السبت, أيار 02, 2026

All the News That's Fit to Print

صالح الشهري فنان موهوب بالفطرة، صامت سمته في هذه الحياة الإبصار، والتأمّل ما بين هذا المحسوس المادي، وما خلف هذا المحسوس، لا يكترث كثيرًا بما حوله من مؤثرات، مترفعٌ بذاته

عن كل ما يعيق فنّه وخبرته الإبداعية التي اكتسبها عبر سنوات مضت ليست بقليلة. عشق الفن منذ طفولته الدراسية، له محاولات كثيرة في المحاكاة ورسم الواقع المشاهد، بدأ مشواره الفني في الساحة التشكيلية برسم البرتريهات، وبعض الشخصيات المعروفة في المجتمع.
ورغم أنه لم يعزز ما لديه من موهبة بدراسة متخصصة في معهد، أو أكاديمية لتعليم الرسم؛ إلاّ أنه أصبح اليوم من العلامات البارزة في هذا المجال، وأصبحت له بصمة واضحة المعالم لا يستطيع أحد أن يتجاهلها، أو ينكرها، وكأنّه ومن خلال فنّه يريد أن ينوّه بأهمية الموهبة والتي تعتبر الفيصل في البقاء، حتى ولو كان العلم والثقافة مرتبطين بالفعل الفني. فالموهبة سر النجاح، والتألق البصري.
أتذكّر بداياته البسيطة في رسم الواقع بكل تفاصيله، برتم كلاسيكي وفق القواعد المعروفة في النسب والأبعاد. يختلجها نوع من العشق والتأمّل، ورغم قدرته الهائلة في الرسم والتي بدأت ملامحها تطفو على السطح منذ أول وهلة، إلاَّ أنّه دائمًا يراوده إحساس المباغتة والتغيير على تلك القيود والقواعد والتي جعلته فيما بعد يعبّر عن روح العصر بحركته الدائمة، وسط إشعاع زاهٍ ينطلق من الشكل واللون.
فلوحته تتحدث عنه، وبصوت خافت، وحين يتحدث عن الطبيعة فيعبّر بأجمل الألحان، فيدخل في أعماق السرب ليكتشف ويحلل فيبرز ملامح لم نعتدها أبدًا في رسم الواقع، وتتضح رؤية جديدة تعانق لحظه العشق للتغيير.
فنلمح شخصيات وعناصر من الطبيعة فتذهب بنا بعيدًا، تلامس العقل الباطن، وتلامس وجداننا الخفي إثر ما يصنعه صالح عبر المنتج من آثار قوية للون وضربات فرشاة تشعرنا بقوة التعبير عن كل ما يبوح خلف هذا الشكل، وهذه الشخصية، فلا نهتم بالملامح بقدر ما نبصر الانفعالات المهيمنة علي الحدث الموجود من خلال اللون، وانكساره ومن خلال الكثافة اللونية في بعض المناطق فتجعله أكثر أثاره وديناميكية، تحرك الإحساس الداخلي وفق قواعد ضوئية يرجع بنا للفنانين الانطباعيين.
استمر في الساحة التشكيلية بهدوء تام وسط صراع من المنافسة الطبيعية التي تتّسم بها ساحتنا التشكيلية المحلية. ولكن في نفس الوقت ثقته بنفسه، وإيمانه بموهبته جعلته يتأنَّى قليلاً، ويبصر ليخلق منطلقًا جديدًا يتوافق مع طموحه التواقة إلى صهيل اللون الزاهي المتأصل في ذاته منذ الصغر، وعندما يخلو بنفسه في مرسمه الخاص، وسط ألوانه الحالمة حينها فقط تظهر نرجسيته، وعنفوانه فيعيش ذاكرته الخصبة المليئة بالخبرات البصرية، يبعثر لونه هنا وهناك وبحرية تامة وذاكرته يختلجها الكثير من الرواسب الذي اكتسبها تارة من التبصر، وتارة من ورش العمل السابقة، ليدرك من خلال هذا العراك الوجداني بعض الشيء من التفاصيل المغيبة خلف الأشياء.
ورغم التغيير الملحوظ الذي انتاب المنتج الفني الخاص بصالح في الأونة الأخيرة، إلاّ أنه تظل الخصوصية والهوية عنوانًا لهذا العمل الخلاق، فاستمر صالح في التنقيب والبحث والحذف والإضافة للهاجس المستمر في ذاته الشقوفة للاكتشاف؛ لذلك نشهد باستمرار خروجًا منطقيًّا على مستوى اللون والهيئة جعلته لا يبالي بالشكل المادي بقدر اهتمامه بحركة اللون الدائمة ليعبر فيها عن موضوعاته السابقة، ولكن بأكثر حيوية وخبرة اكتسبها من التجارب الدورية التي يبعثرها عبر المعارض، يجس بها نبض المشاهد، فيخرج مستقبلاً إلى عوالم أخرى تعانق الطموح التي ولا يزال يسعى إليها بتأنٍّ متزن، معتمدًا على كل معايير اللذة الحسية حين يمارس الرسم والتي أصبحت في مضمار هذا الفن معيارًا جماليًّا بحتًا. فمعالجة الموضوعات لم يكن من أجل الموضوعات ذاتها؛ بل من أجل إحداث التنغيم الذاتي من اللون، وأحداث التباين بين النور والظل ممّا يساعد على إعطاء الإيحاء بالخصائص الدرامية الخاصة بالمشهد.
نشاهد العقل الباطن الذي يرتبط بصالح في ممارسته التشكيلية، وكأنه متشبث داخل روح فنان وما يسيطر عليها من ذكريات، إنه سحر يكمن في بساطة ونقاء لوحته، والتي تلامس الواقع بأشكالياته المتعددة، وليس واقع ميتافيزيا مجرد؛ بل قريب للحياة فنشاهد في لوحاته العازف، ونشاهد العمدة في المركاز، ونشاهد الأطفال يمرحون ويلعبون في حارة قديمة، ونرى الخيل والخيال، ونرى الجمل والجمال وهكذا استخدم البيئة المحلية، وما تنعم بيه من إرث حقيقي وصور تندثر بتقدم وتطور الحياة بقناعات أساسها يؤكدها البهنسي في كتاباته عن النقد بأن «الإنسان بذاته لا يستطيع أن يعيش خارج معاناته التاريخية والإنسانية وليس بإمكانه أن يقبع بعيدًا عن الحياة أن ينحر وجوده، بل إنه كإنسان يمارس النظر إلى جوهر الأشياء وأشكالها يبقى مرتبطًا بعالم معين، وبظروف اجتماعية وهو يتجاوب ويتعاطف، أو يتجادل مع هذه الظروف من خلال طريقته في العمل، وهو كمبدع يتجاوز المقلّد، ويتجاوز المكرر، ويبحث عن صور جديدة يكتشف صيغًا جديدة لما يعانيه، وما بحدسه من الحياة».
-------------
* فنان وناقد تشكيلي