Saturday, May 09, 2026

All the News That's Fit to Print

ارشيف

مرزوق الحلبي

للحاصل في إسرائيل الآن تسميات كثيرة. فقد ذهبتُ وذهب غيري إلى اعتبار السيرورة الحاصلة انزلاقاً تدريجياً نحو أبرتهايد مُعلن بين البحر والنهر. واعتبرته أنا وغيري كذلك انتصاراً للشق اليهودي القومي المتطرّف على الشقّ الديموقراطي للدولة العبرية.

وفي الداخل الإسرائيلي يعتبر بعضهم ما حصل انقلاباً قادته النُخب الجديدة على تلك المؤسِّسة، أو انفلات الأجيال المولودة بعد 1967 من عقدة الذنب لوجود الاحتلال والذهاب نحو شرْعَنته وتحويله من وضع موقّت إلى وضع ثابت. أما أسباب حصول هذا التغيّر الجذري فكثيرة وفق وجهات نظر المحللين. منها اقتصادي ومنها جيو - سياسي ومنها أيديولوجي ومنها ما يتصل بالكوني من تحولات.

أما مؤدّى السيرورة الأبرز فهو انعتاق السياسة الإسرائيلية من إسار فكرة وأنماط تقاسم فلسطين التاريخية مع الفلسطينيين. وهذا يعني الضم الفعلي لمناطق الضفة الغربية والبحث عن صيغة جديدة لترتيبات على الأرض تحفظ الاستقرار أو تمنح إسرائيل الرسمية سيطرة على الوضع وضبط العنف إلى درجة تستطيع العيش معها، كما هو حاصل في السنوات الأخيرة. فالاحتلال وفق هذه الرؤية سيتحوّل من وضع موقّت إلى وضع دائم. وقد استقدمت السياسات الإسرائيلية المشتقّة من هذا التحوّل تسميات من الماضي القريب للمشروع الإسرائيلي برمته. فقد عاد إلى الخطاب المتداول اعتبار إسرائيل مشروعاً كولونيالياً. فما دامت إسرائيل الرسمية ونُخبها الفاعلة الآن ترفض تقاسم الأرض، أي ترفض التسوية السياسية مع الفلسطينيين في حدّها الأدنى بالنسبة إلى الجانب الفلسطيني، فهذا يعني أنها تسعى إلى السيطرة عليهم، إن لم يكن باحتلال مباشر فمن خلال بُنى سياسية أخرى مثل الأربتهايد السافر أو المخفف، أو من خلال فكرة الفيديرالية بين دولة إسرائيل وكيانات فلسطينية، وهي فكرة عادت معاهد التفكير الإستراتيجي في إسرائيل إلى فحصها في الأسابيع الأخيرة.

بعض ردود الفعل في إسرائيل وفي أوساط الفلسطينيين واليسار الأوروبي والأميركي اعتمدت مجدداً خطاب الكولونيالية في ما يتصل بوصف إسرائيل الرسمية الآن. وكان هذا الخطاب قد تلاشى تقريباً في العقود الثلاثة الأخيرة مع تداول فكرة الدولتين وتوقيع اتفاقيات أوسلو وما أعقبها من ترتيبات. فقد اعتُبر المسار التفاوضي على علّاته تعبيراً عن سعي من الشعبين إلى تسوية تاريخية تضع الخاتمة للجوانب الكولونيالية في المشروع الصهيوني وتعطي ما قد تكون بداية لمرحلة ما بعد كولونيالية. إلا أن الاندفاع الإسرائيلي الرسمي المتجدد نحو الاستحواذ على كامل فلسطين التاريخية بالقوة والحيلة والسياسة والقانون يبدو كأنه يُعيد الصراع إلى بداياته، بخاصة أن الخطاب الإسرائيلي المستند إلى تفوق هائل وإستراتيجي في القوة على الأرض بدأ بالعودة إلى الأساطير الدينية وإلى خطاب كولونيالي واضح في مركزه تحقير الفلسطيني وإسقاط كل صفات التخلّف عليه، مقروناً بالحديث عن الأرض الفلسطينية كعقار لا قيمة له إلا إذا امتلكه اليهودي وطوّره.

في الشق الأول من الخطاب، الأساطير الدينية الغيبية، محاولة لتبرير الاحتلال ومشروع الاستحواذ من قبل ومن بعد. وفي الشق الذي يتحدث عن تخلّف الفلسطينيين وعن الفائدة التي يجنونها من اقتصاد إسرائيلي قوي ومن حكم إسرائيلي على نحو ما، خطاب استشراقي عنصري كولونيالي بغيض. أما الشق الثالث فيكشف نزعة المجتمعات المهاجرة وطمعها في موارد وبلاد الشعوب الأصلية. وكلها مركّبات أساسية في خطاب وممارسة وسياسات المجتمعات الكولونيالية.

من هنا، أيضاً، يُمكننا فهم نشاط المقاطعة لإسرائيل وبعض النجاحات التي حققها في السنوات الأخيرة. فهذا النشاط «يستفيد» إلى حد كبير من عودة العناصر الكولونيالية في السياسات الإسرائيلية إلى الواجهة. إلا أنني لا أقترح أن يراهن أحد أكثر من اللازم على هذا المركب من مركبات المواجهة مع السياسات الإسرائيلية، لأن الوضع في سيولة كبيرة بخاصة في ضوء ما حلّ بالإقليم العربي العام وذاك المجاور لإسرائيل، لا سيّما ما يتصل منه بالجيو - سياسي المتمثّل في بروز الصراع السني - الشيعي وانتقال الصراع الإسرائيلي - العربي إلى الفناء الخلفي. نقول هذا وفي الأفق ملامح معاهدة «سايكس بيكو» جديدة تقضي بترسيم جديد للحدود والأقاليم كما يتضح ذلك جلياً في الحيّز السوري - العراقي، مع ما يعنيه من إسقاطات وتأثيرات في أقاليم مجاورة بما فيها فلسطين التاريخية.

ما يحصل في المنطقة يحصل في الكثير من المواقع - في أفريقيا (السودان وأثيوبيا مثلاً) وفي شبه الجزيرة العربية وفي جنوب روسيا وجمهوريات أواسط آسيا وقد حصل في شرق أوروبا. إنها مرحلة جديدة من التغيرات الحدودية والديموغرافية ومن نشوء دول وانقسام أخرى وولادة شعوب وقوميات من جديد. وعلينا أن نرى ما يحصل كجزء من سيرورة تنعكس في إسرائيل أو في الجانب الفلسطيني أو العربي على نحو ما. لكنها حركة كونية بمعنى ما، تشهد تغيرات مهمة في مستوى حدود الدول وتركيبتها الديموغرافية - الهجرة إلى أوروبا مثلاً أو الترحيل القسري للأقليات من مناطق في سورية والعراق. وهي حركة قد تأتي على أنماط سياسية وفكرية اعتدنا العمل والتفكير فيها في الشأن الفلسطيني وفي إستراتيجيات المواجهة مع إسرائيل الرسمية. بل من الواجب التفكير في ما هو حاصل من سيرورة داخل إسرائيل بأدوات جديدة والتعامل معها بإستراتيجيات استثنائية تتناسب مع حجم الحاصل وعمقه وشموليته. فالحاصل في إسرائيل ليس سيرورة موضعية خاصة بالصراع بل سيرورة تستمد زخمها من تحوّلات على مستوى العالم. ولا مفرّ في مثل هذا الوضع من أن تُعيد الشعوب والمجتمعات حساباتها وبناء مشاريعها. هذا ولم يعد للمشروع الفلسطيني بصيغته الكلاسيكية أية راهنية أو حيوية. ولن تقوم له قائمة في المدى المنظور ما لم يجدّد ذاته ويفكّر فيها من جديد وإلا ظلّ موضوعاً تستهدفه السياسات الكُبرى.

عن "الحياة"