الحرب على الإرهاب بالتنوير

لا خيار، إما التنوير؛ وإما التخلف والتزمت والتطرف والإرهاب. قد تبدو هذه العبارة حادة في قسمتها الثنائية، وقد يراها كثيرون تتضمن إقصاء يتعارض مع أهم مبادئ التنوير، المتمثل في مبدأ التسامح. لكن، وعند التأمل الدقيق، يتأكد أن هذه العبارة لا تعكس رغبة؛ بقدر ما تصف حالا/ واقعا يمتد منذ عصور التنوير الأوروبية في القرن الثامن عشر الميلادي، وصولا إلى يومنا هذا. ولا شك أن مَنْ ينظر إلى التنوير من خلال مُخرجاته الحضارية التي أصبحت هي هُويّة العالم اليوم؛ يدرك أن هذه العبارة لا تحمل مبالغة ولا تجاوزا، فضلا عن أن تحمل نفيا أو إقصاء.

لا أحد في أي مكان من هذا العالم، يمكن أن يدّعي حقيقة أنه بمعزل عن التنوير، إلا الجماعات الإرهابية التي تمارس سياساتها الخاصة والعامة على ضوء الثقافات المتطرفة الرائجة في القرون الوسطى. طالبان وداعش وبوكو حرام، هي التي انفصلت عن العصر الراهن وقيمه..

إن الحقيقية التي لا يراها أكثر المحافظين، أو لا يرونها بالمستوى المعقول (فضلا عن الذين لا يريدون أن يروها!)، هي أن العالم اليوم يسير على الخطوط العريضة التي سنّها فلاسفة التنوير العظام في القرن الثامن عشر الميلادي. هم يعيشون عالما صنعته مبادئ التنوير، ويتمتعون بمخرجات الحضارة المعاصرة التي هي حضارة عصر التنوير، ومع هذا يظنون أن لهم الخيار مع التنوير رفضا وقبولا، وكأنهم منفصلون تماما عن الواقع المعاصر/ واقع التنوير.

لا أحد، لا أحد في أي مكان من هذا العالم، يمكن أن يدّعي حقيقة أنه بمعزل عن التنوير، إلا الجماعات الإرهابية التي تمارس سياساتها الخاصة والعامة على ضوء الثقافات المتطرفة الرائجة في القرون الوسطى. طالبان وداعش وبوكو حرام، هي التي انفصلت عن العصر الراهن وقيمه، وتبنّت قِيَماً من عصور تختلف تمام الاختلاف عن هذا العصر. وبهذا يحق لها وحدها أن تدّعي رفض التنوير؛ لأنها تقرن الادعاء بالممارسة. ومع هذا، فهي وإن رفضت القيم التنويرية، وانفصلت عن العصر الذي تتموضع فيه لصالح عصر تتوهمه خيالا، إلا أنها لم ولن تستطيع الاستغناء عن المخرجات المادية لهذه الحضارة الكونية التي تفرض نفسها على الجميع بلا استثناء.

ولكي تكون الصورة واضحة في أذهاننا، علينا أن نعي أن هذا العصر الذي نعيشه هو عصر مختلف أشد ما يكون الاختلاف عن كل العصور السابقة، سواء تلك العصور المرتبطة بتاريخنا، أو غير المرتبطة بتاريخنا. وإن وُجدت روابط أو تقاطعات مَبَادئية، فهي لا تعدو أن تكون مصادفات عابرة على طريق المشترك الإنساني.

المبادئ والقوانين التي تحكم واقعنا الراهن - بشكل مباشر أو غير مباشر – مصدرها الأساسي عصر التنوير، وما تمخض عنه من عصور لاحقة شكّلت امتدادا له، واستكمالا لمُخطّطه الأوليّ على مستوى التنظير وعلى مستوى التطبيق. الأغلبية الساحقة من صور التحرر التي تتأسس على مبادئ إنسانية خالصة، والتي صانت كرامة الإنسان الأولية (أي بصفته إنسانا)، هي من نتاج إعلان حقوق الإنسان الذي شرعته الجمعية الوطنية الفرنسية عام الثورة الفرنسية (1789مـ)، والذي استند فيه المُشرّعون إلى الرؤى التنويرية التي طرحها فلاسفة التنوير على امتداد القرن السابق للثورة الفرنسية. ومعلوم أن فلاسفة التنوير اتبعوا خطا إنسانيا واضحا، إذ على الرغم من أنهم ورثوه من قدامى الإنسانيين منذ سقراط والرواقيين، إلا أنهم طوروه؛ بتقرير الحق الإنساني للإنسان للفرد، أي بالتأكيد على ما كانوا يسمونه (الحقوق الطبيعية) التي يحوزها الفرد تلقائيا؛ لمجرد أنه وُلد إنسانا.

وإذا عرفنا أن الحقوق الطبيعية التي طرحها فلاسفة التنوير هي حقوق للجميع، يتساوى فيها جميع الأفراد، وعلى رأس هذه الحقوق: الحرية؛ عرفنا أن الإنسانية هنا/ إنسانية التنوير هي (إنسانية نوعية) تتجاوز كل التجارب التاريخية السابقة التي أباحت كثيرا مما يتعارض مع جوهر الحق الإنساني، خاصة وأن (الحرية التنويرية) ليست حقا مكتسبا، بل هي حق طبيعي، يتساوى فيه جميع الأفراد. ومن هنا كانت المساواة هي العنصر الثاني في شعار الثورة الفرنسية الثلاثي: (الحرية، والمساواة، والإخاء) حيث تتعاضد عناصر هذا المثلث الإنساني؛ لتصنع – أو لتحلم بأن تصنع – عالم الإنسان.

أنت هنا، في هذا العصر، لا تجرؤ – حتى أمام نفسك – على إباحة كثير مما أباحته مدونات التراث. بينما داعش والنصرة وبوكو حرام - مثلا - تجرؤ على ذلك. ومن هنا، فأنت مرهون بعصر التنوير، وإن لم تعترف بذلك. أنت تنويري بدرجة ما، أو – على الأصح – أنت ضد التنوير بالدرجة التي يسمح لك بها عصر التنوير أن تكون ضده!. وعندما تعيش عصر التنوير بجسدك، وتفتح المجال أمام روحك (المُتَدَعْشِنة) لتحلم – خِفْيةً – بما أباحته حضارات التاريخ المنقرضة؛ فأنت تعاني من انفصام حاد، سيوقعك في مآزق نفسية وحياتية لا يمكن التنبؤ بنهاياتها؛ فإما أن تلحق بداعش، وتترك حياتك - المُعلّقة بعصرك – وراء ظهرك، وإما أن تلحق بعصرك، وتترك أحلامك – المُعلّقة بتاريخك – تذوب في فضاء النسيان.

كل دول/أمم العالم، باستثناء داعش وأشباهها، تعيش اليوم وفق قانون دولي واحد، ومبادئ متقاربة، مُثبتةً وجودها القانوني والمعنوي في العالم المعاصر من خلال الانخراط في المنظمات الأممية المعاصرة، وعلى رأسها: الأمم المتحدة. وكل هذه الأمم لا تفعل ذلك، ولا تستطيع أن تفعله أصلا، إلا بالانفصال الوجداني والمعرفي والقيمي عن كثير مما في تاريخها؛ كضرورة للاتصال بالواقع.

وبما أن الشعوب – بإنسانها: (الفرد/ المواطن) - تستمد وضعها القانوني من خلال هذه الدول القطرية المتشرعنة بالمنظمات العالمية؛ فهي – أي الشعوب – تستمد أيضا وجودها في المنظومة الإنسانية العالمية من خلال هذه المنظمات العالمية. ولا يخفى على أحد أن الأمم المتحدة - وبقية المنظمات من ورائها - تتمثل المبادئ والقيم والأعراف التي طرحها فلاسفة التنوير، بعدما تَمَّ نقل هذه المبادئ من مستوى القطر الواحد/الوطن القومي، إلى مستوى العالم؛ فأصبحت الحرية للجميع، والمساواة بين الجميع، والإخاء مع الجميع. وبهذا تكوّن – بحكم الانضمام لهذه المنظمات العالمية – إجماع عالمي على التنوير كمرجعية عُليا، ولا يخرج عليه صراحة إلا مَنْ قرر أن يخرج على العالم أجمع، وأن يستبيح منطق العصر علانية. وطبعا، هو بهذا (المروق اللاإنساني) لا يفضح إلا نفسه وتاريخه؛ مهما توهم الانتصار لتاريخ مجيد ومجد تليد، لا يعدو – في المحصلة النهائية – أن يكون مجرد أوهام أو أضغاث أحلام.

إذن، قبل هذا العصر، أي قبل أن تستحكم رؤى التنوير، وتتجسد في قوانين وأنظمة هيئات ومنظمات عالمية، مدعومة بضمير عالمي متفاعل – بدرجات متفاوتة؛ وفقا لاشتراطات الواقع، ولاشتراطات الطبيعة الإنسانية - مع مبادئ التنوير، كان العالم ساحة صراع متوحش. فمنذ فجر التاريخ كان القوي يأكل الضعيف، كانت الدولة الكبرى تغزو الدول الصغرى وتلتهمها في وضح النهار، وبأوهى الأعذار، أو حتى بلا أعذار. قبل أن ينبلج هذا العصر الاستثنائي بمبادئ التنوير، كان من المستحيل أن تصمد سيادة عشرات الدول الصغرى، التي هي في غاية الثراء، ولا تمتلك - مع ثرائها - أكثر عشرين ألف مقاتل لكل دولة، في علاقة جوار طبيعية مع دولة كبرى تمتلك أكثر من ثلاثة أو أربعة ملايين مقاتل، فضلا عن الفارق الهائل في طبيعة السلاح.

إن مثل هذا السلام القائم على الحق، لا على القوة، ليس وارد الحدوث في السياق التاريخي على امتداد العصور السابقة. هذا السلام، إنما حدث بفضل أننا نعيش في عصر التنوير، وفق مبادئ التنوير؛ بعد أن تعولمت وتمأسست هذه المبادئ. والمشكلة أننا لاعتيادنا عليه، نظنه طبيعيا. نحن لا نتصور (وعدم تصورنا هنا/ استنكارنا، يحدث بفضل وعي تنويري تسرب إلينا) أن دولة كبرى يمكن أن تلتهم دولة صغرى لمجرد رغبتها في التهامها، بينما كان هذا هو الطبيعي الذي يحدث تلقائيا - بفعل فائض القوة - على امتداد التاريخ.

ولتعرف على نحو واضح دور التنوير المحوري في تحرير الإنسان؛ تأمل حال المرأة، المرأة في كل العالم. وانتبه، فأنت عندما تتحدث عن تحرير المرأة فإنما تتحدث عن تحرير نصف هذا العالم. إن كل ما حدث في حياة المرأة من متغيرات جذرية، على مستوى التعليم خاصة، وعلى مستوى الحقوق عامة، إنما حدث بفضل تعولم رؤى التنوير، وتنزّلها في الواقع العملي. فالمرأة في الخطوط العامة لتاريخ البشر الطويل، كانت تعيش على هامش الحياة، وفي كثير من الأحيان على هامش الهوامش. لقد كانت المرأة تعيش حالة اضطهاد متواصل جرى تطبيعها في الفكر وفي الواقع العملي. ولم تتحرر المرأة من هذا الرق التاريخي الطويل إلا بفضل رؤى التنوير التي أسست للمساواة الإنسانية بتأكيدها على حقوق الفرد كفرد، بصرف النظر عن جنسه، وعن دينه، وعن عرقه، وعن موقعه الاجتماعي. وبتحرر المرأة تحرر نصف العالم، وأخذ دوره في تحرير النصف الآخر من أوهام طالما انتهكت أوضح وأبسط حقوق الإنسان.

إن كل المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، إنما أخذت صيغتها النهائية التي نراها اليوم، من التراث التنويري الذي اشتعل ثورة قبل أكثر من قرنين. هذه الحقوق التي ضمنت سلامة إنسانية الإنسان، من أصغر الأشياء وأبسطها، حيث العنف اللفظي العابر، إلى أكبر الأشياء، حيث العنف الأعلى المتمثل في القتل والإرهاب، وفي التعذيب الممارس بواسطة الأفراد والدول. ولولا هذه المبادئ؛ لسادت علاقات العنف في كل جزئيات الحياة، ولأصبحت القوة هي الحق في كل الأحوال.

ما أريد التأكيد عليه هنا، هو أن الإرهاب في كثير من صوره الأشد بشاعة، كان مشروعا على امتداد التاريخ، وبالتالي على امتداد مسيرة الوعي الإنساني. ولم يقطع مسيرة هذا الوعي الإرهابي؛ إلا الاستثناء التنويري الذي قرر أن أي انتهاك لـ(حق الإنساني الطبيعي) يُعدّ جريمة، سواء كان انتهاكا معنويا أو ماديا. وهذا يعني أن محاربة الإرهاب (الإرهاب في مفهومه الشامل) لا يتحقق إلا بتفعيل رؤى التنوير، وأنها كلما تجذّرت تفعيلا في الواقع الفكري والعملي؛ تراجع العنف بكل مستوياته؛ بالاطراد مع مستويات تفعيل التنوير.

أخيرا نقول: لم يكن التنوير في القرن الثامن عشر مجرد رؤى مستنيرة تُطرح في السياق الثقافي للفلاسفة والمفكرين والأدباء. التنوير كان يعني آنذاك – كما يؤكد جوستاين غاردر -: تنوير طبقات الشعب الدنيا، كشرط أساسي لبناء مجتمع أفضل. والمراد أن تكون ثقافة الجماهير هي ثقافة التنوير؛ لتتقلص مساحات البؤس والعنف والإرهاب. أما عندما تكون الثقافة الجماهيرية على النقيض من ثقافة التنوير، أي ثقافة ماضوية متصلة بالبؤس التاريخي للبشر؛ فلا يُنتظر إلا أن تأتي بما كان عليه البشر طوال تاريخهم السابق لعصرنا/عصر التنوير. ومعنى هذا بالنسبة لنا، أننا إن أردنا صناعة واقع اجتماعي مُتَسَالِم مع نفسه ومع العالم، فلا بد من تعزيز الثقافة التي تدعو لذلك جماهيريا. لا بد من إنقاذ الوعي الجماهيري الذي استباحه سدنة الجهل والتخلف والإرهاب. لا بد من تعديل بوصلة الثقافة الجماهيرية؛ لأن ترك الجماهير تسبح في بحيرة تراثية آسنة، تجعل من الصراع والعداء والكراهية وانتهاك حقوق الآخرين والتصادم مع العالم، بل والتشوق إلى غزوه!، مبادئ عليا في عقائد راسخة، فلن نرى في واقعنا إلا بشرا يتمثلون هذه الصفات بكل ما فيها من جهل وحماقة وبؤس، معتقدين أنهم على الصراط المستقيم!.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى