هل ألومها؟!

يأتي الى عيادتي في بعض الاحيان مراجعات لا يشتكين من مرض ولا عرض، ولكنهن يبحثن عمن يسمع منهن فيتحدثن حتى يخففن من غلواء قلوبهن عن أمور لا يستطعن ان يتكلمن بها مع من حولهن من الاهل والاصحاب، لأن مركز الشكوى وأس المشكلة هم الاهل والاصحاب، فيلجأن الى غريب لا يعرف الاسم ولا اللقب ولا المهنة ولا الظروف المحيطة ليكون مستمعا اكثر الاحيان وربما كان موجها او ناصحا، وفي كلتا الحالين ففي نهاية الجلسة يطلب منك ان تنطق بكلمة الفصل والحكم العدل في القضية المطروحة لتقول اي الطرفين على حق وايهما على الباطل..!.

والحقيقة ان المهمة صعبة لان الحكم على الاحداث والوقائع من خلال سماع احد اطراف القضية دون الاخر فيه من الظلم والتجاوز الشيء الكثير هذا اولا، ثانيا انت تتحدث مع شخصية تريد ان تستميل الحكم لصالحها منذ ان دفعت قيمة الجلسة ووضعت الوصل امامك على الطاولة، لتشتري تعاطفك الذي في الغالب يملكنا ولا نملكه في اغلب الاحوال، ثم عبارات المدح والثناء والاعجاب بشخصك وخبرتك وعلمك وتخصصك وشهرتك حتى تغرق في الحياء وبعض الحياء يشل صاحبه ويصيره تابعا لا متبوعا كما تعرفون، ومن ثم حدث ولا حرج عن الحبك الدراماتيكي للقصة مع كثير من التأوهات والدموع والزفرات، ثم الاستعانة بالاقسام والحلوف على صدق المشاعر والاقوال، ثم الانتهاء بطلب الحكمة وكلمة الفصل التي تزعم انها ترضاها مني مهما كان الحكم لها او عليها ثقة منها وتزكية لشخصي..

لاشك ابدا بعد هذه المقدمات والتزويقات الناعمة ان المتحدثة هي صاحبة الحق الابلج، وانها ضحية لظلم وقهر من القريب قبل البعيد، وان كان ظاهر هذا الكلام السابق نوعا من المزاح الا ان الواقع يفرض شيئا لا يصدقه صوت العقل والحكمة والذي يرن برأسي رنينا لا يهدأ.. فأنت في النهاية لا تسمع الا لطرف واحد يحسن الحديث ويجيد الحبك القصصي وفي الغالب انه ليس مضطرا للكذب لانه في النهاية لا يكذب الا على نفسه..

لكن السؤال الذي يهمنا هنا هو هل فعلا استطيع ان ألومها؟ كيف ألوم أنثى مليئة بالعاطفة ومكتنزة بالرحمة؟ كيف ألوم اما تشتكي جفاء الابن وقسوة البنت، كيف اصبرها على غيرتها التي تفلق قلبها من زوجة ابنها التي تفننت في الكذب والتدجيل على زوجها لتقسّي قلبه على امه فيتركها اياما وليالي لا يتصل ولا يزور بحجة ان الدنيا زحمة وشغل..

وكيف ألوم زوجة تحرق نفسها وتتنازل عن حقوقها لتتفادى الاحتكاك مع اهل زوج قابلوا رحمتها بقسوة ظنا منهم انها ضعف، وقابلوا احسانها بالاساءة ظنا منهم انها سذاجة، وموقف الزوج دائما مع الاصل وكأن حياته مع زوجته ليست اصلا لحياة جديدة وجيل جديد..

وكيف الوم بنتا ضاع جهدها واجتهادها في التعليم ودراسة الطب وممارسته لا ينقصها جمال ولا حنان ولا تقل عن غيرها رغبة في الامومة ولكن النصيب لا يأتي ابدا ولا يطرق الباب، وإن طرق الباب فسرعان ما يغيب ويختفي وكأنه حلم ليل لا صار ولا كان، ثم تكتشف مع الوقت ان النصيب لا يهرب ولم يغب ولكن المستفيد من راتبها هو الذي يغيبه بالترهيب..

قصص العيادات النفسية وحكاياتها ضرب من الجنون لا يصدقها عقل العاقل، قصص خير لها ان تطوى ولا تروى، فما اجمل الانسان بستر الله والعكس صحيح.. وعلى دروب الخير نلتقي..

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى