علمانية أردوغان , وعناد الإخوان بـ قلم سارة الدريس

لو سألت أي شخص بسيط ذو ثقافة محدودة عن

تعريفه للعلمانية، سيجيبك بكل ثقة بأنها نوع من أنواع الكفر، و العلماني مهووس بالغرب منسلخ من ثقافته و يرفض تطبيق شرع الله .. وحينما يأتي أحد جبابرة المشايخ الطائفيين ليكفر صراحة العلماني و الليبرالي .. وكلمة كافر تعني خارج من الملة، منحل أخلاقيا يريد بالأرض سكرا وفوضى و فسادا ورذيلة ومجون ، فهذا الشيخ يكفر نصف سكان الكرة الأرضية دون حسيب، ومن أنت و ماذا تملك من العلم حتى ترد على الشيخ الذي أفنى جهده وعمره في الدعوه و دحض الخوارج؟!، فيتعنتر ذلك البسيط وتحمر عيناه وتنتفخ أوداجه ويبرق ويرعد بكل ثقة مطالبا بقتلك أيها العلماني الكافر، أو خضيعك صاغرا لأفكاره و معتقداته ، على اعتبار انه مخول بتغيير ما يراه منكرا، وهو بكل بساطة لا زال لايعرف ماذا تعني العلمانية ولاأظن الشيخ إياه حتى!

في دولة تحوي مواطنين يؤمنون بأكثر من دين ، أو أكثر من مذهب ديني ، هل تقبل أن يقوم المذهب السائد بفرض فهمه للشريعة عليك؟، هل تقبل أن تقوم الدولة بفرض اعتناق مذهب معين والالتزام بأحكامه ومحاسبتك بناء عليه وإن كنت لاتؤمن به؟، هل تقبل أن تقوم الدولة باستغلال الدين لشرعنة مصالحها وفسادها وسرقاتها واقناعك بأنك السبب الرئيسي به عبر استخدام وعاظ السلاطين ومنابر يوم الجمعة؟ ، هل تقبل بأن تأتي طبقة تدعي أنها حارسة للفضيلة وتعتقد أنها موكله بالحساب وتنازع الله صلاحياته؟ ، هل تقبل بتحالف السلطة ورجال الدين ليضربك طرف بعصا ويحلل الآخر ضربك ويلزمك بالطاعة؟، مبررا بأن سلب الناس حقوقهم والاعتداء عليهم أمر يستوجب الصبر وإن كان ظلما بينا طاغيا ، لكن الخروج عن هذا الظالم يستجلب الهرج والمرج و هو فتنة الفتن!، في عالم تتعدد فيه الأديان و المذاهب وكل مذهب يشرعن قتل الآخر المختلف، أو يفرض عليه أحكامه لأنه يرى أن معه الحق المطلق وهو الفرقة الناجية وكل ما عداه في النار!، أي مذهب سيطبق؟، وهل تقبل الاطراف الاخرى طغيان الأكثرية على حساب الأقلية؟ خاصة في مسألة عقدية تستوجب الإيمان والقناعة أيضا.. لماذا إذا ننوح و نلطم لو قامت دولة أجنبية بمنع الحجاب أو اغلاق مسجد ونتباكى على الحريات، و نحن هنا نطالب بفرض معتقداتنا في اللباس والتصرفات على الجميع واغلاق الكنائس!..

الدولة التي تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان، الدولة التي تتيح حرية ممارسة الشعائر الدينية لجميع الأفراد، الدولة التي لاتجير الدين لشرعنة فسادها، الدولة التي لاتقف ضد الدين بل تقف على الحياد منه باقية وتتمدد وتلك هي العلمانية، وتلك إجابات ما سبق ..

حين تسأل أي شخص ذو خلفية دينية، أعطني نموذجا حاليا محترما لدولة ناجحة وعادلة تطبق الحكم الإسلامي، سيقول لك دون أدنى تردد و’بالفم المليان’ تركيا، معتبرا نظام طالبان مثلا ليس نظاما اسلاميا ولاصنف من أصنافه، وتركيا هي النموذج الصحيح والمثالي، لكن دعني أسألك سؤالا بسيطا .. هل تركيا بتولي حزب العدالة و التنمية الاخواني سدة الحكم دولة إسلامية أصلا؟، لن أعود كثيرا للوراء ولن أستعرض هنا تاريخ تركيا و علمانيتها التي استمرت مايقارب التسعون عاما، قبل بضعة أيام نقلت وكالة الأناضول عن اسماعيل كهرمان رئيس البرلمان التركي و الذي لم يمضِ أشهر على توليه المنصب بعد انقطاع 13 عاما عن العمل داخل أروقة البرلمان، مثيرا جدلا بين الاسلاميين والعلمانيين قوله ‘كبلد اسلامي، لماذا نقبل بوضع نتراجع فيه عن الدين؟، نحن بلد مسلم ولذا ينبغي أن يكون لدينا دستور ديني’، وأضاف ‘لامكان للعلمانية في هذا الدستور’، يذكرني السيد كهرمان بكثير من العناتر في حلبتنا السياسية ممن يلوحون بتطبيق الشريعة حالما يتحسس كرسي المجلس ، أويمنع مفكرا أو كاتبا من إقامة ندوة لم توافق فكره الديني أو يحرض على سجن مغرد في سرب لايروق له ، فيبدأ بالتهديد و الوعيد في الدنيا و الآخره ، سياسي حينا و درويش حينا آخر! ، رد رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو والمستقيل مؤخرا بأن الدستور الجديد الذي يعده حزبه الإسلامي المحافظ سيتضمن مبدأ العلمانية محاولا قطع الطريق أمام الدعوات لإعادة النظر في أحد المبادئ الأساسية لتركيا المعاصرة، و ألقى أوغلو خطابا في أنقره صرح فيه ‘ أن الدستور الجديد الذي نعده سيتضمن مبدأ العلمانية لضمان حرية العبادة للمواطنين، ولكي تكون الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان، و أن المبادئ الأساسية للدولة ليست موضع نقاش بالنسبة لنا’ المصدر فرانس24، كذلك قال أردوغان المبجل في لقاء تلفزيوني عام 2011، وقد دعى المصريين أثناء زيارته للقاهرة إلى إقامة جمهوريتهم الجديدة على أسس علمانية، ووضع الدستور استنادا إلى مبادئ العلمانية، و يكمل أردوغان و هو يوجه حديثه من القاهرة ‘ إن هناك تعريفا للعلمانية في دستور 1982 التركي ينص على أن الدولة العلمانية هي التي تكون لها مسافة متساوية من كل الأديان، و هناك جدل كبير في المفاهيم الاجتماعية حول العلمانية و التطبيق لمفهوم العلمانية في دولة معينة يختلف بالتأكيد عن كل الدول الأخرى، وهذا هو الرد الذي أوجهه لمن يندهش من تطبيق النظام العلماني في تركيا ، قد أكون رئيس وزراء تركياً مسلما لكنني في النهاية أحكم دولة علمانية، والدولة العلمانية لاتعني علمانية مواطنيها لأن الأشخاص لهم أديانهم المختلفة، ولكن الدولة هي التي تتصف بالعلمانية، وأقول للمصريين الذين يرون أن الهدف من العلمانية هو نزع غطاء الدين عن الدولة أو أنها دولة كافرة أنتم مخطئون، لأن الهدف من تطبيق العلمانية في تركيا مختلف وهو احترام كافة الأديان’

أخيرا .. قال اردوغان أيضا في خطاب له ‘نحن أحفاد مصطفى كمال أتاتورك وسنبقى نحافظ على العهد’.. ذلك هو النموذج العلماني الجميل .. الذي يمنع السلطة من فرض ايديولوجيتها .. تقف على الحياد من الدين .. وتحتوي جميع مواطنيها على اختلاف اديانهم و مذاهبهم .. ولايهم سواء كانت السلطة اسلامية سنية او شيعية او مسيحية او حتى متعددة الأديان .. فالدين علاقة عامودية بين الفرد وخالقه ، والدولة ليست مسؤولة عن فرضه او منعه الا مايتعلق بالارهاب وتعرض الاخرين لخطر يهدد حياتهم .. ولكل مطلق الحرية في اعتناق اي دين او حتى عدم اعتناق شيء .. تلك تركيا العلمانية بضوئها الساطع و هذا ما يفترض ان يفخر به الاخوان و يروجوا له .. التزامهم بمبادئ العلمانية .. لابالفاشية السياسية التي تلازم للأسف حتى عصرنا هذا بعض الجماعات الاسلامية

ملاحظة : لما يفوز صادق خان المسلم ذو الاصول الباكستانية في بريطانيا ذات الغالبية المسيحية، فهذا نتاج العلمانية التي لا تسعى لفرض اي ايديولوجيا معينة، ولايهم ماهو دين ذاك المتقدم للمنصب، ينصب صادق خان في بريطانيا كعمدة للندن، ونحن هنا نختلف في كونه مسلم شيعي ومسلم سني ، ولا اعرف حقيقة ماشأننا بذلك! ، الوكاد ان البلا فينا .. قدرك اللهم ولا اعتراض

ساره الدريس
@saraaldrees
الان

وسائط

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى