جهة أخرى قد يبدو أن من الضروري وجود علاقات عسكرية صينية ـ خليجية، خصوصا أن بكين تتجه إلى إقرار زيادة الإنفاق العسكري بنسبة 30% عام 2016م. [15] في الوقت الذي تقضم فيه إدارة أوباما من ميزانية البنتاغون. وفي وقت تتشكل فيه صورة ذهنية خليجية حول تبادل الأماكن بين الصين وواشنطن بعد الاتفاق النووي الإيراني الذي يعني انسحابًا أميركيًّا من المنطقة، مشكلا فراغات ستستفيد منها الصين فيما تستعد الولايات المتحدة لمزيد من تفعيل دورها في قلب منطقة الحضور الصيني في شرق آسيا[16].

العسكرية الصينية وسن الرشد القتالي

رغم وصول الصينيين للخليج قبل القوى الأوروبية وتحديدا مملكة جزيرة هرمز العربية التي كان يحكمها الأمير محمود القلهاتي ثم الشيخ عطار، إلا أن العسكرية الصينية حتى اليوم لم تبلغ سن الرشد العسكري القتالي الذي يؤهلها لإقامة نظام أمن متكامل في الخليج العربي. بل لقد ارتبط في الذهن الجمعي العربي غياب الحضورٌ العسكريٌّ الصيني عن الشرق الأوسط كله، مما يجبر المراقب الخليجي إلى التقليل من جدوى التعاون العسكري الصيني الخليجي بناءً على ملاحظات عدة، منها:

– لا يمكن أن يثق الخليجيون إلى قدرة العسكرية الصينية على فرض أمن سفنها ومصالحها في الخليج البعيد عنها، بدون وجود تسهيلات بحرية أو قواعد لها في المنطقة، حين ندرك أن بكين لم تكن حتى وقت قريب قادرة على تأمين سفنها في مضيق ملكا”Malacca”القريب منها والواقع على أطراف بحر الصين الجنوبي.

-لا شك أن للصين ميزة عسكرية كمّية “Quantity”لعبت دورًا كبيرًا لإيصالها للمرتبة الثالثة ضمن قوة الجيوش؛ حيث أن لها جيش يبلغ أكثر من مليوني جنديّ وميزانية أمنية بلغت 129,272,000,000 دولار؛ لذا دخلت الصين في قائمة أكبر الجيوش القوية في العالم. لكن الصين تفتقد في آلتها العسكرية للمزايا النوعية”Quality”. مما يجعل قدرتها على النهوض بالتبعات الإقليمية الخليجية موضع شك.

– لا تثق دول المنطقة حتى الآن في الأسلحة الصينية خصوصًا الطائرات الحربية المقاتلة والمروحيات، والقليل من الدول سيرغب في تجربتها لتدني الأداء والجودة. كما أن روسيا قد عادت كمصدر للأسلحة إلى المنطقة وتنافس الصين رأسًا برأس في كثير من أسواق العالم الثالث.

-من معوقات التعاون العسكري بين الصين والخليج إن استراتيجية بكين تقوم على فلسفة” zuoshan guan hudou” القائلة بالجلوس على قمة الجبل ومشاهدة النمور تصارع بعضها. فبكين تنتظر انقشاع غبار الصراع بين الرياض وطهران لجني الثمار.فبكين ماهرة في إرضاء كافة الزبائن في الشرق الأوسط، سواء كانوا عرب أو إيرانيين أو حتى صهاينة[17]. ولم يكن هذا النهج غائبًا عن صانع القرار الخليجي فوقفت دول الخليج لبكين بالمرصاد جراء سوء التقدير الاستراتيجي هذا؛ حيث أجلت دول مجلس التعاون جلسة للحوار الاستراتيجي مع الصين في بكين نوفمبر 2012م، جراء موقف الصين في سوريا المخالف للتوجهات الخليجية. ولم يعقد الحوار الملغى إلا في يناير 2014م مما غير موقف الصين من السلب إلى الإيجاب في مؤتمر جنيف الثاني ذلك العام.

– تعتبر الصين اليوم دولة رائدة في مجال الصناعات العسكرية، لكنها أيضا لاتزال مستوردة لها. فالصين تشتري أسلحة حديثة من روسيا، فالصين تزيد من قدرتها الدفاعية بفضل “التكنولوجيا الروسية” فقط، ومثال ذلك سلاح المدرعات المجنزرة الحديثة “أرماتا”، ومنظومة “أس – 400 ” للدفاع الجوي، وغواصات “ياسن” الحديثة[18]. وحين انصبت جهود الصين لتطوير قواتها البحرية، قامت بترقية حاملة طائرات روسية أعيد تجهيزها لتكون أول حاملة صينية [19].

– لا تستطيع الصين توفير نفس الضمانات الأميركية للخليجيين، بل أن أهمية الخليج للمصالح الوطنية الصينية متقلبة بناء على المصلحة. فبكين غير مستعدة لإراقة الدماء، أو دفع الكلفة المادية لمحاربة التطرف، أو التوسط لحل معضلة أمنية إقليمية، حيث تتحفظ في الانخراط في قضايا الخليج والمنطقة بسبب وجود 23 مليون مسلم صيني لكون أي إرهاب أو اضطراب سيؤثِّر عليها داخليا، فالصين سلبية بشكل عام، رغم ادراكها للفجوة بين مصالحها الضخمة ودورها الضعيف، والأدهى أنها لا تبدو مستعجلة لتغيير نهجها.حيث يبقى فشل بكين في ترجمة الاقتصاد الضخم لقوة عسكرية فعالة أمرًا محيرًا يجعل من الحصافة ألا تراهن دول الخليج على التعاون العسكري مع بكين باندفاع.

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى