- Details
- أخبار سياسية
أخبار - ساندروز
سياسة أوباما الشرق أوسطية: من القاهرة إلى غولدبيرغ
جيمس زغبي -
(ميدل إيست أونلاين) 3/5/2016
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
في وقت سابق، نشرت مجلة "الأتلانتيك" قصة غلاف تحت عنوان "عقيدة أوباما" بقلم جيفري غولدبيرغ. واستناداً إلى مقابلات استمرت لساعات طويلة، والتي أجراها كاتب القصة مع الرئيس أوباما تشكل المقالة محاولة للعثور على إطار عمل متماسك يمكن على أساسه فهم السياسة الخارجية الكلية للرئيس. لكن النتيجة كانت مخيبة للآمال وضارة في آن واحد.
كانت مخيبة للآمال لأنها تعرض صورة لرئيس يبدو أنه قد تخلى عن محاولة الوفاء بتعهده الذي تضمنه خطابه الذي ألقاه في جامعة القاهرة في العام 2009. ويبدو أنه وطن نفسه على فكرة شرق أوسط "غير قابل للإصلاح" و"ألقى المنشفة"، موجها اللوم للعرب على التسبب بهذا الفشل.
وفي الوقت نفسه، كان محتوى الموضوع ضاراً لأنه ينقل عن الرئيس قوله أشياء مهينة للعرب على نحو عميق، والتي تسببت بألم سيدوم طويلاً. ويبدو أوباما الذي يظهر من المقال متعالياً ومستخفاً. وأفهم أن ثمة الكثير في المقالة، والذي جاء من غولدبيرغ وليس من أوباما، لكن هناك مع ذلك ما يكفي من الاقتباسات المباشرة التي لا ينفيها الرئيس، والتي تدعو إلى الكثير من القلق. وتبرز إحدها، بشكل خاص، بعاطفتها المعادية للعرب.
"قارن (الشرق الأوسط) مع جنوب شرق آسيا الذي ما يزال يعاني من مشاكل ضخمة.... لكنه مليء بالناس المكافحين الطموحين والمفعمين بالطاقة والحيوية... التناقض واضح. إنهم لا يفكرون في كيف يقتلون الأميركيين. ما يفكرون فيه هو: كيف أحصل على تعليم أفضل؟ كيف أصنع شيئاً ذا قيمة؟".
لا يقتصر الأمر على تجاهل هذا الاقتباس للتاريخ الدموي الأخير والقمع الحالي اللذين يمارسان في بلدان عدة في جنوب شرق آسيا وحسب، بل إنه يستخف أيضاً بالروح الريادية الدينامية التي تدفع النمو الاقتصادي والتغير الاجتماعي في كل أنحاء العالم العربي، وخاصة في بلدان الخليج العربي. وبدت التعليقات أقرب إلى شيء قاله دونالد ترامب، وليس باراك أوباما.
ينبغي الاعتراف بأن هذا الرئيس كان قد استهل رئاسته في البيت الأبيض بمواجهة سلسلة تحديات أكبر مما واجه أي من أسلافه المباشرين. فقد واجه البلد أكبر أزمة اقتصادية منذ أيام الركود العظيم. وليس ذلك فحسب، فبعد حربين فاشلتين وتعامل إدارة بوش الكارثي مع إعصار كاترينا، كان الأميركيون يواجهون أزمة ثقة. وعلى نحو مشابه، انحدرت المكانة الأميركية حول العالم إلى مستويات دنيا غير مسبوقة، وبشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط بالغة الحساسية. ولجعل الأمور أسوأ، أصبحت السياسة في واشنطن تزداد سُمية باطراد، حيث عقد الجمهوريون العزم على هزيمة أي جهد يبذله الرئيس لمعالجة أزمات البلد الاقتصادية وأزماته في السياسة الخارجية.
في مواجهة هذه التحديات الجامحة، عرض الرئيس الجديد الأمل والتفاؤل. وبالعمل مع القيادة الديمقراطية في الكونغرس، قام بتفعيل سلسلة من الإجراءات التي صممت لإنقاذ الصناعات الحساسة ولإضفاء الاستقرار على المؤسسات المالية، ولحفز الاقتصاد وتوسيع تغطية الرعاية الصحية، ولخلق فرص توظيف جديدة.
وفي جهد لمخاطبة التحديات الجسيمة التي واجهتها أميركا في الشرق الأوسط، اتخذ الرئيس باراك أوباما عدداً من الخطوات البناءة، ثم سافر إلى القاهرة، حيث وجه خطاباً تاريخياً لشعوب المنطقة، متعهداً "ببداية جديدة" في العلاقات الأميركية العربية. وكان ذلك خطاباً مشهوداً، والذي شمل الاعتبارف بالمشاركة في المسؤولية؛ والدعوة إلى التفاهم المتبادل ووضع أجندة بناءة للتغيير، واختتم الخطاب بإقرار الرئيس بأنه لأن "أي خطاب مفرد لا يستطيع أن يمحو سنوات من عدم الثقة" فإن من الضروري القيام بعمل جريء على جناح السرعة لمعالجة القضايا التي تقسم عالمينا.
وقد استجاب العالم العربي بشكل إيجابي، على أمل أن يفي الرئيس الجديد بتعهداته. لكن معارضيه في الوطن، من الناحية الأخرى، هاجموه في الحال وتعهدوا بإخراج جهوده الرامية إلى تغيير النهج في العراق وغوانتنامو وإسرائيل/ فلسطين وتحسين الروابط مع البلدان الإسلامية عن مسارها -وقد فعلوا.
والآن، بعد سبع سنوات، ما يزال الوعد الذي جاء في خطاب القاهرة دون الوفاء به. كما أن التوقعات تحكمت على الأرض. والأسباب وراء الفشل كثيرة -بعضها، وليس كلها مع ذلك، يمكن أن تحال إلى مواطن الضعف في العالم العربي. كانت هناك أسباب أخرى. فالتعنت الإسرائيلي عطل أي جهد معقول للتحرك قدماً في اتجاه تحقيق السلام. كما أن القيادة الفلسطينية، التي تم إضعافها بشدة، وتشويهها، وجعلها منزوعة الثقة بسبب إساءة معاملة إسرائيل والولايات المتحدة لما تدعى "عملية السلام"، كانت غير قادرة على لعب الدور الذي طلب منها أن تلعبه بطريقة غير عادلة. وبالإضافة إلى ذلك، خلق الربيع العربي حالة عدم يقين جديدة وزعزع استقرار المنطقة. وأصبح الجيش الأميركي يعاني من الإنهاك والتراجع بسبب الحربين الكارثيتين الطويلتين المحبطتين للمعنويات في أفغانستان والعراق. كما أن السياسة المحلية الحزبية السميّة جعلت من الصعوبة بمكان على الرئيس العثور على الدعم الذي يحتاجه للوفاء بالتغيير الذي كان قد وعد به.
كل هذا مفقود في مقالة "عقيدة أوباما" التي وضعها غولدبيرغ. وفي إعادة كتابة التاريخ، قدم غولدبيرغ خطاب القاهرة على أنه جهد "لإقناع المسلمين بفحص جذور عدم سعادتهم عن قرب". وكانت هذه الكلمات لغولدبيرغ، لكنه أتبعها بهذا الاقتباس لأوباما: "كان طرحي (في القاهرة) كما يلي: دعونا نوقف كلنا كل ادعاء بأن سبب مشاكل الشرق الأوسط هي إسرائيل". وهذا صحيح بما فيه الكفاية، ولكن إذا لم تستطع الولايات المتحدة النهوض إلى مستوى مسؤولياتها في هذه "البداية الجديدة"، فإن من غير اللائق بالتأكيد إلقاء اللوم على أعتاب العرب فقط.
ما تزال أمام الرئيس بضعة شهور لتصحيح المسار والعمل في سبيل الوفاء بالتعهدات التي كان قد قطعها على نفسه. وهو يستطيع أن يتخذ مباردرات جسورة: دعم منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط؛ والاعتراف بحق الفلسطينيين في الدولة والسيادة؛ واتخاذ خطوات لكبح جماع إيران وخلق إطار عمل أمني إقليمي. وآمل أن يتخذ خطوات مثل هذه حقاً، لأنه سيكون من المحزن أن ينتهي المطاف بالعبارة التي ستكتب على الشاهدة التي ستصف مسار سياسة إدارته الشرق أوسطية، بأن تكون: "من القاهرة إلى غولدبيرغ".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: From Cairo to Goldberg
عن "الغد"
- Details