مركزية المملكة في السياسة الدولية.. المؤشرات والدلالات

إن تعاقب الزيارات التي يقوم بها قادة العالم للمملكة يدل دلالة مباشرة على أن المملكة تجاوزت محيطها الإقليمي لتكون دولة ذات فعالية سياسية كبيرة على المستوى الدولي.. هذه الفعالية عبر عنها المجتمع الدولي بخطاباته السياسية وبزياراته المتكررة وبدعوته للمملكة بأن تكون ضمن مجموعة العشرين..

ما بين بداية شهر إبريل ونهايته، استقبلت القيادة السعودية عدداً من قادة الدول الشقيقة والصديقة بدءًا من رئيسة وزراء بريطانيا السيدة تيريزا ماي وانتهاءً برئيسة وزراء جمهورية ألمانيا الاتحادية الدكتورة انغيلا ميركل.. أن تكون المملكة وجهة للزيارات الدولية من العالمين العربي والإسلامي فهو أمر طبيعي بحكم مركزية المملكة في السياسة العربية والإسلامية وبتمثيلها للمصالح العربية وخدمة الإسلام والدفاع عنه.. ولكن كيف يمكن فهم أن تكون المملكة وجهة رئيسية لقادة الدول الصناعية والمتقدمة؟

وإذا كان شهر إبريل شهد زيارات لقادة دولتين من الدول الصناعية والمتقدمة، فإن مثل هذه الزيارات تمثل نموذجاً لما اعتادت عليه المملكة خلال تاريخها من توافد لجميع قادة الدول الصناعية والمتقدمة من غير استثناء. هذا الاهتمام الدولي بالمملكة نابع من عوامل كثيرة يراها العالم في المملكة العربية السعودية. وإذا ما أردنا أن نقرأ بعضاً من هذه العوامل من خلال التصريحات السياسية لقادة الدول المتقدمة ومن خلال الملفات التي تبحث، فإننا نستطيع القول بأن العالم يرى في المملكة أنها:

أولاً: ميزان للاستقرار والاعتدال السياسي: فمنذ عهد الملك المؤسس، تُعرف المملكة بحكمتها السياسية واعتدال قراراتها وهدوئها بالتعامل مع الأحداث ودعمها للاستقرار السياسي ومطالبتها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وبأهمية تطبيق مبادئ وقواعد القانون الدولي. هذا المنهج في إدارة السياسة السعودية جعل المملكة محل الاحترام والتقدير من جميع دول العالم المحبة للسلام والداعمة للأمن والاستقرار. ولم يقتصر هذا المنهج الذي يدعو للبناء والتنمية والتطور على دولة أو منطقة محددة، وإنما هي سياسة سعودية ثابتة وصلت إلى العالم أجمع وساهمت في تنمية مختلف قاراته ونادت المجتمع الدولي بتبني مثل هذه السياسات في منظماته بمختلف مستوياتها.

ثانياً: نموذج في مواجهة التطرف والإرهاب: يؤمن العالم بأن المملكة تعتبر من أوائل الدول إن لم تكن الدولة الأولى التي طالبت المجتمع الدولي بأهمية مواجهة التطرف والإرهاب من خلال عمل دولي مشترك تساهم فيه كل دول العالم المحبة للسلام. فالمملكة تؤمن بأن الإرهاب لا ينتمي إلى أي دين أو عرق أو منطقة، وبالتالي على جميع دول العالم العمل لمواجهة الإرهاب والقضاء عليه. هذه السياسة السعودية في مواجهة التطرف والإرهاب لقيت دعماً دولياً كبيراً على عدة مستويات: سياسياً تمثلت في تبني المجتمع الدولي للطرح السعودي في إنشاء مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في مقر الأمم المتحدة؛ وعسكرياً تمثلت في المشاركة في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي؛ وإسلامياً تمثلت في إنشاء وقيادة التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب الذي يضم إحدى وأربعين دولة إسلامية. هذه السياسة السعودية فرضت على الدول المتقدمة احترام وتقدير المملكة، وجعلت الدول العربية والإسلامية تفخر بتمثيل المملكة للدين الإسلامي الذي يدعو للوسطية ويحرم الإرهاب.

ثالثاً: ثقة في مجال الطاقة: يقدر المجتمع الدولي للمملكة دورها الريادي والقيادي في مجال الطاقة. هذا الدور الريادي والقيادي يتمثل في حرصها على أن يكون الاقتصاد العالمي في حالة نمو مستمر وبعيداً عن الكساد الذي سيتضرر منه الجميع وسيؤثر سلباً على التنمية في دول العالم الثالث. فسياسة المملكة في مجال الطاقة دائماً إيجابية لما فيه مصلحة المنتجين والمستهلكين. ويعلم العالم تماماً بأن المملكة التي تحتل المرتبة الأولى عالمياً في مجال تصدير الطاقة لم تكن يوماً سلبية أو أنها استغلت ذلك للتأثير سلباً على اقتصاد دولة أو مجتمع على الرغم من قدرتها على ذلك لو أرادت.

رابعاً: تملك رؤية مستقبلية: إذا كان الاستقرار السياسي هدفا رئيسيا للتعاملات الدولية، فإن وجود رؤية مستقبلية لتطوير المجتمع يمثل أيضاً هدفاً رئيسياً لتنمية العلاقات الدولية في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية. فالعالم الصناعي والمتقدم وجد في إطلاق رؤية المملكة 2030 فرصة متقدمة لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية. فالمملكة التي تملك إمكانات اقتصادية كبيرة وموارد طبيعية متنوعة وفرصا استثمارية واعدة وموارد بشرية شابة ومؤهلة تأهيلاً عالياً تمثل وجهة مهمة للدول الصناعية والمتقدمة لتعزيز الشراكات وزيادة الاستثمارات ورفع نسبة التبادل التجاري وغيرها من جوانب تخدم المصالح المشتركة للجميع.

خامساً: نموذج للدعم الإنساني وحفظ كرامة الإنسان: يشهد العالم بدولهِ ومنظماته بأن المملكة تعتبر من أوائل الدول إن لم تكن الدولة الأولى في تقديم المساعدات والإعانات الإنسانية من غير أن تنظر إلى دين أو عرق من يتلقى هذه المساعدات. فالمبادئ الإسلامية الأصيلة التي تطبقها المملكة في سياساتها تحث على المحافظة على النفس البشرية. وفي سبيل تطبيق هذه المبادئ الإسلامية، عملت المملكة على إنشاء مراكز خاصة لتقديم هذا الدعم الإنساني مثل مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية حرصاً على تقديم عمل منظم وهادف. كذلك يعلم العالم بأن المملكة تعتبر الدولة الوحيدة على المستوى الدولي التي تتعامل مع اللاجئين على أنهم ضيوف لدى الدولة السعودية حرصاً منها على كرامتهم وإنسانيتهم.

إن تعاقب الزيارات التي يقوم بها قادة العالم للمملكة يدل دلالة مباشرة على أن المملكة العربية السعودية تجاوزت محيطها الإقليمي لتكون دولة ذات فعالية سياسية كبيرة على المستوى الدولي.. هذه الفعالية عبر عنها المجتمع الدولي بخطاباته السياسية وبزياراته المتكررة وبدعوته للمملكة بأن تكون ضمن مجموعة العشرين لأكبر اقتصاديات العالم. هذه المكانة الدولية بُنيت خلال تاريخ المملكة الطويل وتأصلت بحاضرها الذي أثبت للعالم بأن المملكة تملك منهجاً سياسياً واضحاً ورؤية اقتصادية بناءة وعزماً في مواجهة التطرف والإرهاب وحزماً في مواجهة أعداء الدين والوطن.

وفي الختام من الأهمية القول إن شعب المملكة العربية السعودية يفخر بالمكانة المتقدمة لدولته على المستوى الدولي ويفخر بقيادته السياسية التي عملت وما زالت تعمل كل ما من شأنه عزة الدولة وشعبها ورفعة شأنها.

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى