- Details
- أخبار سياسية
أخبار - ساندروز
ريح شرقية
كارولين غليك
ثمة شيء شعري في الاسبوع الدبلوماسي الماضي الذي مر على إسرائيل. فقد بدأ بمقدمة «السلام» للرئيس الفرنسي اولاند والتي كانت فيها إسرائيل الوجبة الرئيسة، وانتهت بزيارة رئيس الوزراء نتنياهو إلى موسكو، حيث حظي بتشريف الملوك من الرئيس بوتين. الفارق الهائل بين الحدثين، جوهري ورمزي، يعبر عن النظام العالمي السائل ومكان إسرائيل فيه.
لقد رمز المؤتمر في فرنسا إلى فوز الغرب. فبعد سنتين من فشل وزير الخارجية جون كيري في محاولة صرف الانتباه العالمي عن قوى الجهاد إلى الدولة اليهودية، عاد اولاند إلى هذه الحيلة الفاشلة.
في كلمته أمام مندوبي المؤتمر، يكرر أولاند الادعاء بان مشكلة الإرهاب يمكن حلها من خلال اجبار إسرائيل على تسليم اراضٍ لسيطرة الفلسطينيين. ولا يهم انه يوجد منذ سنين كيان سيادي فلسطيني وان مشكلة الإرهاب الإسلامي تصاعدت فقط منذئذ. المهم عدم الانتباه إلى ما يجري في فرنسا وفي غرب اوروبا.
ان التأثير المتعاظم للمسلمين الراديكاليين الذين يرفضون نمط الحياة الحر في فرنسا أدى إلى ان النجمة الوطنية بيرجيت باردو ادينت حتى الآن ست مرات في السنوات الاخيرة على «التحريض على الكراهية العنصرية»، على تحذيراتها المتكررة تجاه ما وصفته «الغزو الإسلامي» للدولة.
وبينما توجد في خلفه الاحداث الإرهابية القاسية في فرنسا، وفي ضوء موجة الإرهاب الإسلامية التي تغرق اوروبا، فان قرار اولاند التركيز على إسرائيل بالذات ومناكفتها ليس دليلا على قوة بل على أزمة.
فرنسا لا تأخذ القيادة من الأمريكيين الذين فشلوا في مهمتهم. بل تكشف ضعفها ويأسها. ولكونها عديمة كل قدرة على مواجهة تهديد الجهاد، في الداخل وفي الخارج، فانها تحاول تغيير الموضوع والتركيز على العدو غير المهدد ـ اليهود.
وكما شهد المحتفلون في غزة وفي الخليل بالمذبحة في شارونا ليلة أول أمس، فان مبادرة اولاند سخيفة لدرجة انه حتى المشاركين فيها لم يكن بوسعهم مواصلة العرض. المؤتمر، الذين اعتبر في إسرائيل تهديدا حقيقيا على مكانتها، انتهى بهمسة خافتة. ففي البيان الختامي قرر وزراء الخارجية بان على إسرائيل والفلسطينيين ان يجروا مفاوضات مباشرة واضافوا تنديدات للبناء اليهودي والإرهاب الفلسطيني.
رغم آمال الإعلام المناهض لإسرائيل في الغرب لان يكون مؤتمر اولاند رصاصة البدء في حملة دولية ضدنا، تبلغ ذروتها في اواخر ولاية براك اوباما مع شجب في مجلس الامن في الامم المتحدة اظهر فشل مؤتمر باريس بانه حتى لو حصل الامر، فان الشجب سيكون مسجلا على الجليد. وهو لن يؤثر على التطورات على الارض.
أزمة الهوية الأمريكية
ان الوضع المتردي للغرب في هذه الساحة وجد تعبيره في مجال آخر اكثر جوهرية لدى زيارة نتنياهو إلى روسيا. فللمرة الرابعة في النصف سنة الاخيرة يلتقي رئيس الوزراء بالرئيس بوتين. وكما يذكر فقد حصل هذه المرة على استضافة مفتخرة.
وحسب التقارير الإعلامية، فانه مع ان الموضوع الفلسطيني طرح، ولكن الحديث لم ينشغل في هذا الموضوع الثانوي حتى غير الصلة. فقد تركز على المسائل الهامة حقا: مستقبل سوريا، إيران، مكانتنا حيال روسيا المتعززة في الشرق الاوسط، اقتصاد الغاز الازرق ـ الابيض الذي يجعلنا لاعبا هاما في الاقتصاد الروسي، وارتفاع التجارة مع الكتلة الروسية ـ السوفييتية سابقا.
بوتين، المتنازع مع تركيا، اعطى مباركته لاستئناف العلاقات بين إسرائيل وانقرة. وعاد نتنياهو واوضح موقف إسرائيل من حزب الله وإيران وكلاهما دفع ضريبة كلامية «المسيرة السلمية».
وهذا ينقلنا إلى الولايات المتحدة. أمريكا في نهاية عهد اوباما توجد في ازمة هوية عميقة. فصعود هيلاري كلينتون لن يوقف راديكالية الحزب الديمقراطي. ومع ان السناتور الاشتراكي بيرني ساندرس لم ينجح في التغلب عليها في السباق للترشيح للرئاسة، ولكن القوى التي معه غيرت وجه الحزب بحيث لم يعد يُعرف، وموقفه تجاه إسرائيل سيتطرف فقط.
ومع أنه من ناحية إسرائيل ستكون ادارة برئاسة دونالد ترامب اكثر ودا من ادارة كلينتون، الا انه في الساحة الأمريكية يبشر صعوده بتطرف اليمين الأمريكي ايضا. ومثلما شرح ليئال ليفوفيتش في مقاله، فلاول مرة منذ خمسين سنة، ليس لليهود الأمريكيين بيت سياسي. لا في اوساط الديمقراطيين ولا في اوساط الجمهوريين. وفي الساحة الدولية تعد أزمة الهوية الأمريكية بان في المستقبل المنظور لن يكون ترميم لمكانة الولايات المتحدة في العالم. في الشرق الاوسط، ادت سياسة اوباما إلى صعود إيران من جهة وساهمت في تفكيك منظومة الدول التي سيطرت في العالم العربي في السبعين سنة الاخيرة. وكل هذا اضافة إلى تقليص متطرف لميزانية الامن الأمريكية ادى إلى افول الامبراطورية بصفتها القوة السائدة في المنطقة. في آسيا ادت سياسة اوباما إلى صعود الصين على حساب الولايات المتحدة وحلفائها اليابان، الفلبين وكوريا الجنوبية. أمريكا ستبقى قوة عظمى هامة، ولكن مثل بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، فان قدرتها على املاء خطوات عالمية ستكون محدودة.
على ما يرام مع الجميع
يعيدنا هذا إلى نتنياهو وبوتين. في ضوء كثرة زياراته إلى العاصمة الروسية، سئل رئيس الوزراء وعن حق، إذا كان معنيا باستبدال الولايات المتحدة بروسيا كالحليف الاهم لإسرائيل. فرد نتنياهو، وعن حق ايضا، بالنفي. وليس فقط لان روسيا لا يمكنها أن توفر قطع الغيار لطائرات سلاح الجو.
في العالم المتغير اليوم، فان الاحتمالات عديدة الا تكون قوة عظمى واحدة تفرض سياستها. لا يوجد اليوم بديل لأمريكا. وعليه، مثلما هو محظور على إسرائيل ان تعتقد بان الولايات المتحدة ستعود إلى القمة قريبا، هكذا ايضا محظور علينا ان نوهم انفسنا بان احدا ما آخر سيحل محلها. ناهيك عن أننا لم نعد نحتاج إلى مسؤول عنا.
على إسرائيل ان تستسخلص ما يمكنها أن تستسخلصه من كل مكان. روسيا يمكنها أن تلجم إيران. يمكنها، مع مرعاتها، ان تكون شريكا لا بأس به في اقتصاد الطاقة. وكذا توقف نفوذ تركيا. الصين والهند يمكنهما ان يحلا محل الاتحاد الاوروبي كشريك تجاري لإسرائيل في العقود القادمة. أمريكا يمكنها أن تكون شريكا استراتيجيا، ان ارادت.
ان فشل مؤتمر «السلام» لاولاند من جهة وزيارة نتنياهو المؤثرة إلى موسكو من جهة اخرى، يكشفان المكانة الدبلوماسية والوزن الاستراتيجي الحقيقي لإسرائيل في العالم اليوم. كما أنهما يشيران إلى الاتجاه بعيد المدى للرياح الدبلوماسية. رياح شرقية غير باردة على نحو خاص، وللحقيقة، منعشة جدا.
معاريف 10/6/2016
- Details