Friday, May 08, 2026

All the News That's Fit to Print

ارشيف

بريتا روز - (كاونتربنتش) 16/2/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

إذا ما قُبض للاتفاق الأخير على "وقف الأعمال العدائية" في سورية، والذي توصلت إليه المجموعة الدولية لدعم سورية، أن يطبق، فإنه سيشكل النهاية الرسمية الأولى التي يتم الإعلان عنها للقتال في سورية منذ بدأت الأزمة السورية قبل نحو خمس سنوات.

ومع أن الاتفاق يشمل خطة أميركية-روسية لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة، فإنه يبقى قاصراً عن أن يشكل وقفاً لإطلاق النار، لأنه ليس موقعاً من الأطراف المتحاربة -الثوار، وقوات الحكومة السورية- ومن المشكوك فيه أن يوقف الضربات الجوية الروسية التي قتلت الآلاف مسبقاً. ولذلك، ربما يكون للمعارضة عذر للشك بعد ثلاث جولات من محادثات السلام الفاشلة في جنيف، والتدهور المستمر في الحقائق على الأرض.

مع التقدم الذي يحرزه النظام في حلب -التي تواجه القصف الأكثر كثافة وعنفاً منذ بدء الصراع، مدعوماً بالغارات الروسية- هرب أكثر من 50.000 شخص آخرين من المنطقة المهددة بخطر الحصار. وتحذر الأمم المتحدة من أن 300.000 آخرين ربما يكونون تحت خطر المجاعة. وبالنسبة لهؤلاء، تبدو هذه المحادثات جوفاء وبلا معنى. وإذا كان يمكن الاستشهاد بسجل الرئيس بشار الأسد في هذا المجال -حيث منع المساعدات عن 99 في المائة من الذين تحت الحصار، واعترف أخيراً بأنه ينوي استعادة كل سورية "بلا تردد"- فإن اتفاق ميونخ، مثل سابقاته، لن يكون له أي تأثير على الواقع. وسيتطلب إحداث مثل ذلك التأثير تعاوناً من أطراف الصراع كافة، وهو ما لم يمكن تحقيقه حتى الآن. وفي الأثناء، تعبر مجموعات الإغاثة عن غضبها من حقيقة استخدام المساعدات -التي ينبغي أن تكون مكوناً محايداً من مكونات الصراع- كأداة سياسة للحصول على تنازلات.

ما يزال الناس يتساءلون عن السبب في أن السوريين يهربون، وأن الوضع في سورية يائس إلى هذا الحد. ويبدو أنهم لا يدركون حقيقة أن المعاناة لا تقتصر على اللاجئين فقط، وإنما على مليون شخص عالقين تحت الحصار في داخل البلد، مسجونين -غالباً على يد النظام- في مناطق حيث المساعدات محدودة ومقيدة، وحيث لا يواجه المدنيون مخاطر القصف فحسب، وإنما الأمراض والمجاعة أيضاً. وهذه هي الظروف المرعبة التي دفعت ممثلي المعارضة -إلى جانب أكثر من 100 من وكالات الإغاثة والأمم المتحدة- إلى المطالبة بأن يلتزم نظام الأسد بقرارات مجلس الأمن وقواعد القانون الدولي التي تدعو إلى ضمان وصول غير مشروط للإغاثة الإنسانية، ووضع نهاية للحصارات وغارات القصف. وهي السبب أيضاً في أن منظمات المجتمع المدني والسوريين دعوا طويلاً إلى إقامة مناطق آمنة ومناطق حظر للطيران من أجل توفير ممر آمن للمستضعفين، لكن تلك النافذة أغلقت بعد التدخل الروسي في العام الماضي. ويبدو أنها ليست هناك إرادة سياسية لدى الأسد أو داعمه الرئيسي، بوتين، لتقديم تنازلات في ضوء المكاسب العسكرية الأخيرة التي أحرزتها القوات السورية الروسية الإيرانية المشتركة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تجارة النفط والأسلحة مع دول الخليج وإيران وتركيا -من بين آخرين- ما تزال تجري بحرية وبلا عوائق.

بعد اندلاع الصراع أول الأمر في شهر آذار (مارس) 2011، في أعقاب انقضاض الجيش السوري بوحشية على التظاهرات السلمية في درعا، تحولت المعركحة بين الدولة والمجتمع المدني إلى حرب أهلية معقدة أصبحت تذهب أبعد من مجرد القسمة الاختزالية بين السنة والشيعة. والفظائع التي ارتكبها الجهاديون الذين انضموا لاحقاً إلى القوى الثورية، والجماعات مثل "داعش" و"جبهة النصرة" المرتبطة بالقاعدة، معروفة جيداً. لكن الأقل ظهوراً هو حقيقة أن النظام، كنتيجة لحملة "الأرض المحروقة" التي ينفذها، هو المسؤول عن 98 في المائة من الضحايا المدنيين.

قبل الوصول إلى نقطة التشبع في الخريف الماضي، والتي تسببت في موجة هجرة جماعية إلى أوروبا والتي ما تزال مستمرة إلى يومنا هذا، كان الصراع قد شرد أصلاً نحو 10 ملايين سوري، وخلف 300.000 قتيل (بمن فيهم أكثر من 10.000 من الأطفال)، وأفضى إلى وضع أكثر من نصف مليون إنسان تحت الحصار -وهو رقم تضاعف منذ ذلك الحين. ومن بين الأربعة ملايين سوري الذين فروا من بلدهم، مات الكثيرون وهم يعبرون بحر إيجة أو البحر المتوسط، وما يزال آلاف آخرون ينتظرون بأمل على حدود تركيا أو الأردن.

لكن الملايين من الناس ما يزالون عالقين في 52 منطقة محاصرة داخل سورية -وفقاً لمنظمة مراقبة الحصارات- فيما يرقى إلى سجون مفتوحة في الهواء الطلق. ويشكل مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين أحد تلك الأماكن؛ حيث يواجه السكان المرض وسوء التغذية والجفاف والمجاعة، في ظروف وصفها مسؤول في الأمم المتحدة بأنها "أقل من إنسانية". وبسبب قلة الحيلة، لجأ السكان اليائسون إلى أكل العشب وأوراق الشجر والحيوانات الأليفة؛ وهم يصنعون إمداداتهم الطبية الخاصة، ويرتجلون الأدوات ويحرقون البلاستيك والقماش من أجل التدفئة. وفي بلدة مضايا التي جلبت الانتباه مؤخراً إلى الحصارات بعد تقارير عن موت 70 شخصاً فيها بسبب المجاعة -سُمح لمساعدات الأمم المتحدة بالوصول أخيراً إلى داخل الجيب المحاصر. لكن ذلك لم يكن أكثر من قطرة في بحر من 13 مليوناً من المحتاجين إلى المساعدة.

بينما تنخرط كل الأطراف الآن -النظام، والثوار و"داعش"- في استخدام الحصار كسلاح حرب (وكذلك لجني الأرباح من اقتصاد الحصار)، فإن تكتيك "الجوع أو الاستسلام" هذا ليس جديداً على النظام الذي شرع في حجب الغذاء والماء مباشرة بعد اندلاع الصراع. كما منع النظام أيضاً وصول الكلورين إلى المياه الجوفية (مما جعل المياه غير صالحة للشرب)، وقطع عمداً إمدادات المياه والكهرباء، وفقاً لمنظمة الصليب الأحمر الدولي.

بالإضافة إلى ذلك، ما يزال هناك نحو 200.000 شخص في سورية يقبعون في سجون الأسد سيئة السمعة. وقد تعرض 11.000 سجين للتعذيب حتى الموت وأبيد الآلاف. ويواجه الذين لم يُعتقلوا المخاطر المتواصلة للتعرض للاختطاف، والاحتجاز التعسفي، وهجمات القناصة، وتفجيرات السيارات، والغارات الجوية، والتعذيب والاغتصاب، إذا لم يكن الموت نفسه. وبكلمات مواطن فاقد الأمل، فإن "الوقت دم". وليس الأمر أن السوريين يفرون من بلدهم. إنهم ببساطة لا يمتلكون خيارات أخرى إذا ما أرادوا البقاء على قيد الحياة.

في انتهاك آخر للقانون الدولي، يستمر نظام الأسد في استخدام قنابل البراميل غير القانونية -وهي متفجرات مصنوعة من براميل النفط أو اسطوانات الغاز، مملوءة بالمواد الكيميائية (مثل الكلورين)، والمعادن، والـ"تي آن تي"، إلخ- والتي أسقطها الجيش السوري على المئات من المدن والبلدات المدنية. وعن طريق استهداف المناطق السكنية -خاصة المستشفيات، والمدارس، والكنائس، والمساجد والأسواق- كانت هذه القنابل الخام، إلى جانب الصواريخ العملاقة والذخائر العنقودية والأسلحة الكيميائية الأخرى، هي السبب الرئيس للموت في سورية. وعلى الرغم من الموافقة على إزالة وتدمير برنامج الأسلحة الكيميائية السورية في العام 2013 (تحت إشراف دولي)، ومع حظر قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2209 استخدام غاز الكلورين كسلاح، استمر الجيش في شن هجمات مميتة بغازي السارين والكلورين. ووفقاً لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، فإن استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب السورية (الذي نادراً ما يُناقش الآن)، أصبح روتينياً.

في الصيف الماضي، وفي الذكرى السنوية لاستخدام النظام غاز السارين في هجماته على الغوطة في العام 2013، والتي قتلت أكثر من 1.400 شخص، نفذ الجيش السوري مجزرة وحشية أخرى في أحد أسواق مدينة دوما، والتي قتل فيها 100 مدني وجرح مئات آخرون. ثم في 30 تشرين الأول (أكتوبر)، وفقاً لمنظمة أطباء بلا حدود، قتل 70 شخصاً آخرين على الأقل وجرح نحو 550 في هجوم آخر لم يحظَ بتغطية إعلامية مناسبة على سوق آخر في شرق دمشق.

يشن النظام هذه الحرب على المدنيين بذريعة سرد مكافحة الإرهاب، بحيث يقود العالم إلى الاختيار بين الأسد و"داعش". ولكن، طالما ظل كل من نظام الأسد و"الدولة الإسلامية" سائدين -وكلاهما متورط في ارتكاب جرائم حرب واستهداف المدنيين، والآن بدعم روسي- فإن التطرف سوف يزدهر، وستبقى سورية غير صالحة للسكن والعيش، وسوف يهرب سكانها أو يموتون. وإذا ما تم إسقاط مساعدات من الجو، فإنها ستوفر بعض الغوث للمحاصرين، لكنها لن تحميهم من الغارات الجوية والقصف. وسيكون فقط عندما تتم استعادة السلامة حين سيتوقف نزيف النازحين، ويعود المشردون إلى بيوتهم، وسوف يشرع المجتمع المدني بعملية إعادة البناء الطويلة في سورية.

سواء كنا نعتقد بضرورة حتمية المساعدة، أو في مبدأ "مسؤولية الحماية" للأمم المتحدة أم لا؛ وسواء كان العالم مخلصاً حقاً أم لا في دعواته لعدم السماح أبداً بارتكاب مجازر رواندا أو بوسنة جديدة تحت عين المجتمع الدولي، فإن زعماء العالم خذلوا الشعب السوري حتى الآن. وباستثناء العمل الدؤوب للمنظمات غير الحكومية على الأرض، فإن الإمدادات الإنسانية لا تصل إلى وجهاتها بعد، ويشعر السوريون والحلفاء على حد سواء -ولأسباب مفهومة- بأنهم يتعرضون للخذلان من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من 60 دولة، والذي يستهدف "داعش" بينما يسمح للأسد بارتكاب جرائم الحرب هذه بحصانة من العقاب.

نادراً ما تكون الشؤون الجيوسياسية مدفوعة بالشواغل الإنسانية. لكن ما وصفه مسؤول حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، نافي بيلاي، بأنه "شلل جماعي" أصاب العالم، ترك المجتمع الدولي مع معضلة أخلاقية وقانونية وأمنية، وترك السوريين مع شعور بأنهم معزولون ومنسيّون. والآن، بينما تستمر المذبحة حتى في أعقاب الاتفاق الجديد، هل سيكون العالم وفياً لقيمه الإنسانية العالمية وللضمير الإنساني الجمعي عندما يتعلق الأمر بسورية؟

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Isolated and Forgotten in Syria

عن "الغد"