Thursday, May 07, 2026

All the News That's Fit to Print

ارشيف

ريتشارد فولك* - (ذا بالستاين كرونيكل) 3/2/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

خلال فترة عملي كمقرر خاص للأمم المتحدة لشؤون فلسطين المحتلة، خاصة في سنواتي الأولى بين العامين 2008 و2010، توقعت تماماً مواجهة معارضة تشهيرية لعملي من إسرائيل والصهاينة المتشددين.

لكن ما فاجأني في ذلك الوقت كانت الجهود الحثيثة التي بذلتها السلطة الفلسطينية لتقويض دوري في مجلس حقوق الإنسان في جنيف. وقد مارس ممثلها ضغوطاً مختلفة لتشجيع استقالتي، وقام بتحركات غير متوقعة للطعن في تقاريري، خاصة إذا كانت تصف حقيقة ممارسة حماس سلطة الحكم في غزة. وفي ذلك الوقت، تشكل لدي الانطباع بأن السلطة الفلسطينية كانت أكثر اهتماماً بكثير بهذا الصراع الداخلي في داخل الحركة الفلسطينية من اهتمامها بتوجيه نقد جدي للطبائع المسيئة التي ينطوي عليها الاحتلال. وبينما كنت أبذل قصارى جهودي نيابة عن الأمم المتحدة للإبلاغ بأمانة عن الانتهاكات الإسرائيلية للحقوق الفلسطينية وفق القانون الدولي الإنساني ومعاهدات حقوق الإنسان، أصابتني الحيرة في البداية، ثم شرعت في التساؤل عما إذا كان الشعب الفلسطيني ممثَّلاً بشكل مناسب على المسرح العالمي.

تجلت مسألة التمثيل هذه بحدة فيما يعود جزئياً إلى السياسات الإسرائيلية التي سعت إلى تقسيم الشعب الفلسطيني، ثم شكواها من أنه ليس لديها شريك يمكن أن تصنع معه السلام. وتقوم التجزئة بشكل مباشر بإفساد حق تقرير المصير الذاتي للفلسطينيين، عن طريق جعل طبيعة "الذات" التي تريد تقرير مصيرها (أي الشعب الذي يحق له الاستفادة من هذا الحق) غامضة وغير مرضية. ويأتي هذا التأكيد على التعارض بين "الذات" و"الشعب" من اللغة الموثوقة للمادة الأولى من معاهدتين لحقوق الإنسان، واللتين تجعلان من حق "تقرير المصير الذاتي" هو الأكثر أساسية وبساطة بين كل الحقوق، والذي يشمل الحقوق الأخرى، ويمنح هذا الحق لـ"الشعوب" أكثر من "الدول" أو "الحكومات".

وليس الشعب الفلسطيني هو الوحيد الذي يتم قهره وإخضاعه بطريقة تنكر على "الذات" الفلسطينية الحق في أن يكون لها تمثيل مناسب. ولنفكر في محنة الشعب الكردي، أو فيما أصبح الآن "شعوباً"، والتي يمكن تعقب تكوينها إلى التجزئة التي فُرضت على الأكراد بسبب الطريقة التي أعاد بها الطموح الاستعماري تكوين المجتمعات السياسية التي شكلت في السابق جزءا من الإمبراطورية العثمانية، فيما يدعى "دبلوماسية السلام" التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. لقد كان إطار "سايكس-بيكو" سيئ السمعة الذي فرض على المنطقة، هو المسؤول بشكل كبير عن الاضطرابات الراهنة في المنطقة، والتي يمكن فهمها على أنها سلسلة من النضالات المتعالقة التي خاضتها الأقليات المقهورة من أجل تأسيس مجتمعات سياسية أكثر طبيعية، والتي تستطيع أن تحمي هواياتها وحقوقها.

يمكن أن ينفق الحقوقيون والسياسيون ساعات طويلة في مناقشة ما إذا كان المطالِب بالحقوق هو في الحقيقة شعب، من وجهة نظر القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويتذكر الكثيرون تهكم غولدا مائير الشهير: "من هم الفلسطينيون؟" وهناك الكثير من الشعوب غير الممثلة في العالم، والمهمشة في بيئات مختلفة، وليس هناك ما هو أكثر مدعاة للأسف من الـ350 مليوناً أو نحو ذلك ممن يُدعون "الشعوب الأصلية"، والذين كانوا ضحايا للطرد الوحشي، والتطهير العرقي والإبادة الجماعية، ومجموعة متنوعة من أشكال القمع والإخضاع. وكان من شأن نظام عالمي إنساني حقاً أن يجد السبل لمعالجة هذه المظالم التاريخية، مع الاعتراف بأن الماضي لا يمكن أن يعاد، وبأن الحاضر لا يمكن نقضه. ويجب أن يكون هناك بعض الجهد حسن النية للتوفيق بين عدم إمكانية استعادة الماضي وبين التغلب على المعاناة التي يتحملها الضحايا في الحاضر. إنها عملية التوفيق هذه هي التي عبر عنها إدوارد سعيد وآخرون كمسار ممكن لتحقيق سلام مستدام لليهود والفلسطينيين.

مهما يكن السرد التاريخي الذي يستنطق ظهور إسرائيل ويشكك فيه، فإن اعتبارات القرن الحادي والعشرين العملية والمعيارية على حد سواء، تتلاقى على ضرورة السعي إلى تحقيق تقرير المصير الذاتي لليهود والفلسطينيين. ولنلاحظ أن الصهيونية هي مشروع سياسي تبناه الشعب اليهودي، لكنها ليست بالضرورة انعكاساً لحق تقرير المصير الخاص باليهود، إذا كان ذلك يتعدى على حق فلسطيني مناظِر ومهم بالمقدار نفسه، ويرفض التعامل مع "المستوطنات" على أنها جزء من فكرة استحالة إعادة الماضي أو ينظر إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في المخيمات في داخل أو خارج فلسطين على أن لهم حقاً في العودة أو الإعادة إلى وطنهم أدنى من ذلك الممنوح للشعب اليهودي. ويعني منطق هذه العبارة أن تبدو تضليلية عندما يتعلق الأمر بمواصلة السعي إلى حل الدولتين، لكن هذا الأمر يبقى متروكاً للشعبين لكي يقررا بنفسيهما إذا ما كان الحق في تقرير المصير يجب أن يحترم أم لا. ويعيدنا هذا المسار الموصوف للعمل إلى القضية التي تحيط بشرعية ومصداقية التمثيل. وحتى يتم حل هذه المسألة، ستظل أي عملية سلمية إشكالية، إذا كان الهدف منها هو التوصل إلى سلام دائم وعادل.

التمثيل في الأمم المتحدة

من بين العقبات العديدة التي تواجه الشعب الفلسطيني، ثمة غياب أي خط واضح للتمثيل، بل وحتى قيادة سياسية تحظى باحترام واسع النطاق، على الأقل منذ وفاة ياسر عرفات في العام 2004. ومن منظور الأمم المتحدة، فضلاً عن الدبلوماسية بين الحكومات، فإن هذه القضية المتعلقة بالتمثيل الفلسطيني تعامل على أنها ليست مشكلة أصلاً. فالأمم المتحدة تقبل بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، على الرغم من أن واقع الحكم الفلسطيني قد آل إلى السلطة الفلسطينية منذ تم تأسيس دبلوماسية أوسلو في العام 1993. وهناك انقسام مماثل قائم بين الشكلية القانونية وبين السلطة الفعلية في الدبلوماسية الدولية، على الرغم من أن معظم الـ130 حكومة أعلنت اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية، وليس بفلسطين، وعلى الرغم من أن دور السلطة الفلسطينية يصبح أكثر هامشية باطراد في تشكيل السياسة الفلسطينية الوطنية والدولية في السنوات الأخيرة. ومنذ منحت الجمعية العامة اعترافها بإقامة دولة فلسطينية في العام 2012، تم حسم مسألة التمثيل الفلسطيني في الأمم المتحدة في إطار الأمم المتحدة (بمنطوق القرار 67/19، 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012).

مع أن هذا التمييز بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية ما يزال غامضاً بالنسبة لجميع المعلقين والمتابعين لمسألة الصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني، فإن له مع ذلك تداعيات مهمة على الدبلوماسية، وعلى مدى وحجم التمثيل الفلسطيني. إن السلطة الفلسطينية، التي يرأسها محمود عباس، تبدو منشغلة بشكل أساسي بالضفة الغربية وبأهميتها السياسية الخاصة، كما أنها بدت متحالفة بشكل غريب مع إسرائيل فيما يتعلق بمصير غزة، وحتى مصير 5 إلى 7 ملايين لاجئ فلسطيني منتشرين في كل أنحاء العالم. وعلى العكس من ذلك، تُفهم منظمة التحرير الفلسطينية، على الأقل في تكوينها الذي كانت عليه إلى أن تولت دبلوماسية أوسلو زمام الأمور -وكذلك في الممارسة العملية- في إطار دورها باعتبارها الممثل للفلسطينيين القادمين من طيف متفارق من الانتماءات السياسية، وسواء كانوا يعيشون تحت الاحتلال أو كلاجئين أو منفيين -أي كشعب مقتلع، بدلاً من تمثيل منطقة تخضع لاحتلال استبدادي وقمعي.

فشل أوسلو الدبلوماسي

كان من بين عيوب عملية أوسلو، تأكيدها على وهم أنه يمكن تحقيق سلام مستدام ببساطة عن طريق التفاوض وإنهاء احتلال الضفة الغربية، وربما غزة والقدس الشرقية. ثم سيُنظر إلى بقايا الأراضي التي ستُترك بعد الانسحاب الإسرائيلي على أنها فلسطين، كدولة شبه سيادية في داخل تلك الحدود التعسفية. لكن هذا الحل القائم على فكرة "الدولتين" والذي يتمتع بالإجماع الدولي، وحتى بعد موافقة منظمة التحرير عليه في العام 1988 وعلى الرغم من الحوافز الإقليمية التي منحتها مبادرة السلام العربية لإسرائيل في العام 2002، تم قتله فعلياً بمزيج من رفضوية الدبلوماسية الإسرائيلية، وعنادها الذي لا هوادة فيه.

هذا الرفض الإسرائيلي لخيار الدولتين، الذي شكل في ذاته من وجهة النظر الفلسطيينية مجرد نسخة الحد الأدنى من السلام على أكثر تقدير، تجلى على مدى السنوات الخمس والعشرين الأخيرة من خلال زيادة سكان المستوطنات، وتأسيس بنية تحتية هائلة من الطرق الالتفافية المقصورة على استخدام المستوطنين، ومن خلال بناء جدار فصل هائل يمر عميقاً في داخل فلسطين المحتلة. ومع ذلك، فإن أكثر من 20 عاماً من المفاوضات في هذا الإطار خدمت إسرائيل جيداً، وكذلك فعل الوهم المقيم بأن التسوية الوحيدة القابلة للتطبيق هي تنفيذ حل الدولتين. كما تساعد إدامة هذا الوهم أيضاً كلا من الولايات المتحدة، وأوروبا، وربما السلطة الفلسطينية أكثر من الجميع، عن طريق الإبقاء على مكانتهم الدولية موثوقة. كما أتاح لإسرائيل أيضاً ذلك الغطاء الحامي الذي تحتاج إليه لمواصلة عمليات الضم، والبناء، والتطهير العرقي حتى تم الوصول إلى نقطة اللارجعة عملياً قبل بضع سنوات. وقد قوضت هذه الأعمال اللامبالية على الأرض بفعالية كل فكرة الدولتين، من دون التعرض حتى لأدنى النتائج العكسية. كما مكن ذلك الولايات المتحدة بشكل خاص، وإنما أوروبا أيضاً، من إدامة الوهم الدولي بوجود "عملية سلام"، بينما تقوم الحقائق على الأرض بجعل "السلام" مجرد كلمة خادعة قذرة. وقد أصبحت فكرة السلام والدولتين "حلاً يسيرا وهو ميت"، حيث الاقتراح يتجاوز إمكانية التحقق، والعملية تخدم كلها أغراضاً أخرى غير التي تدعيها.

أكثر من كل شيء آخر، جعلت مهزلة أوسلو السلطة الفلسطينية تبدو كما لو أنها تمثل مرحلة انتقالية مؤقتة أصيلة لبناء دولة، والتي تسبق إقامة دولة فلسطينية وجودية. وفي وضع ليست له أي سابقة حديثة، حققت السلطة الفلسطينية شكلاً ضعيفاً من الدولة الشرعية المعترف بها من خلال المناورات الدبلوماسية واعتراف الجمعية العامة الجزئي، في ظل ظروف افتقرت إلى أكثر السمات أساسية لدولة الأمر الواقع. وفي العادة كان هذا الوضع معكوساً؛ حيث عمل وضع الدولة بهذا المعنى كشرط مسبق للاعتراف الدبلوماسي والقانوني بها. وقد لعبت إسرائيل بشكل جيد مع هذه اللعبة الفلسطينية عن طريق شجب مثل هذه الخطوات التي تتخذها السلطة الفلسطينية، باعتبار أنها خارج خطة عمل أوسلو المتفق عليها، والتي تقول إن إقامة الدولة يجب أن تتحقق فقط من خلال المفاوضات بين الفرقاء. وبطبيعة الحال، كانت لدى إسرائيل أسبابها الخاصة لمعارضة حتى إقامة مثل هذه الدولة الفلسطينية الشبحية؛ حيث كان حزب الليكود وقيادته اليمينية معارضين بطريقة عنيدة غير قابلة للتغير لأي قبول رسمي بدولة فلسطينية، حتى لو أن ذلك لا يتدخل في سلوك إسرائيل وطموحاتها الفعلية.

استنطاق السلطة الفلسطينية

مع ذلك، ثمة المزيد من الأسباب الإضافية لمساءلة تمثيل السلطة الفلسطينية للشعب الفلسطيني في الوضع الحالي. وربما يكون الأكثر أساسية من بين كل هذه الأسباب هو الدرجة التي قبلت بها السلطة الفلسطينية بلعب دور توفير الأمن بالتوافق مع السياسة الإسرائيلية في داخل تلك الأجزاء من الضفة الغربية التي تقع تحت سيطرتها، والتي تشمل المدن الرئيسية. وبذلك، يكون من غير المفاجئ أن تقوم رام الله بقمع العديد من أنشطة المقاومة اللاعنفية للفلسطينيين، بما في ذلك التظاهرات التي تدعم شعبهم المحاصر في غزة. وكذلك، تقوم السلطة الفلسطينية بحماس باعتقال أولئك المناضلين الفلسطينيين الذين يُزعم أنهم يدعمون حماس أو الجهاد الإسلامي، وهي متهمة بممارسة التعذيب في حق الكثيرين من أولئك المعتقلين في سجونها، من دون توجيه تهمة في كثير من الأحيان. كما مالت السلطة الفلسطينية باستمرار في اتجاه الجانب الإسرائيلي كلما ظهرت قضايا تتعلق بغزة منذ استيلاء حماس على الحكم الإداري فيها من فتح في العام 2007. وربما كانت ذروة هذا السلوك التعاوني قد تجلت في الجهود التي بذلتها السلطة الفلسطينية لتأجيل النظر في أدلة تقرير غولدستون المفصلة على إجرام إسرائيل في سياق هجومها في العامين 2008-2009 (عملية الرصاص المصبوب) على غزة؛ وقد فُهمت مثل هذه الخطوة على نطاق واسع، ودقيق، على أنها تساعد إسرائيل والولايات المتحدة في دفن هذه المكتشفات الدولية الضارة للغاية، والتي أكدت الاعتقاد واسع النطاق، الذي سبق وأن أثبتته الكثير من تقارير المنظمات غير الحكومية، بأن إسرائيل مذنبة بارتكاب جرائم حرب خطيرة في حق الفلسطينيين.

كانت هناك العديد من الجهود الفاشلة التي بذلتها السلطة الفلسطينية وحماس من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية، والتي كان من شأنها أن تحسن نوعية التمثيل الفلسطيني، لكنها لم تكن لتتغلب على كل عيوبها البنيوية. وقد أخفقت تلك الجهود بسبب انعدام الثقة وعدم الاتفاق بين هذين الاتجاهين السياسيين المهيمنين في فلسطين المحتلة، وإنما أيضاً بسبب ردود الفعل المعادية الكثيفة من طرف واشنطن وتل أبيب، اللتين ظلتا تستجيبان بطريقة عقابية وتزيدان من تشديد قبضتهما على السلطة الفلسطينية، معتمدتين على تصنيفها لحماس على أنها "مجموعة إرهابية"، مما يجعلها غير مؤهلة بشكل قاطع لتمثيل الشعب الفلسطيني. ويوافق الجميع في الجانب الفلسطيني، شفهياً، على أن الوحدة لا غنى عنها لتعزيز الآفاق والفرص الفلسطينية. ولكن، عندما يأتي الأمر إلى العمل والتطبيق، فإننا نشاهد عرضاً تعطيلياً من الازدواجية على كلا الجانبين. فمن جهتها، تبدو السلطة الفلسطينية، وقيادتها، مترددة في التخلي عن مكانتها الدولية كممثل شرعي وحيد. ومن جهة أخرى، تبدو حماس مترددة هي الأخرى في ضم قواها إلى السلطة الفلسطينية، بالنظر إلى الفرق في وجهات نظرها وفي هويتها. ومنذ العام 2009، لم يتم إجراء أي انتخابات، والتي كان من شأنها أن تضفي الشرعية الشعبية، في الضفة الغربية على الأقل، على مطالبات السلطة الفلسطينية المتعلقة بالتمثيل.

ما الذي ينبغي عمله؟

في نهاية المطاف، ليس هناك سبب للتساؤل عما إذا كان وضع السلطة الفلسطينية، باعتبار أنها تمثل الشعب الفلسطيني في كل المحافل الدولية، يستحق الاحترام الذي تتمتع به الآن. إنه في الحقيقة وضع معقد وصعب، والذي ينبغي تأطيره في سياق علاقته مع استراتيجية التفتيت والتجزيء الإسرائيلية، والتي يتمثل أحد أغراضها في بذل جهد دؤوب في سبيل الحيلولة دون أن يكون للشعب الفلسطيني تمثيل متماسك ومتساوق وموثوق، ثم الزعم بمنتهى المكر بأن إسرائيل "ليس لها شريك" في مفاوضات السلام، في حين أن الشعب الفلسطيني ليس له في الحقيقة شريك حقيقي في تل أبيب؛ حيث أوضحت القيادة الإسرائيلية بما لا يقبل الشك أنها لن تسمح أبداً بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة وتتمتع بسيادة حقيقية.

أعتقد أن هناك في أوساط فلسطينيي الشتات تقديرا متزايدا بأنه لا السلطة الفلسطينية ولا حماس قادرتان على الاضطلاع بمثل هذا التمثيل، وبأن قدراً أكبر من الشرعية يتصل إما بمطالب المجتمع المدني الفلسطيني التي تكمن وراء حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات من إسرائيل، أو بأشخاص مثل مروان البرغوثي، السجين في سجون إسرائيل؛ أو بمصطفى البرغوثي، القائد المعتدل والعلماني والديمقراطي للمبادرة الفلسطينية في الضفة الغربية. وما تعرضه هذه الأشكال الأقل شيوعاً من التمثيل، بالإضافة إلى وجود قادة حازمين وغير مستعدين لتقديم تنازلات، هو برنامج لتحقيق سلام مستدام، والذي يكون وفياً لتطلعات كل الشعب الفلسطيني، والذي لا يتم اختراقه بتمويلات المانحين، أو بالضوابط الإسرائيلية، أو المواقف التعاونية، أو الأولويات الجيوسياسية. وينبغي أن تتحمل القيادة بجدية مسؤولية تمثيل الشعب الفلسطيني بطرق تمتد لتشمل اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، والأقلية المكونة من 1.6 مليون نسمة ممن يعيشون في إسرائيل، وكذلك أولئك الذين يعيشون تحت الاحتلال منذ العام 1967.

بشكل عام، ليست الصورة أبيض وأسود بالمطلق. ويبدو أن السلطة الفسطينية، التي أصبحت تدرك جزئياً أنها تعرضت للخداع بعملية أوسلو، وأن إسرائيل لن تسمح أبداً بظهور دولة فلسطينية قابلة للحياة، قد عادت إلى اتخاذ مواقف دبلوماسية أكثر حزماً في السنوات القليلة الماضية، بما فيها ذلك الجهد الذي قاومته إسرائيل بشدة، في اتجاه نقل الادعاءات الجرمية الخاصة بإسرائيل، في أعقاب قرار السلطة المثير للجدل أن تصبح طرفاً، إلى محكمة الجرائم الدولية. وأيضاً، من المهم أن المقعد الفلسطيني في الأمم المتحدة ليس خالياً، وأنه ليس هناك حالياً أي بديل مقبول دولياً عن تمثيل السلطة الفلسطينية. وربما يكون القبول بعيون مفتوحة على وسعها بالوضع الراهن أفضل الخيارات الفلسطينية الحالية، حتى مع أن النهج المتبع في التمثيل سيعود في نهاية المطاف إلى الفلسطينيين أنفسهم. وهو بلا شك جانب حيوي من جوانب الحق في تقرير المصير، والذي يشكل -كما نوقش آنفاً- أساس كل الحقوق الإنسانية الأخرى. وعلى أقل تقدير، وبالنظر إلى سجلها الكئيب على مدى العقود القليلة الماضية، فإن كفاية التمثيل الحالي للشعب الفلسطيني تستحق تمحيصاً نقدياً جدياً، خاصة من قبل الفلسطينيين أنفسهم.

ثمة ملاحظتان أخيرتان ينبغي التعريج عليهما. أولاً، ربما يكون من المفيد أن نميز ما قد يُسمى "التمثيل الرسمي" عن "التمثيل الشعبي". إن التمثيل الرسمي هو نتاج الدبلوماسية البينية بين الحكومات، والذي يتحكم بقنوات الوصول إلى المحافل الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة. وقد يعزز التمثيل الرسمي التمثيل الشعبي وقد لا يفعل، وينبغي أن يرتكز إلى نظرة المجتمع المدني إذا ما أخذت شكل الإجماع في الآراء. وفي الوقت الراهن، هناك بعض التوتر القائم بين هاتين الطريقتين في فهم التمثيل. وهناك أيضاً القضية التي أثارها استبعاد حماس من عملية "التمثيل الرسمي"، على الرغم من أنها تمارس سيطرة حكومية على قسم كبير من واقع المناطق الفلسطينية.

ثانياً، من المهم تقدير أن السلطة الفلسطينية تبدو بصدد السعي إلى حل "الدولتين" عن طريق مبادرة أحادية الجانب، وليس من خلال المفاوضات وموافقة إسرائيل. ويبدو أن مبادراتها الخاصة ببناء الدولة في الضفة الغربية، مصحوبة بمبادراتها الدبلوماسية من أجل إقامة الدولة، مصمَّمة لتخليق نوع من "الدولة" التي تتمتع بمكانة دولية معينة، حتى مع أن واقع القهر والإخضاع تحت الهياكل الإدارية لنظام الفصل العنصري ما تزال هي التي تميز تجربة الشعب الفلسطيني الذي يواصل العيش مع محنة احتلال شبه دائم.

*محام دولي وخبير عالمي في العلاقات الدولية. درّس في جامعة برينستون لمدة أربعين عاماً. ومنذ العام 2002، أقام في سانتا باربرة في الولايات المتحدة ودرّس في الحرم المحلي لجامعة كاليفورنيا في كلية الدراسات الدولية والعالمية، وترأس منذ العام 2005 مجلس إدارة مؤسسة سلام العصر النووي. وهو أستاذ شرف ألبرت مليبانك في القانون الدولي في جامعة برينستون، وزميل بحث في مركز أورفاليا للدراسات الدولية. وعمل أيضاً مقرراً خاصاً للأمم المتحدة لشؤون الحقوق الإنسانية الفلسطينية.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Complex Problematics of Palestinian Representation

عن "الغد"