Friday, May 08, 2026

All the News That's Fit to Print

ارشيف

"سكوت ستيوارت"—( ستراتفور) 2016/5/5

ترجمة عبد الرحمن الحسيني

صادف يوم الثاني من أيار (مايو) الحالي الذكرى السنوية الخامسة للغارة الأميركية على أبوتا أباد والتي أسفرت عن قتل أسامة بن لادن. وفي أعقاب تلك العملية لاحظنا أنه بينما أوفى موت بن لادن بالإحساس بحب الانتقام وباقفال ملف هجمات 11/ 9 فإنه في الصورة الكبيرة سيكون له أثر ضئيل على مسار الحركة الجهادية الأوسع. فقد مات الرجل لكن الأيديولوجية الجهادية ستستمر لتشكل تهديداً لا محالة.

وفي الأثناء تتقدم الحركة الجهادية أقرب من رؤيا بن لادن للعالم في الأعوام الخمسة الماضية مقارنة مع ما كانت عليه في الأعوام العشرة الماضية تقريباً الفاصلة بين 11/9 وبين موته. وثمة قوس من الجهاد ينتشر راهناً من غرب افريقيا مارا بالشرق الأوسط وصولا إلى داخل جنوب شرق آسيا. ويعكس التأمل في موت بن لادن تذكرة بعدم فقدان رؤية الغابة—الحركة الجهادية الأوسع من خلال التركيز على الأشجار- أفرادا ومجموعات.

الرؤيا

تطلع بن لادن إلى عالم يحكمه خليفة مسلم يسترشد بمبادئ الشريعة الإسلامية. وللوصول لتلك الغاية، استشرف تأسيس سلسلة من الإمارات الإسلامية التي تمارس"الإسلام الصحيح" والتي ستتمدد في نهاية المطاف لتصبح خلافة عالمية. وإلى حين مقتله حافظ بن لادن على فكرة أن يركز الجهاديون بشكل رئيسي على مهاجمة من وصفهم بالأعداء البعيدين- الولايات المتحدة و "حلفائها الأوروبيين الصليبيين." واعتقد بأنه حتى يتم طردهم من العالم الإسلامي سيكون من المستحيل تأسيس هذه الإمارات لأن الولايات المتحدة وحلفاءها سيطيحون بالقادة "المسلمين حقاً" كما فعلوا مع الملا محمد عمر وطالبان في أفغانستان. وبالإضافة لذلك، وما لم يلجم الأعداء البعيدون فإنهم سيستمرون في دعم الحكومات "المرتدة" مثل تلك في العربية السعودية وباكستان والتي لم تشارك تفسير بن لادن للإسلام.

إلى ذلك، تركزت استراتيجية بن لادن على استخدام الهجمات الإرهابية المشهودة لجر الولايات المتحدة لغزو العالم الإسلامي. واعتقد بأنها متى ما غزت العالم الإسلامي فسيجد المسلمون أنفسهم مجبرين على الانضمام إلى الجهاد الدفاعي لقتال "جيوش الصليبيين" في حرب استنزاف طويلة. كما اعتقد بن لادن بأن من شأن هذا العمل أن يفضي إلى انهيار اقتصاد الولايات المتحدة وحكومتها بنفس الطريقة التي اعتقد فيها بأن الجهاد في أفغانستان قد مهد لانهيار الاتحاد السوفياتي. وفي خطته، فمتى ما هزمت الولايات المتحدة وحليفاتها ستكون الانتفاضات المحلية قادرة على الإطاحة بالحكومات الفاسدة في العالم الإسلامي ما يمهد الطريق أمام صعود الخلافة العالمية.

تحقيق الرؤيا

هجمات بن لادن والقاعدة المبكرة ضد الولايات المتحدة كالهجوم في العام 1993 على مركز التجارة العالمية وتفجيرات السفارات في شرق إفريقيا ومؤامرة التفجير الألفية الفاشلة لم تستفز الرد الأميركي المرغوب . لكن هجمات 11/9 المشهودة عزفت بالتأكيد على الوتر المناسب مما حدا بالولايات المتحدة لغزو أفغانستان في العام 2001 والإطاحة بحكومة طالبان. وكان رد الفعل قاسياً وسريعاً اضطرت معه أعداد ضخمة من جهاديي القاعدة وغيرهم الأجانب للهرب من أفغانستان. واستقر العديد منهم في الحدود الأكثر حميمية في مناطق باكستان الحرجية بينما هرب البعض إلى ملاذات أخرى في المنطقة. فأعاد أبو مصعب الزرقاوي وأتباعه تموضعهم في شمالي العراق، المنطقة التي ينعدم فيها القانون والتي كانت قد تخلصت من نير حكم صدام حسين.

لكن البهيموث الأميركي المضروب لم ينته. وفي العام 2003 غزت الولايات المتحدة العراق وأطاحت صدام حسين الذي لم تكن له صلة على الإطلاق بهجمات 11/9. وأثبت هذا العمل أنه كان هبة للقضية الجهادية . فبينما كانت أفغانستان منعزلة نسبياً، كان ينظر للعراق على أنه قلب العالم الإسلامي التاريخي ولذلك كان مغرياً لأولئك الذين يريدون قتال الجهاد الدفاعي. ومما ساعد أن العراق كان يفصل بين إيران وسورية، البلدان المعاديان للولايات المتحدة اللذان يساعدان الجهاديين في جهودهم لجعل الولايات المتحدة تنزف وتضطر بالتالي إلى سحب قواتها من المنطقة.

وسرعان ما أصبح العراق مستقطباً جهادياً، وبينماتدفقت الأموال إليه، فإن عدد المقاتلين الأجانب الذين سافروا إلى البلد بسرعة تجاوز العدد الذي كان في أفغانستان. وساعد هذا التدفق من الرجال والأموال( وكان العراق أصلاً متوافراً على الأسلحة) في زيادة مكانةالزرقاوي بشكل دراماتيكي. فدمج جماعة التوحيد خاصته ومجموعة الجهاد مع القاعدة، لكن وكما لاحظنا منذ العام 2005 فقد كان الزواج محفوفاً بالمخاطر منذ البداية.

إلى ذلك، تبنت مجموعات جهادية أخرى أيديولوجية القاعدة وحتى اسم ماركتها وسرعان ما تشكلت امتيازات في العربية السعودية واليمن والجزائر ومجموعات متعاطفة أو مصطفة في الفلبين واندونيسيا والصومال ونيجيريا. وانبثقت خلايا جذرية ومهاجمون وحيدون في عموم الكرة الأرضية. ونفذت بعض المجموعات هجمات يشار لها بالبنان مثل الهجوم على بالي ومدريد ولندن. لكن في الغالب لم ينجز الجهاديون أي تقدم يذكر وكافحوا وحسب من أجل الاستدامة. وكانت الأماكن التي كان الجهاديون قادرين على الانتعاش فيها هي في الغالب الأماكن الحرجية أو التي لا حكومة فيها كما هو الحال على طول الحدود بين أفغانستان وباكستان وفي الصومال وصحارى الساحل الإفريقي واليمن وأرخبيل اندونيسيا/ الفلبين.

وحتى بالرغم من أن مجموعة الزرقاوي كانت قد أعلنت عن قيام "الدولة الإسلامية في العراق" بعد أشهر قليلة من مقتله في العام 2006 فمع حلول العام 2010 لحق ضرر شديد بالمجموعة وكانت تحت خطر الإفناء. لكن العام 2011 كان على وشك جلب تغيير درامي. أولا الولايات المتحدة كانت في منتصف الطريق لسحب قواتها وكان من شأن ذلك إزاحة كل القوات الأميركية من العراق مع حلول كانون الأول (ديسمبر) من العام 2011 . ثانيا أشعلت تطورات الأحداث في تونس في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2010 انتفاضة إقليمية دعيت لاحقاً بالربيع العربي. ولم تفض موجة الاحتجاجات التي تفجرت في عموم المنطقة إلى الإطاحة بحكام كرئيس تونس زين العابدين بن علي ومصر حسني مبارك واليمن علي عبد الله صالح وليبيا معمر القذافي وحسب بل إنها قادت إلى نشوب حروب أهلية في ليبيا وسورية واليمن ومالي. وحتى في بلدان مثل تونس ومصر حيث لم تتم الإطاحة بالنظامين الموجودين وفرت الانتفاضات فسحة فضاء لمجموعات الجهاديين لكسب موطئ قدم والنمو.

لكن في معظم الأماكن لم يلهم الربيع العربي القبول المتنامي للأيديولوجية الجهادية بمثل فشل جهود الاصلاح الديمقراطي والممارسات الحكومية المضادة التي ألقت بالعديد بين أذرع الجهاديين. وعندما تقابل الاحتجاجات غير العنيفة بالعنف يكون من الصعب الحؤول دون أن يرد المحتجون بالعنف وذلك ما حدث في سورية وليبيا واليمن وحتى العراق حيث أخمدت السلطات الشيعية الاحتجاجان السنية. إلى ذلك، وفر هذا اللولب من العنف بونانزا تجنيد للمجموعات الجهادية.

وخلق هذا الوضع حالة لا كاسب بالنسبة للولايات المتحدة وحليفاتها. فقد تدخلوا نيابة عن الجماهير في ليبيا وساعدوا في تهشيم جيش ليبيا ما غمر البلد في حالة فوضى عارمة حيث تفجر القتال على طول الخطوط المناطقية والقبلية والدينية والإثنية. وفي سورية ساعدت الولايات المتحدة وحليفاتها في تجهيز وتدريب القوات المعادية للحكومة لكنها لم تتدخل مباشرة

كما كانت قد فعلت في ليبيا. وبالرغم من ذلك ما تزال سورية منغمسة في نفس ذلك النوع من الفوضى العارمة بينما استفاد الجهاديون ايما استفادة من الحرب الأهلية الناجمة عن ذلك الوضع. و|أصبحت سورية جائزة جهادية ضخمة لدرجة أن قتالاً خطيراً تفجر حول من سيسيطر على الحركة الجهادية هناك مما دفع بالدولة الإسلامية "داعش" إلى الانفصال عن القاعدة والانخراط في قتال مفتوح.

من شأن الانقسام أن ينتشر عالمياً حيث الدولة الإسلامية والقاعدة تتنافسان على الأولية- والهيمنة الأيديولوجية على الحركة الجهادية. وفي ليبيا والصومال وأفغانستان انتقل هذا الكفاح من معارك أيديولوجية إلى صراع مسلح. وفي عدة طرق يعكس هذا الكفاح حالات الكفاح تلك التي كانت الأيديولوجيات الماركسية والماوية قد شنتها للفوز بفصب السبق للقيادة في العالم الشيوعي. ومن الصعب رؤية نهاية للنزاع بين القاعدة والدولة الإسلامية كما أننا نشك في الإدعاءات بأن القاعدة والدولة الإسلامية تستطيعان في نهاية المطاف رقع خلافاتهما وإعادة التوحد.

المستقبل

تميل الشعوب والحكومات على حد سواء للتركيز على الشخصيات مثل بن لادن والخليفة المنصب ذاتيا أبو بكر البغدادي ومجموعات مثل محور تنظيمات القاعدة والدولة الإسلامية. وفي الحقيقة فإن الحكومات تكافح على نحو كبير من أجل مقاتلة الأهداف الأكثر بدائية مثل الحركات والأيديولوجيات. لكن ثمة خطر يتمثل في أن التركيز على الأشجار يمكن للمرء أن ينسى الغابة.

ومن المؤكد أنه يجب على الحكومات الاستمرار في تطبيق كل الأدوات الخاصة بالتصدي للتمرد ومكافحة الإرهاب ضد هذه المجموعات الجهادية وقيادتها، لكن بنفس القدر من الحسم تجب معرفة أن العالم ببساطة لا يستطيع قتل أو لجم طريقها من المشكلة. وستستمر الحركة الجهادية الأوسع سواء في داخل قوس الجهاد أو في أجزاء أخرى من المعمورة في تشكيل تهديد إلى أن تهزم الأيديولوجية الجهادية كما كانت قد هزمت الأيديولوجتان الماركسية والماوية. وسيتطلب الكفاح قيادة أميركية قوية وتعاوناً من طائفة من الحلفاء والتحالفات الإقليمية.

وعلى الرغم من حالة الصراع بين القاعدة والدولة الإسلامية، تعتبر الحركة الجهادية إجمالا أضخم وتلقي ظلالا أوسع الآن أكثر مما فعلت في السابق. وتجدر الإشارة إلى أن عدد المقاتلين الأجانب الذين دخلوا إلى سورية وليبيا وغيرهما في الأعوام الأخيرة قد تجاوز بكثير عدد المقاتلين الذين سبق لهم أن قاموا بحج جهادي مماثل في العقود الماضية.

وغني عن البيان القول إن تحقيق أحلام بن لادن ليست بممكنة في أي مكان وزمان لكن رؤية الجهاديين المثالية لمجتمع عادل وآمن يخضع لحكم الشريعة الإسلامية تلقى القبول من جانب المسلمين الذين يعيشون في ظل دكتاتورية أو كليبتوكراسي أو فوضى عارمة كما كان الحال في أفغانستان بعد سقوط إدارة محمد نجيب الله. ومع ذلك فإن اليوتوبية سرعان ما تضمحل عندما تصطدم بالواقع. فالشعب الذي عاش في ظل حكم جهادي في أفغانستان واليمن ومالي وليبيا والصومال وسورية تعلم أن القمع والفساد لا يختفيان في مجتمع جهادي- بل إنهما يأخذان قالباً جديداً. وتبعاً لذلك فإن أنظمة الحكم الجهادية أثبتت أنها لا تحظى بشعبية وأنها قصيرة العمر وأنها وبوضوح أكثر تضليلاً منها عملياتياً.

وسيلقى بالشكل الحالي من الجهادية الذي كان بن لادن قد ساعد في تغذيته والدعاية له في نهاية المطاف في سلة زبالة التاريخ للأيديولوجيات الفاشلة وحيث ستتمرغ إلى جانب الأيديولوجيتين الماركسية والماوية. وإلى أن يتم ذلك سيستمر الجهاديون في القتل والتدمير كثيراً مثلما فعل الشيوعيون من قبلهم. وسيكون الموت والتدمير اللذين سيخلفهما الجهاديون في أعقابهم عندما تتبدد الأيديولوجية هو إرثه الصحيح.

نشرت هذه القراءة تحت عنوان Death and Destruction: Bin Laden,s True Legacy

عن "الغد"