Thursday, May 07, 2026

All the News That's Fit to Print

ارشيف

ياسر علوي وجلال زين الدين* - (نيوزويك) 12/5/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كان يكسب عيشه من خلال العمل كبائع في محل لبيع ملابس الرجال في دمشق. لديه أربعة أبناء، ولدان وابنتان، وزوجة يحبها كثيراً.

هذا الرجل الذي لا يكاد يلاحظ، متوسط البنية والدمث ذو اللحية الخفيفة وصاحب العينين المتواضعتين، يشبه العديد من أصحاب المحلات في سوق الحميدية الشهير في العاصمة السورية.

لكن أبو خديجة جدير جداً بالملاحظة بإحدى الطرق. فهو من بين قلة من المقاتلين السابقين في مجموعة الدولة الإسلامية المتشددة "داعش" الذين استطاعوا الإفلات من المجموعة ومغادرتها أحياء. وهذه المجموعة الراديكالية المتطرفة مشهورة بأنها تقوم بإعدام المقاتلين الذين يحاولون الخروج منها أو المغادرة، كتحذير للآخرين.

وهذه هي قصته:

مثل العديد من السوريين، كان أبو خديجة الذي طلب منا عدم استخدام اسمه الحقيقي لأسباب أمنية، تأثر بالاحتجاجات التي تفجرت في البلد في في سياق الربيع العربي، وقرر العودة إلى بلدته الأصلية، دير الزور، في شرقي سورية للانضمام إلى المتظاهرين الداعين لوضع حد لحكم بشار الأسد الأوتوقراطي.

وعندما شنت الحكومة حملة وحشية على المتظاهرين، قال أبو خديجة إنه توصل إلى استنتاج مؤداه أن المظاهرات السلمية لا تقوى على مواجهة النظام.

وسوية مع شقيقيه، أبو عبد الله وأبو عبد المالك، انضم أبو خديجة إلى الجيش السوري الحر، وهو مجموعة مكونة في الغالب من ضباط وجنود منشقين عن القوات المسلحة السورية، والتي كانت عازمة على إسقاط نظام الأسد عندما تشكلت في العام 2011.

وقال: "عندما أطلقت القوات الأمنية النار على المتظاهرين لم يكن لدينا أي خيار آخر سوى الدفاع عن أنفسنا". وأضاف: "وعند تلك النقطة، تحول العمل الثوري من الهتاف إلى الدفاع عن أنفسنا".

"كان الرد الوحيد لدينا هو الرد بالقتال. ربما كان الجواب الخطأ، لكنه كان الوحيد الذي ساعدنا على النجاة من طلقاتهم والإبقاء على الثورة حية".

في المعارك مع الحكومة قتل أخوه أبو مالك. وقال إنه استمر في القتال مع الجيش السوري الحر سعياً للانتقام لمقتل شقيقه الأكبر.

قاتل أبو خديجة مع الجيش السوري الحر، كما قال، إلى أن استولى "داعش" على معظم محافظة دير الزور في صيف العام 2013. وأعطت المجموعة المقاتلين المحليين فرصة: انضموا إلينا وإلا ستموتون. فأعلن هو وأخوه أبو عبد الله ولاءهما لـ"داعش" وحملوا السلاح معه.

وقال: "كل ما أردناه كان إسقاط النظام... وعندما استولى داعش على المنطقة، قررت وأنا وشقيقي الذي ظل على قيد الحياة إعلان الولاء له والقتال في صفوفه، لأننا لم نرد مغادرة المنطقة حتى يتسنى لنا الانتقام لمقتل شقيقنا. وكنا قد سمعنا بأن مقاتلي "داعش" شرسون جداً، فاعتقدنا أنهم سيكونون قادرين على هزيمة النظام السوري".

أخضعت المجموعة أبو خديجة وشقيقه الأصغر إلى برنامج "للتوبة". وترتب عليهما الإعلان عن عدم اعترافهما بكل الفصائل السورية المسلحة الأخرى، والإقرار بالردة وباعتناق الإسلام مجدداً.

وعندما قبلت توبتهما، تم إدراجهما في برنامج "لإعادة التأهيل"، والذي تركز على "مبادئ الإسلام" حسب رؤية "داعش"، وعلى الشريعة الإسلامية وضرورة القتال والجهاد. أما الذين نجحوا في برنامج "التوبة" لكنهم لم ينضموا إلى برنامج "إعادة التأهيل"، فقد كانوا يوصفون "العامة".

وقال أبو خديجة: "قابلت أنا وشقيقي القائد العام لداعش في دير الزور، أبو ذر العراقي، وأعلنا عن ولائنا. ثم حضرنا برنامج توبة مدته 21 يوماً في معسكر مغلق في مدينة الميادين، وبعده برنامج للشريعة لمدة شهر".

وقال إن برنامج إعادة التأهيل شمل دراسة العلماء الإسلاميين وهو الفرع السلفي من الدين المحافظ بشكل عالٍ والخط المتشدد من الإسلام، مثل مفكر القرن الرابع عشر ابن تيمية الذي كان أصدر فتوى تبيح الجهاد أو الحرب المقدسة ضد المغول الذين ادعوا بأنهم تحولوا إلى الدين الإسلامي، وإنما من دون تطبيق الشريعة بصرامة.

بعد إكمالهما برنامج الشريعة، منح الرجلان فرصة إما العودة إلى حياتهما الاعتيادية ليكونا جزءاً من "العامة" أو الاندماج في التدريب العسكري. وقال أبو خديجة: "التدريب العسكري يهيئ المشاركين للقتال -والانخراط في الجهاد- في أي مكان في العالم. وبالإضافة إلى التدريب على اللياقة البدنية، يتعلم المقاتلون كيفية استخدام الأسلحة واختيار تخصص معين".

ولأنهما كانا ما يزالان مقتنعين بقدرتهما على المساعدة في إسقاط الأسد، اختار الأخوان القتال. فأمضيا 60 يوماً في التدريب العسكري في معسكر مجاور لمدينة الشدادي، في منتصف الطريق بين دير الزور والحسكة التي تقع إلى الشمال. وسرعان ما أصبح الشقيقان قائدين لمجموعات، ويتدربان بكثافة على استخدام بنادق الكلاشنيكوف وغيرها من الأسلحة الخفيفة.

وأشار أبو خديجة إلى أن حياة عائلته تحسنت بعد انضمامه إلى "داعش".

وقالت أم خديجة، زوجة أبو خديجة: "أعطيت للذين أعلنوا ولاءهم للمجموعة حسومات على الغذاء وغيره من السلع". وقالت إنهم كانوا يدفعون 60 ليرة سورية فقط (0.25 دولار) ثمنا لرغيف الخبز، بينما يدفع الآخرون 105 ليرات (0.48 دولار). وأضافت: "كما أننا حصلنا على خدمة كهربائية مجانية بينما كان على الناس دفع حوالي 8.000 ليرة سورية (36 دولاراً) شهرياً للحصول على الخدمة من مولد كهرباء".

ومع ذلك، ومع تشديد "داعش" لقبضته على دير الزور، بدأ التنظيم في إعدام الناس الذين اتهمهم بالارتداد عن الدين أو الاتصال بالجيش السوري الحر. كما أعدم قادة عسكريين اعتبرهم تهديداً مستقبلياً محتملاً، على الرغم من أنهم كانوا أعلنوا أصلاً ولاءهم للتنظيم.

وبعد وقت قصير، اتهم "داعش" أبو عبد الله بأنه ما يزال على اتصال مع الجيش السوري الحر وأعدمه. وقال أبو خديجة أيضاً إن جماعة "داعش" ربما نظروا إلى أخيه، الذي قال إنه كان مقاتلاً شرساً، كتهديد لقيادتهم.

وأضاف: "عندما سمعت عبر جهاز اللاسلكي "ووكي توكي" أن أخي قد قتل، هرعت إلى المستشفى الميداني. في البداية منعني الممرضون من رؤيته، لكنني لم أستمع إليهم. وشققت طريقي لرؤية جثته".

"أدركت عندها أن داعش قد قتلته. كانت النار قد أطلقت على رأسه من الخلف -بالطريقة نفسها التي كان العديد من المقاتلين السابقين في الجيش السوري الحر قد قتلوا بها. قتلوا أخي لأنه كان شجاعاً جداً وقوياً. وعندما قتلوا أخي لم أستطع البقاء معهم أكثر".

بدأ أبو خديجة في الحال يشعر بالخوف على حياته، ويشعر بالقلق من احتمال أن يلقى مصير أخيه عبد الله نفسه.

قال لـ"داعش" إنه لا يستطيع العودة إلى موقعه في المطار العسكري لأنه ما يزال في فترة الحداد على أخيه، وأمضى بعض الوقت في المدن المجاورة لأبو كمال والميادين حيث شاهد إعدمات يومية وبتر أيادٍ.

وقرر أبو خديجة سراً المغادرة بالسرعة الممكنة.

وقال: "لقد شاهدت ما حدث في الميادين وأبو كمال. لم تكن أي من عقوباتهم عادلة. فقد أعدم أحد الرجال ببساطة لأن أحدهم قال إنه كان قد قاتل ضد داعش، حتى مع أن أقاربه أقسموا أنه لم يسبق له أن حمل سلاحاً قط. وكان الرجل الذي اتهمه ينتمي إلى عائلة على خلاف من عائلة المقتول".

وبعد خمسة عشر يوماً من وفاة أخيه، حزم أبو خديجة وزوجته وأبناؤه أمتعتهم وغادروا. واستقلت العائلة سيارة إلى الرقة في شمالي سورية، ومن هناك توجهوا غرباً نحو مدينة الباب في حلب.

وفور تجاوزهم آخر نقطة تفتيش تابعة لـ"داعش"، حلق أبو خديجة لحيته. وهو يشعر الآن بأنه مثقل بالذنوب.

إنه يعتقد بأن قراره البقاء في دير الزور وإعلانه الولاء لـ"داعش" من أجل الانتقام لمقتل أخيه الأكبر من نظام الأسد كلف أخاه الأصغر حياته.

وكان تحمل وفاة شقيقه الأصغر أثقل على التحمل. وقال إنه كان وثق بالرجال الذين قتلوه. واعتقد بأنهم يقفون إلى جانبه، ويقاتلون من أجل الإطاحة بنظام الأسد.

وخلص أبو خديجة إلى القول: "ما أزال لا أعرف لماذا قتلوه، لكنني أعرف أنهم قتلوه، وأنا متأكد أنهم كانوا سيقتلونني أنا أيضاً لو أنني بقيت... إن هؤلاء الناس هم أبعد ما يكون عن الإسلام".

*صحفيان سوريان مستقلان.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Confessions of an ISIS Deserter

عن "الغد"