- Details
- أخبار سياسية
أخبار - ساندروز
فلسطين: الطريق إلى الأمام
بِن وايت – (نيوزويك ميدل إيست) 10/2/2016
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
الصراعات الداخلية تهدد إقامة الدولة الفلسطينية
يوم 25 كانون الثاني (يناير) من العام 2006، أدلى الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة بأصواتهم لانتخاب المجلس التشريعي الفلسطيني. وكانت حركة حماس، التي لم تكن قد خاضت انتخابات المجلس التشريعي السابق قبل عقد من الزمن، في وضع جيد لكي تبلي حسناً.
كانت الولايات المتحدة قد أنفقت مليوني دولار في محاولة لإحباط فوز حماس، وهو مبلغ يتجاوز بكثير كل ما ضمته خزائن حملات الأحزاب الأخرى. وتم استخدام تلك الأموال لتمويل "العشرات من المشاريع السريعة... لتعزيز صورة فصيل فتح الحاكم أمام الناخبين"، والتي ركزت على "الدوائر الانتخابية التي تتمتع فيها حماس بوضع جيد".
لكن تلك النقود أنفقت عبثاً. فقد فازت حماس بـ74 مقعداً من أصل 132 مقعداً في المجلس التشريعي الفلسطيني، بينما تمكنت فتح؛ الفصيل المهيمن منذ وقت طويل على منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، من تأمين 45 مقعداً فقط. وتم افتتاح البرلمان الجديد في 18 شباط (فبراير) 2006.
بالنسبة لإسرائيل، حولت نتيجة الانتخابات السلطة الفلسطينية أتوماتيكياً إلى "سلطة إرهابية". وفي غضون أسابيع، شنت حكومة رئيس الوزراء أيهود أولمرت "حملة... ركزت على تركيع (السلطة الفلسطينية) التي تعاني من ضائفة مالية، عن طريق تجفيف منابع الدخل الذي تمس حاجة السلطة إليه".
في سياق تلك الحملة، منعت إسرائيل عمال غزة من العمل في إسرائيل، وتوقفت عن تحويل عوائد الضرائب التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية، وحثت المجمتع الدولي على "وقف كل المساعدات المالية" للسلطة الفلسطينية، واعتقلت في حزيران (يونيو) من ذلك العام العشرات من أعضاء حركة حماس في البرلمان.
هدفت تلك الإجراءات التي أقرها المسؤولون الإسرائيليون إلى معاقبة الفلسطينيين في غزة عن طريق خنق اقتصاد القطاع. وبالتعبير سيئ السمعة لدوف فايسغلاس، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الحين، كانت الفكرة هي "وضع الفلسطينيين في نظام حمية غذائية، وإنما عدم تركهم يموتون من الجوع".
كما أثار انتصار حركة حماس المدوي أيضاً مَن يُدعون الأوصياء الدوليين على عملية السلام، رباعية الشرق الأوسط (الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا والولايات المتحدة). وبينما رحبت الرباعية بما وصفته بأنه "عملية انتخابية حرة ونزيهة وآمنة"، فإنها سرعان ما فرضت ثلاثة شروط على الحكومة الفلسطينية: "نبذ العنف؛ والاعتراف بإسرائيل؛ والقبول بالاتفاقيات والالتزامات السابقة".
وفي شباط (فبراير) من العام 2006، انتقد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، الذي كان يراقب الانتخابات على الأرض، "التزام (الولايات المتحدة وإسرائيل) المشترك... بسلب السلطة من مسؤولي حماس المنتخبين عن طريق معاقبة المواطنين العاديين"، وحذر من "تداعيات وخيمة" محتملة لذلك السلوك.
لم تصل محاولات فتح وحماس للتوصل إلى تسوية إلى شيء، وازداد العنف الفصائلي. والصدامات بين القوات المسلحة لفتح وحماس "تصاعدت بشكل خطير" في العام 2007، وبلغت ذروتها في حزيران (يونيو) عندما سيطرت حماس على قطاع غزة. وقد قتل في تلك السنة أكثر من 300 فلسطيني في الاقتتال الداخلي.
من وجهة نظر "العديد من المسؤولين الغربيين"، كان هجوم حماس في غزة بمثابة "ضربة وقائية... قبل أن تتمكن واشنطن من بناء فتح". وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل تدرسان مسبقاً "السبل الكفيلة بزعزعة استقرار الحكومة الفلسطينية" في العام 2006. وفي العام 2008، تم الكشف عن "مبادرة سرية" لإدارة بوش، والتي هدفت إلى "إثارة حرب أهلية فلسطينية"، بما في ذلك تعزيز قوات فتح.
والآن، بعد عقد من ذلك، ما يزال الانقسام الفلسطيني المرير والدموي باقياً. وقد تصاعدت الجهود لتحقيق المصالحة الوطنية وتضاءلت، لكن الاقتراحات الجوهرية لكسر الجمود ذهبت كلها من دون تطبيق. ومع أن المسؤولين يتحدثون خطابياً عن الوحدة الوطنية، فإن قسمة فتح-حماس ما تزال في الممارسة العملية واضحة تماماً كما كان شأنها على الدوام.
كانت نتائج هذا الانقسام الفلسطيني المتواصل كارثية: فهو يؤثر على الحياة اليومية للفلسطينيين (سواء فيما يتعلق بالهجمات المتبادلة على حرية التعبير، أو فيما يتعلق بالتنسيق العملي)؛ وهو يجهض المبادرات الفلسطينية على المسرح العالمي؛ وهو يستمر في أن يشكل واحدة من أكبر العقبات أمام إقامة انتخابات تشريعية ورئاسية فلسطينية.
في الآونة الأخيرة، ظهرت بعض الإشارات إلى عملية مصالحة جديدة ممكنة تجري وراء الكواليس. وقام "قادة من الجيل الثاني من قادة فتح" بزيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، في الدوحة، "لتقييم ما هو مطلوب للخروج من المأزق" الذي يبقي معبر رفح الحدودي مغلقاً. ويشكل المعبر الواقع على الحدود بين غزة ومصر بوابة القطاع الرئيسية على العالم الخارجي. وفي 25 كانون الثاني (يناير)، أعلن أمين مقبول، الأمين العام للمجلس الثوري في فتح، أن وفداً "رفيع المستوى" من فتح سوف يتجه إلى الدوحة في أوائل شباط (فبراير) لعقد اجتماع مع مشعل في محادثات ترعاها الحكومة القطرية. وتوقع المراقبون أن يفضي ذلك الاجتماع إلى تنقية العلاقات بين الفصيلين.
ربما تسفر هذه المساعي الأخيرة عن شيء؛ ولكن، هل سيكون ذلك كافياً لحل الأسئلة الأكثر أساسية، مثل طبيعة المقاومة، ودور منظمة التحرير الفلسطينية، والمصالح الفصائلية التي تعمقت فقط بمرور الوقت؟
لعل مما يزيد الأمور تعقيداً هو أن كلاً من فتح وحماس تواجهان معضلاتهما وتحدياتهما المخصوصة. فبالنسبة لحماس، تبدو الصورة الإقليمية معقدة. ما تزال المضامين بعيدة الأمد للانفراج المتكشف في العلاقات التركية-الإسرائيلية غير واضحة، بينما تتطلع حماس إلى الحفاظ على توازن دقيق بالغ الحساسية في علاقاتها المتشابكة مع إيران والمملكة العربية السعودية، وإلى تجنب التورط في التوترات المتصاعدة بين الرياض وطهران.
كما تسير السلطات في غزة أيضاً في مسار وعر فيما يتعلق بنهج المجموعة تجاه خصومها من السلفيين الجهاديين. فبينما تتحدد نشاطات هؤلاء الأخيرين في داخل المنطقة المحاصرة، فإن لهم "علاقات مدفوعة اقتصادياً" أكثر غموضاً مع جماعات متمركزة في سيناء، في ضوء الحملة التي تشنها مصر على الأنفاق عبر الحدود.
في كانون الأول (ديسمبر)، دعت مقالة نشرت في جريدة فلسطين الموالية لحماس، والتي كتبها مؤمن بسيسو، إلى "مراجعة وتقييم" تجريهما الحركة، وحدد عدداً من الأخطاء التي ارتُكبت في السنوات الأخيرة. وذكر سلوك واستراتيجيات حماس بعد انتخابات العام 2006 كمثال، وقال أن الحركة لم تكن مستعدة في ذلك الحين للانتقال من المعارضة إلى السلطة.
ووفقاً لبسيسو، فإن "افتقار (حماس) للخبرة السياسية والإدارية في السلطة والتعامل مع القضايا السياسية والخدَماتية المختلفة، أخضع الحركة لانتقادات فصائل مهمة في فلسطينية وقطاع (غزة)"، وكتب أن حماس "تحتاج إلى أن تمثل مشروعاً وطنياً ومسؤولاً"، والذي تستطيع أن تتعلمه من أخطاء الماضي.
في الأثناء، تواجه فتح مشكلاتها الخاصة الداخلية في الغالب. وكان الرئيس الفلسطيني قد انتخب أخيراً قبل 11 عاماً (لفترة رئاسية مدتها 4 سنوات). وقد تلقى خطاب ألقاه عباس في أوائل كانون الثاني (يناير) الكثير من الانتقادات لأنه "(تجنب) تقديم أي إجابات عن التحديات والمخاطر التي تهدد القضية الفلسطينية"، و"لم يقل أي شيء عن انتقال السلطة" بعد مغادرته.
الآن، أصبحت الاستعدادات لمعركة الخلافة بعد عباس تجري على قدم وساق، وفي العلن. وقد ظهر طابور مزدحم من اللاعبين الرئيسيين الساعين للحصول على المنصب، والذي يضم كلاً من: مصطفى البرغوثي، عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ وماجد فرج، رئيس جهاز المخابرات العامة؛ وصائب عريقات، كبير مفاوضي السلام؛ ومحمد دحلان، قائد فتح السابق في غزة؛ وجبريل الرجوب، الرئيس السابق لقوات الأمن الوقائي في الضفة الغربية. ومع ذلك، لم يعقد المؤتمر العام لفتح، المؤسسة الأعلى في المنظمة، أي اجتماعات منذ اجتماعه السادس في العام 2009. ويضع ذلك المؤتمر برنامج فتح السياسي، وينتخب اللجنة المركزية والهيئة التنفيذية والمجلس الثوري والهيئة التشريعية. ويشكل المؤتمر المصدر الأساسي لشرعية قيادة فتح.
وفي ميدان الرأي العام أيضاً، تبدو فتح في ورطة. ففي إشارة على السخط، كشف استطلاع حديث أن 65 في المائة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يريدون استقالة عباس. وسجل الرضا عن أداء عباس كرئيس نسبة 35 في المائة؛ مقارنة بنسبة 44 في المائة قبل ستة أشهر فقط.
وكشف نفس الاستطلاع أيضاً أنه في مسابقة رئاسية رأساً لرأس بين عباس وبين زعيم حركة حماس في غزة، اسماعيل هنية، فإن الأخير سوف يفوز بنسبة 51 في المائة مقارنة بنسبة 41 في المائة للأول. ومع ذلك، سوف يهزم قائد فتح السجين، مروان البرغوثي، اسماعيل هنية بنسبة 56 في المائة إلى 38 في المائة. وفي الانتخابات التشريعية، ستجتذب كل من فتح وحماس 33 في المائة من الأصوات لكل منهما (حيث لم يقرر 33 في المائة من سينتخبون بعد).
وهناك استياء فلسطيني متصاعد من استمرار التنسيق الأمني بين قوات السلطة الفلسطينية وبين الاحتلال الإسرائيلي. وقد أثار فرج مشاعر الغضب الشعبية مؤخراً حين زعم في إحدى المقابلات أنه منع 200 هجوم كان فلسطينيون سينفذونها ضد الإسرائيلييين منذ تشرين الأول (أكتوبر) فقط، وأنه اعتقل نحو 100 فلسطيني أيضاً.
وهذه السياسة مثيرة للحنق بشكل خاص بالنظر إلى افتقار عباس إلى عرض أي نتائج: فقد استمرت إسرائيل في سعيها العدواني لاستعمار الضفة الغربية والقدس الشرقية واستيطانهما، وفشلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في ممارسة ضغط يعتد به على الحكومة الإسرائيلية. فلا عجب إذن أن الدعوات لإجراء إصلاح شامل للقيادة الفلسطينية تصبح أكثر إصراراً وأعلى صوتاً.
بعد 10 سنوات من انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني المصيرية في العام 2006، يبدو المشهد الفلسطيني المباشر قاتماً؛ ويحذر بعض الخبراء من أنه "إذا ما استمرت الاتجاهات الحالية، فإن فلسطين ربما تصبح دولة فاشلة حتى قبل أن تصبح دولة حقيقية". وتلقي انتفاضة الشباب الفلسطينيين التي بدأت قبل بضعة أشهر ضوءً أكثر سطوعاً على غياب قيادة وطنية فلسطينية موثوقة.
بالإضافة إلى ذلك، أصبحت العمليات المتمايزة -وإنما المتعالقة- أكثر تشابكاً: ملف الوحدة الوطنية؛ الانتخابات التشريعية والرئاسية في الضفة الغربية وغزة؛ صراعات فتح الداخلية، وتنشيط هيئات صنع القرار الخاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية.
كما لا يمكن تجاهل التدخلات الإقليمية والتدخل الدولي أيضاً. وقد أصبح نفاق "شروط" اللجنة الرباعية -والتي تشكل عقبة كأداء أمام التقدم في جهود المصالحة الفلسطينية- أكثر وضوحاً بينما تنتخب إسرائيل ممثلين يرفضون علناً قيام دولة فلسطينية.
في نهاية المطاف، يمكن تلخيص الحالة المزرية التي تعيشها السياسة الفلسطينية على أنها أزمة عجوزات: في الرؤية؛ الوحدة؛ والشرعية. ولا يمكن حل هذه المشكلات بإصلاحات قصيرة الأجل. ولكن، وبعد عقد من الانقسام، لا يبدو أن ثمة نهاية في الأفق حتى الآن.
*نشر هذا العرض تحت عنوان: Palestine: The Road Ahead
عن "الغد"
- Details