سلطة التواصل في حقبة رقمية

غيّرت التكنولوجيا الرقميّة كثيرا من مظاهر حياة عالمنا اليوميّة بتجاوزات وتأثير مباشر على سلوكيات البشر في زمن متسارع وحقبة مرعبة، وباتت ثورة الاتصالات عبئاً وهمّاً يقضّان مضاجع التربويين والكتاب والباحثين والمهمومين بالحضارة الإنسانية ومستقبلها وبثقافات الشعوب المختلفة، للدرجة التي دفعت كثيراً من المبدعين "المختصين" العالميين أن يجعلوا من العلاقات الإنسانية في هذا العصر الرقمي -رغم قصر عمره الزمني- موضع اهتمامهم الرئيسي، بنشر أبحاثهم وتأليف العديد من كتبهم؛ لعلها تلفت الانتباه إلى خطورتها على الحياة الإنسانية!.

ويأتي أبرزهم –وقد تطرقت له في مقال سابق- الروائي النوبلي العالمي ماريو فارغاس في كتابه "حضارة الاستعراض"، متسيّداً مقدمة الكتب المهمومة بالسلوك الإنساني الحديث وبتنبيه عن مخاوف تحفّ بمستقبل الحضارة الإنسانية وثقافات الشعوب من آثار التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي.. ووصل أسفاً، إلى أن الحضارة التي تعطي ثقافتها السائدة الأهمية الكبرى للتسلية وتشكيل المتعة وتجنّب كل ما يثير التفكير فيها، ستجعل الثقافة تتغيّر من مضمونها على مدى عقود قليلة وتنصهر "انهياراً" إلى حيث لم تعد مرادفة للفكر والنقد وطرح الأسئلة الجوهرية لصناعة الحياة ومستقبلها!.

وفي نفس المنعطف، انبرت مؤخراً –الهارفاردية- شيري تيوركل، الباحثة والأستاذة الجامعية في الدراسات الاجتماعية للعلوم والتكنولوجيا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، نحو التركيز في أبحاثها وكتبها على التحليل النفسي والعلاقات الإنسانية مع التكنولوجيا وعلاقة الإنسان بالآلة في عصرنا الرقمي، حتى غدت اليوم إحدى المرجعيات العالمية فيما يتعلّق بـ"الخطاب الراهن حول التكنولوجيا"، بعد أن كرّست عدة أبحاث وكتباً لدراسة العلاقات الإنسانية في عصرنا الرقمي، لتخرج لنا أخيراً بكتابها الأخير "استئناف ممارسة المحادثة".

وكان من اللافت في قراءة كتابها، الصفة الأولى التي أطلقتها على أن طريقة الاستخدام اليوم للأجهزة الرقميّة من هواتف وحواسيب وغيرهما.. لم تعد خاضعة "للقانون والرقابة"؛ بل غدت ذات "غرائزية" وخارجة عن السيطرة البشرية لأن عملياتها تجري تحت تأثير سلطة "العادة" بعيداً عن ممارسة المحادثة والتواصل الإنساني نفسه!.

ورغم ما ذكرته عن استثناءات البشر المأمولة من التقنية، مثل توق الإنسان أولاً لخدمات "الروبوت" وتوفيره قدراً أكبر من الإتقان، الحيادية، الكلفة، وانتقاله الصريح للعالم الافتراضي كبديل لعالمنا الحقيقي وانفعالاته الإنسانية "المتقلبة"، وثانياً.. مدى الأهمية الكبرى للجوء البشر إلى ممارسة محادثات التقنية بأنواعها لتصل نحو رقي التواصل العلمي والفكري والثقافي والإنساني السليم..، وثالثاً.. إلى جانب واقع التآكل على صعيد "القيم الإنسانية" التي سببته التكنولوجيات الرقمية وسلبياتها العديدة المعروفة للجميع خرجت من محادثات برامجها بوادر بروز "وعيّ جديد" لدى "البعض" ممّن لهم رغبة في تأكيد رسالتهم وهويتهم الشخصيّة لأهداف إنسانية نبيلة.

في اختصاري التساؤلي قبل الأخير، كم ينطبق مما سبق على واقع اليوم من سوسيولوجيّة "العالم الافتراضي السعودي" وتضخّمه الجامح..؟

وكم دراسة وبحثا علميا وكتابا تناوله مختصونا بما يخص السلطة الرقمية وأثرها الاجتماعي والنفسي حتى المستقبلي..؟

وماذا قدمت وزارة التعليم بمدارسها وجامعاتها لأجيال الوطن عبر مناهجها ومقرراتها من وعيّ تقني "حدثيّ"، وتوجيه وقائي يتناسب والتحديات..؟!.

ختاماً، كل ما قصدته من قراءاتي أعلاه وتساؤلاتي مع تزايد انكشاف قناع الكثير الكثير كل يوم، ممن عرّتهم التقنية تباعاً ومن كل الرموز الدينية والثقافية والاجتماعية ممن صنمّهم القطيع أسفاً وجعلوا منه تباراً!، هل حان أن نلتفت لمثل هذه الإشارات العالمية الخطيرة بتناولها علمياً وتربوياً في جامعاتنا ومدارسنا دون تهديد من استمرار التقدم التكنولوجي ووصوله إلى مستوياته الحالية من استعمالاتنا المجنونة والمسيطرة علينا وعلى أنماط تفكيرنا وأجيالنا و"تربيتهم" كذلك؟!.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى