الاتصال السياسي.. من «سعود الأوطان» إلى «محمد التحول» - د. أحمد الجميعـة

مع تطور النظم السياسية الحديثة، لم تعد السلطة السياسية وحدها هي القوة المؤثرة في استقرار النظام السياسي وتحقيق أهدافه، وطموحاته، بل ظهر الرأي العام بوصفه قوة لها اعتبارها في التأثير على القرارات، وتحديد السياسات العامة في أي مجتمع، حيث أتاح الاتصال السياسي في المجتمعات الديمقراطية ومثلها أيضاً -بنسب متفاوتة- في المجتمعات الشمولية؛ فرصة لدراسة العلاقة بين الأنظمة السياسية الحاكمة والسلوك السياسي للأفراد، وذلك بتتبع تجارب هذه الأنظمة في التأثير على سلوك الناخبين، وتحديد دور الجماعات النشطة العاملة في المجتمع.

وتبعاً لذلك مرّت العلاقة بين النظام السياسي في المملكة ووسائل الإعلام -كمتغير مهم في تشكيل الرأي العام- بمراحل عدة، حيث كان الملك المؤسس ينتهج الاتصال المباشر مع المواطنين فيما يُعرف بسياسة الباب المفتوح -ولا تزال إلى اليوم-، كتطبيق عملي للاتصال السياسي، وأول وسيلة إعلامية فاعلة لنشر سياساته، يليها مرحلة تشكيل النظام الإعلامي بإنشاء المؤسسات الإعلامية، وتعد صحيفة أم القرى أول وسيلة رسمية تعبّر عن سياسات الدولة، ثم مرحلة صياغة السياسة الإعلامية وسن الأنظمة والقوانين المنظمة للعمل الإعلامي، بعد ذلك جاءت مرحلة الانفتاح الإعلامي وتأثيره على العلاقة بين النظام السياسي والنظام الإعلامي، وتحديداً في تسعينيات القرن الماضي، حيث تميّزت بظهور وسائل الإعلام العابرة للحدود، وتجاوز الجمهور للوسائل المحلية، ومروراً بأنماط الاتصال في مواقع التواصل الاجتماعي التي شكّلت منعطفاً مهماً في تشكيل الرأي العام الداخلي.

أمام هذه التحولات المهمة للاتصال السياسي في المجتمع كان الأمير سعود الفيصل -رحمه الله- يمثّل محركاً رئيساً للعلاقة بين النظام السياسي ووسائل الإعلام المحلية والدولية، حيث كانت خطاباته وخطبه رسالة سياسية تعبّر عن واقع مجتمعه، ومكانته، وإمكاناته، وقدرته على صناعة القرار العالمي والتأثير فيه، وهو ما انعكس على الداخل السعودي في تبني كثير من توجهاته ومواقفه تجاه القضايا والأزمات التي تمرّ بها المنطقة على أنها باعث ثقة والتزام ومبادرة ورغبة نحو الاستقرار والسلم الدولي، كما هي الحال بالنسبة لوسائل الإعلام الغربية التي تنظر إليه على أنه وجه المملكة المألوف خارجياً، والدبلوماسي القادر على ترجمة الأقوال إلى أفعال، ولهذا كانت برقية الملك سلمان له بعد تخليه عن منصب وزارة الخارجية -التي قضى فيها أربعة عقود- تأكيد على دوره المحوري في ترجمة سياسات المملكة، وثوابتها، ومصالحها، وعلاقاتها الممتدة في قارات العالم، ولهذا تكريمه أمس في مؤتمر «سعود الأوطان» برعاية خادم الحرمين الشريفين وحضور شخصيات محلية وعالمية هو أيضاً وفاء لمهندس السياسة السعودية في عصرها الحديث، وأيضاً أحد أهم أدوات الاتصال السياسي الفاعلة بين ما يريد التعبير عنه النظام، وما يريد الجمهور معرفته ونقله عنه، وتشكيل مواقفه وتوجهاته تبعاً لذلك.

اليوم وأمام مشروع التحول الوطني الذي يُعلن اليوم، برزت شخصية ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كأهم الشخصيات السعودية قدرة وتأثيراً في رسم سياسات وطنه الداخلية والخارجية، حيث أخذ من الاتصال السياسي وسيلة للتواصل مع الرأي العام، وتشكيل مفاهيمه على أساس من الوعي بالمتغيرات، والنظرة المستقبلية الواعدة لمشروعات الوطن الكبرى، وتبني مفاهيم متقدمة في إدارة الحكم، واقتصاد المعرفة، وكفاءة الإنفاق، والاستثمار، حيث ترك الرأي العام المحلي -فضلاً عن الدولي- يترقب هذه التحولات، ويدرك معها أن السياسة ليس بمقدورها وحدها أن تحدث الفارق من دون اتصال سياسي معاصر في أدواته، ومفاهيمه، ورؤيته، وقدرته على التأثير في مواقف وتوجهات المجتمع نحو مستقبل أفضل.

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى