- التفاصيل
- أخبار متنوعة
الفنان عزت العلايلي فى حوار عن "الأرض" - الوفد
تجاوز فيلم «الأرض» للمخرج الراحل يوسف شاهين، كونه مجرد شريط سينمائى يهدف لإمتاع مشاهديه، ليتحول إلى «أيقونة» تحمل إلى جانب المتعة، تأريخاً لفكرة الارتباط بالأرض، والتمسك بها ولو بأظافرنا، منطلقاً من رواية عبدالرحمن الشرقاوى، التى دارت أحداثها فى ثلاثينيات القرن الماضى، لتمتد هذه الرؤية لزمن إنتاج الفيلم، الذى خرج للنور فى 1970، بعد نكسة يونيو، بتطويع الرواية سينمائياً، لتتحول أحداثها إلى معادل رمزى للتمسك بالأرض، والتى ما زالت هاجساً يؤرق المصريين، وسط ما نعيشه من مؤامرات تستهدفها، ليعود فيلم «الأرض» لتصدر المشهد كفيلم متجاوز، ومجرد من الزمن، بانغماسه فى المعنى، بعيداً عن أى حدث تاريخى معروف، لهذا كله أردنا أن نجرى حواراً عن التراب الوطنى، انطلاقاً من شريط يوسف شاهين السينمائى، فلم نجد بُداً من اللجوء لآخر حراس الأرض، الفنان الكبير عزت العلايلى، وفى حواره لـ«الوفد»، يتحدث عن قيمة وماهية الأرض، منطلقاً من الخاص إلى العام، ومن المصرى إلى العربى، ليؤكد قدسية الأرض فى زمن تسعى لنهشها أنياب ومخالب الدول الكبرى.
> كيف ترى «الأرض» كفكرة مجردة من وجهة نظرك؟
- الأرض هى المعنى الأصيل لانتماء الإنسان، والانتماء إلى الأرض انتماء إلى المعنى، وإذا لم تحترم أرضك فلن يحترمك العالم، فالناس تقاتل من أجل الأرض، والمساحة والحدود، ويجب أن نحرص عليها لأنها القيمة، فهى من الناحية المادية تمثل النماء والخير.
> يحمل فيلم «الأرض» ارتباطاً بالتراب وعزيمة فى الدفاع عنه، فهل إعادة تقديم الرواية سينمائياً ارتبط بظروف فقد الأرض فى حرب 1967؟
- الفيلم كان ضرورة مع ما كانت تعيشه مصر وقتها، وبلور السيناريو المعنى بما يناسب العصر الذى قدم فيه، وعند تجسيده كنت أرى أموراً مادية ومعنوية، ورؤى تاريخية ومعاصرة فى الوقت نفسه، ليتحول الأدب والسينما لانعكاس للمجتمع، ففيلم «الأرض» عبر عن المرحلة الزمنية التى قُدِم خلالها، مشيراً إلى التمسك بالأرض كقيمة كبيرة فى ضمير كل مصرى.
> هناك إشكالية دائمة بين النص الروائى والشريط السينمائى من حيث اختلاف الرؤية.. فهل اختلفت الرؤية البصرية فى الفيلم عن النص الأصلى لعبدالرحمن الشرقاوى؟
- النص الذى كتبه عبدالرحمن الشرقاوى، يختلف عن الرؤية السينمائية التى طرحها الفيلم، وتوظيف الرواية كان لصالح الزمن الذى قدمت فيه سينمائياً، وإذا لم تتغير الرؤية، فما فائدة السينما التى يجب أن يكون لها وجهة نظر، وكاتب السيناريو حسن فؤاد، والمخرج يوسف شاهين، تساوت رؤيتهما مع النص الأدبى من حيث الجودة، ولكن الصياغة الفكرية كانت مختلفة جزئياً، وتحمل دلالات جديدة، أضافت للشريط السينمائى معانى عميقة.
> فيلم «الأرض» حمل أبعاداً رمزية، ولكن حضور المكان متمثلاً فى الريف المصرى كان واقعياً للغاية، فما الذى تتذكره من كواليس تصوير العمل؟
- فيلم «الأرض» يحمل معانيه ودلالاته بداية من اسمه، لهذا كان من الطبيعى أن يصور فى عمق الريف المصرى، وتنقلنا بين عدة أماكن مختلفة، ولكن مشاهد الساقية كان لها خصوصية، لأننا صورنا هذه المشاهد فى ضواحى مدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية، بجوار منزل عبدالرحمن الشرقاوى، وهو ما جاء وبالاً عليه، خاصة أنه استضاف طاقم التصوير الذى كان يزيد على 20 شخصاً، وطوال أيام التصوير كنا نأكل من بيته، ولكن اختيار أماكن التصوير كان مهماً، للخروج بهذه الصورة البديعة التى صنعها عبدالحليم نصر، برؤية مخرج كبير مثل يوسف شاهين.
> قدمت تجارب أخرى مع المخرج يوسف شاهين منها فيلم «الاختيار» الذى يحمل أبعاداً تتعلق بالهوية.. فهل ترى رابطاً بينه وبين «الأرض»؟
- إذا كان فيلم «الأرض»، يعبر عن هموم عصره متمثلة فى تمسك الإنسان بأرضه وتاريخه، ففيلم «الاختيار» يحمل رؤية تعبر عن أزمة المثقف الباحث فى حقيقة وجوده على الأرض، وهل يمتلك القدرة على مواجهة هذه الحقيقة أم ينقسم على نفسه ليحدث الخلل، وهناك ارتباط بين «الاختيار» والأرض، لأن حالة الانقسام التى عبر عنها العمل، جاءت نتيجة فقدان الأرض فى نكسة 1967، فالبطل كان مثقفاً يمتلك وعياً كبيراً، ولكنه فقد توازنه بعد النكسة، وأوشك على الانكسار، وهذا كان حال كثير من جيل الستينيات، الذى تلقى صدمة قوية بسقوط أرض سيناء فى حرب لم نكن نتوقع نتائجها.
> حالة الانكسار عبرت عنها أيضاً فى تجربة «المواطن مصرى» مع المخرج صلاح أبوسيف.. فهل تعتبر الفيلم امتداداً لانكسار الإنسان المصرى؟
- فيلم «المواطن مصرى»، الذى كتبه محسن زايد، عن قصة للكاتب يوسف القعيد، وأخرجه صلاح أبوسيف، قدم صورة واقعية للمواطن الذى فقد مكتسبات عصر جمال عبدالناصر، حتى إنه فقد الأرض التى حصل عليها بموجب قوانين الإصلاح الزراعى، وهو ما جعله يقول «يا حضرة القاضى.. عبدالناصر إدانى 5 فدادين.. وبعدين خدوها مني»، وهو ما يوضح عظمة الكاتب محسن زايد، فى التعبير عن التغيرات التى طرأت على المواطن المصرى، خاصة بعد انتهاء حكم جمال عبدالناصر، فنحن نسير من سيئ إلى أسوأ، مع فقدنا العديد من المكاسب التى حققتها ثورة يوليو، بغض النظر عن نواقصها التى رصدتها السينما أيضاً فى أعمال مثل «الكرنك»، و«ميرامار»، كما ناقشنا مساوئ الانفتاح فى «أهل القمة»، والحراك الاجتماعى الذى نتج عنه، فالسينما قامت بدورها فى التصدى لسلبيات الأنظمة السياسية.
> أرى تحيزك لفترة الستينيات التى يرى البعض أنها العصر الذهبى للإبداع، فهل ترى رابطاً بين التمسك بالهوية والأرض وانتعاش الفكر والثقافة فى هذا الوقت؟
- مرحلة الستينيات تمثل مرحلة انطلاق الإنسان المصرى فكراً ورؤية، مع وجود زعيم أيقظك بمقولة «ارفع رأسك فقد مضى عهد الاستعمار»، وهو ما جعل الإنسان المصرى أكثر تمسكاً بالأرض، وبالهوية الثقافية المصرية، خاصة مع التأكيد على ذلك بتأميم قناة السويس، واتخاذ خطوات جريئة نحو العمق العربى، بضرب الرجعية فى اليمن، والوحدة مع سوريا، وهو ما انعكس على الثقافة والفنون، لتؤكد الإحصائيات وقتها صدور كتاب كل 5 دقائق، وبدء البث التليفزيونى ثم تأسيس مسرح التليفزيون، إضافة إلى تأسيس مؤسسة السينما وما أنتجته من أفلام ما زالت راسخة فى تاريخنا الثقافى، فهذه النهضة الفكرية والثقافية دفعت كوريا الجنوبية لإرسال بعثات لتتعلم التجربة المصرية، وهو ما لم يستمر فى فترة السبعينيات التى سادها الخمول، وبدأ التراجع.
> وهل تغير بوصلة مصر بعيداً عن فكرة القومية العربية فى عهد «السادات» غيَّر نظرتنا للأرض التى كانت تتجاوز مصر لتمتد من المحيط إلى الخليج؟
- لا نستطيع تغيير المعنى فى أى زمن، ولكن الظروف التى مررنا بها، وضعتنا حالياً فى حالة دفاع عن الأرض، والذى يعتبر دفاعاً عن المستقبل، خاصة أن الغرب كشف عن وجهه الحقيقى، منذ تحدثت كونداليزا رايس عن الفوضى الخلاقة، ولكننا حاولنا الرد على هذه المحاولات، الموجهة للاستهلاك المحلى فقط، فهم يستهدفوننا جميعاً كعرب، ويسعون لتحقيق أهداف لم تعد خافية على أحد، فى ظل ما نعانيه من أزمات وتقسيم وتفرقة.
> وهل يستهدف الغرب الأرض أم الموارد التى تحملها هذه الأرض؟
- الغرب يريد كل شىء، ويسعى بشتى الطرق لتحقيق أهدافه، وللأسف ما أراده الأمريكان، تحقق فى دول مثل العراق، أو سوريا، مع تطبيق نظريات الفوضى غير الخلاقة، وما يروج حالياً من حلول للأزمات المصطنعة، بطرح أفكار التقسيم خلف ستار اتحاد كونفيدرالى للطوائف المتنازعة، يهدف فى الأساس لتجزئة القوى العربية، حتى تعيش إسرائيل فى أمان وهدوء واستقرار، خاصة مع شرذمة الدول العربية الكبرى وتمزيقها، لتصبح كل دولة مقسمة إلى عدة دويلات صغيرة، لا تزيد مساحة أكبرها على حجم إسرائيل، وهو الأمر الذى يحتاج لتعاون عربى مشترك أرى أنه يتحقق خاصة بين مصر ودول الخليج.
> ولكن هناك بعض المحللين يرون تباعداً بين مصر وبعض دول الخليج، خاصة قبل زيارة الملك سلمان للقاهرة.. فما تعليقك على ذلك؟
- هناك العديد من محاولات الوقيعة، بين مصر ودول الخليج، وهى محاولات باردة تستهدف مصر والسعودية بشكل خاص، ومعروف أن وراء هذه المحاولات دولاً مثل إسرائيل وإيران وتركيا، كل حسب مصالحه الخاصة، فهناك الكثير من المدافع موجهة لصدور العرب، ومصر أكثر اتحاداً مع دول الخليج، والرئيس أشار لهذا الاتحاد بإبداء حرصه على أمن الخليج، بقوله «مسافة السكة»، وهو ما ينطبق على أى بلد عربى آخر، وفى هذا دلالة على الاتحاد فى مواجهة محاولات التفريق بين الدول العربية الشقيقة.
> وهل ترى الجدل الدائر حالياً حول ملكية جزيرتى تيران وصنافير يعيد أجواء فيلم الأرض مع الانقسامات بين القائلين بمصرية الجزيرتين أو سعوديتهما؟
- لا انفصال بين الإنسان المصرى وأرضه، وهناك رجال قانون متخصصون، يملكون القدرة على حسم هذه المسألة الشائكة، ويجب أن نعود إليهم باعتبارهم من أهل العلم، ونستند إلى القانون والوثائق التى تحدد هوية الجزيرتين، دون اجتهادات شخصية أو «فهلوة»، لن تضيف بقدر ما قد تخصم من رصيدنا جميعاً، مع استمرار دائرة الصراع بين الجبهتين المتصارعتين، خاصة أن هذا الجدل دفع بالسودان للمطالبة بضم حلايب وشلاتين باعتبارهما أراضِى سودانية، رغم أن قضيتهما حسمت منذ سنوات طويلة، على العكس من تيران وصنافير، وكلتاهما تمثل أهمية استراتيجية لمصر، مع تبعيتهما لنا بغض النظر عن الملكية التى قد تكون لنا أو للسعودية، وهو أمر لا يمكن أن أفتى فيه بغير علم، ويجب العودة للخبراء لحسمه تماماً.
> قدمت من قبل مسلسل «الجماعة» الذى كشف التاريخ السرى للإخوان، فكيف ترى مستقبل الجماعة بعد نبذ المجتمع لها.. وما مصير الجزء الثانى من المسلسل؟
- مسلسل «الجماعة» وضع الناس على الطريق الصحيح، ورغم عرضه قبل ثورة 25 يناير، فإن الإخوان استطاعوا الوصول للسلطة، بسرقة أحلام الشباب المصرى الطامح للتغيير، ولا أعلم سبب عدم تقديم الجزء الثانى من المسلسل، ويُسأل فى ذلك الكاتب وحيد حامد، ولكن الجزء الأول أوضح التاريخ الأسود للإخوان، ودورهم فى كثير من الأحداث التى مرت بها مصر خلال الـ80 عاماً الأخيرة، ومن ينظر للتاريخ سيكتشف أن هذه الجماعة أسستها المخابرات البريطانية، لتعمل لصالحها فى مصر والمنطقة العربية، ومن يتطلع للحاضر سيجد أن أغلب الهاربين من الجماعة يعيشون فى بريطانيا، بدعم مباشر من رئيس وزرائها ديفيد كاميرون، فمنذ عام 1928 وهناك دعم للجماعة، فكيف لشاب يبلغ من العمر 26 عاماً مثل حسن البنا، أن يضع استراتيجية طويلة المدى لنشاط الإخوان، والحقيقة أن حسن البنا ومن تولى منصب المرشد العام بعده، تحركوا وفق توجهات لا علاقة لها بالدين، ولكن لها بعد سياسى يميل للعنف فى كثير من الأحيان، وهو ما يؤكد أن مكتب الإرشاد العالمى للجماعة، يقع مقره فى العاصمة البريطانية لندن، وإذا كان محمد بديع مرشد إخوان مصر، فيمكن أن نقول إن ديفيد كاميرون، هو المرشد العام للإخوان المسلمين فى العالم.
> وهل ترى فى وجود تنظيم «داعش» فى الأراضى العربية خطة بديلة للغرب بعد سقوط حكم الإخوان؟
- «داعش» لعبة سياسية تستهدف مناطق النفوذ فى العالم العربى، فهى تتخذ من الإسلام واجهة دينية؛ للسيطرة على المناطق الاستراتيجية، خاصة تلك الغنية بالبترول، وجميعها مخططات غربية، ولكن صحوة الدب الروسى ساهمت فى إفسادها إلى حد كبير، و«داعش» لم تعد مشكلة، خاصة أن أمريكا بدأت تفقد نفوذها، بعد أن أنهكت نفسها فى حربى أفغانستان والعراق، وغيرهما من المعارك الجانبية التى خاضتها، وهو ما يتضح من خلال جنوح سياستها مؤخراً، لمهادنة كل من كانت تعاديهم فى الماضى، خاصة بعد المصالحة التى قام بها أوباما مع كوبا، العدو التاريخى لها فى أمريكا اللاتينية، إضافة إلى إبرام الاتفاق النووى مع إيران، وهو دليل على انحسار نفوذ أمريكا لا فى المنطقة العربية فقط، ولكن فى العالم، وتواجد روسيا فى سوريا ساهم فى هز هيبة أمريكا، وتخريب مخططاتها فى المنطقة بإحداث توازن فى القوى.
> وما دور الفن فى تبنى قضايا الدفاع عن الأرض وتوحيد الصف محلياً وعربياً؟
- الفن يعانى أزمة حقيقية فى مصر، والسينما تراجعت عن القيام بدورها، كنتيجة حتمية لتراجع الدولة عن تبنيها، ففى أمريكا لا ينفق المنتج أمواله فى صناعة فيلم، ولكنه يتوجه إلى البنك للحصول على التمويل اللازم، وهى التجربة التى طبقها رائد الاقتصاد المصرى طلعت حرب، الذى أسس أول بنك مصرى وموَّل السينما من خلاله، ولكن هذا الأمر انتهى منذ عقود طويلة، حتى أسس جمال عبدالناصر مؤسسة السينما، التى عملت لسنوات قبل أن يغلقها السادات، لتعود السينما لتخبطها، خاصة أن الدولة لا تعترف بأنها صناعة، ولا يوجد بنك يقبل إقراض منتج سينمائى لصنع فيلم، رغم أن هذا الأمر معمول به فى العالم كله، وهذا الكلام طرحته على الرئيس أنا والصديق الراحل نور الشريف أثناء اجتماعنا به، فيجب أن نقدم الفكر وتقدم الدولة المال من خلال البنوك، ووقتها ستجد صناعة سينما، كما فى هوليوود أو بوليوود.

- التفاصيل