العقوبات الخليجية وتداعياتها

ارشيف

حسام كنفاني

من الواضح أن الوضع اللبناني مقبل على تعقيدات كبيرة، بفعل القرارات الخليجية الأخيرة الخاصة بالتحذير من السفر إلى بيروت، أو مطالبة الموجودين في لبنان بمغادرته. إلى الآن، القضية في مراحلها الأولى، وإجراءات إضافية ستكون في طريقها إلى التطبيق تحت عنوان "الضغط على حزب الله"، لوقف ممارساته المستمرة ضد الدول الخليجية، وإضعاف سيطرته على البلاد.

العناوين حقيقية جداً، ولا مجال لنفيها أو مناقشتها، فالحزب يقف علناً في المقلب المناهض للتوجهات الخليجية، وخصوصاً في ما يخص السياسة المتبعة مع ايران. وهو انتقل من مرحلة التصعيد السياسي إلى العمل العسكري، عبر مشاركته المباشرة في المعارك في اليمن وسورية والعراق. كما أن سيطرة الحزب على مقاليد الدولة اللبنانية، وتأثيره الكبير على قراراتها معروفان منذ زمن أيضاً، وتحديداً بعد السابع من مايو/أيار 2008، حتى بات صاحب القرار الأول، أو بمعنى آخر بات هو الدولة بشكل غير مباشر. وحتى موقف وزارة الخارجية، والتي تدور في فلك حزب الله بوجود حليفه، التيار الوطني الحر، فيها، ليس جديداً جداً، فالمواقف التي اتخذتها الوزارة، في أكثر من مناسبة، كانت خارجة عن الإجماع اللبناني، وحتى لم تكن تسير في سياسة "النأي بالنفس" التي ابتكرت لمحاولة إبعاد لبنان عن المحاور القائمة في المنطقة.

كل هذا معروف وقديم، والسؤال قد يكون عن معنى توقيت الإجراءات الخليجية الجديدة ضد لبنان ومدى تأثر حزب الله بشكل مباشر بها. التوقيت لا إجابة مباشرة له، هي مجرد تكهنات، لعل أهمها وأكثرها معقولية هو الذي يتحدث عن إمكان تدخل مباشر، سعودي بشكل أساسي، في سورية، وخشية أن يثير ردود أفعال ضد المصالح الخليجية بشكل عام، والسعودية خصوصاً، على الأراضي اللبنانية. إضافة إلى ذلك، ترى أوساط أن الإجراءات تصب في إطار الضغط على الحكومة اللبنانية لوقف تدخل حزب الله في السياسة العامة.

قد تكون الغايات واضحة، لكن يبقى الشك في مدى نجاعتها، وأن تصل بالأمور إلى ما تريده الدول الخليجية بشكل عام، وخصوصاً في ما يتعلق بالإجراءات الاقتصادية المرتقب أن تتخذ، سواء في ما يخص الاستثمارات الخليجية في لبنان، أو ما يتعلق بترحيل لبنانيين عاملين في بعض الدول الخليجية، بحسب ما يتم ترويجه حالياً في بعض وسائل الإعلام اللبنانية. مثل هذه الإجراءات سبق أن تم تجريبها في وقت سابق، وأثبتت أنها ليست ذات تأثير مباشر على حزب الله، لأسباب باتت معروفة، ولعل أبرزها أن المنظومة الاقتصادية للحزب شبه منفصلة بشكل تام عن الدولة اللبنانية. فيدرك كل من هو مطلع على الوضع اللبناني أن للحزب مؤسسات اقتصادية واجتماعية، تعمل في معزل عن الدولة اللبنانية، ولها سياق خاص في تدفق السيولة التي لا تمر عبر السياق الطبيعي للدولة اللبنانية، وبالتالي، أي إجراءات اقتصادية بحق لبنان لن يكون لها تأثير مباشر على المنظومة الاقتصادية لحزب الله. فالمتأثر بهذه العملية سيكون الشريحة اللبنانية غير المنضوية في إطار المنظومة الاقتصادية لحزب الله، بل ربما في المقلب المناهض للحزب.

ينعكس هذا الأمر ربما بشكل أكبر على عمليات ترحيل العاملين في دول الخليج، والتي يستهدف منها الضغط بشكل مباشر على البيئة الحاضنة لحزب الله. أيضاً، يدرك من يعلم بتفاصيل الوضع اللبناني أن عملية الضغط على هذه البيئة غير ممكنة، على اعتبار أن سياق النظام الاقتصادي الخاص من الممكن أن يعوّض على هؤلاء، ولو بالحد الأدنى. في المقابل. وفي السياق نفسه، سيكون المتأثرون بشكل مباشر بمثل هذه الإجراءات من البيئة المناهضة للحزب.

بالمحصلة، لن تكون الإجراءات الخليجية بحق لبنان ناجحة في تحقيق الغاية الأساسية منها، بقدر ما سيكون لها ارتدادات عكسية تضع لبنان في مزيد من الأزمات.

عن "العربي الجديد"

ضع تعليق

تأكد من إدخال المعلومات (*) المطلوبة في الأماكن المحددة. لا يسمح كود HTML.

العودة للأعلى