Wednesday, May 06, 2026

All the News That's Fit to Print

ارشيف

جورج فريدمان — (جيوغرافيكال فيوتشرز) 15/6/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

تثير المجزرة التي وقعت في أورلاندو بولاية فلوريدا مرة أخرى السؤال عما يترتب علينا فعله حيال هجمات مثل هذه. لكن علينا قبل ذلك الإجابة على سؤال أكثر جوهرية: هل كانت المجزرة عملا جنائيا أم إجراء حربيا؟ وتشكل الإجابة على هذا السؤال المفتاح لتقرير الرد المناسب.

إذا كانت هذه أعمال إجرامية، فإن المجرمين عندها يجب أن يعاقبوا على أعمالهم. وإذا كانت هذه أعمال حرب، فيجب العثور على قوات العدو وتدميرها -ليس استنادا إلى احتمال ما فعلوه أو ما لم يفعلوه، وإنما من أجل تدمير العدو قبل أن يتمكن من الضرب ثانية.

منذ 11/9 فشلت حكومة الولايات المتحدة في حل هذا الموضوع. ومباشرة بعد الهجوم، التزم الرئيس جورج دبليو بوش بجلب الذين خططوا للهجوم إلى العدالة، مشيرا ضمنا إلى أن هذا العمل كان جنائيا. وفي نفس الوقت، قام بإرسال الجيش الأميركي إلى إفغانستان لشن حرب على الحكومة الأفغانية وجيشها وتنظيم القاعدة الذي كان يعمل تحت حماية الحكومة. وعنى ذلك أن تلك الأعمال كانت حرباً.

تتباين قوانين الحرب وقوانين العدالة الجنائية بشكل كبير، بتباين واختلاف مقاصدهما. ولو أن الرئيس الأميركي الأسبق، فرانكلين دي روزفيلت، قال في خطابه بعد الهجوم على ميناء بيرل هاربر أنه ينوي كل من خطط للهجوم على بيرل هاربر أمام العدالة، لكان قد فوت الفرصة تماماً. لم يكن الطيارون والضباط هم الذين ارتكبوا تلك الجريمة، وإنما كانت امبراطورية اليابان، كما قال روفيلت، هي التي ارتكبت العمل الحربي.

ثم زاد بوش الموضوع اضطرابا عندما تحدث عن محور الشر-العراق وإيران وكوريا الشمالية- وقال أن هذا المحور مسؤول ببعض الطرق عن هجمات 11/9. كما تحدث أيضا عن الحرب العالمية على الإرهاب. والإرهاب هو سلاح للحرب. وهو مصمم لإرهاب مواطني بلد وجره إما إلى الشلل أو إلى الإطاحة بحكومته. ولذلك قصف الألمان بريطانيا في الحرب العالمية الثانية. وقصف الحلفاء ألمانيا لنفس الغاية.

كوسيلة لخوض الحرب، يعتبر الإرهاب مشابهاً للدبابات أو حاملات الطائرات من حيث أنها أدوات حرب، وليست العدو في حد ذاته. ولنتصور لو أن روزفيلت أعلن حرباً عامة على حاملات الطائرات، باعتبار أن الطائرات التي هاجمت بيرل هاربر كانت قد انطلقت من حاملة طائرات.

لم يوضح بوش أبدا ما إذا كنا في حالة حرب، وزاد المسألة إرباكاً من حيث الإفصاح عن الجهة التي نحن في حالة حرب معها. ولم يشأ –عن حكمة- إعلان الحرب على العالم الإسلامي، لأنه يضم 1.7 مليار شخص، ولأن احتمال إلحاق الهزيمة به بجيش قوامه حوالي 500.000 جندي هو أمر بعيد المنال.

بالإضافة إلى ذلك، كان يعرف أن قسما ضئيلا من الـ1.7 مليار مسلم كان معنيا وقادرا على شن هجمات إرهابية. لذلك، ركز على تنظيم القاعدة، ثم زاد من تعقيد الموضوع عبر غزو العراق الذي كان رئيسه العلماني في ذلك الوقت، صدام حسين، مسكونا بهاجس البقاء، وكان من غير المرجح أن يقيم تحالفا مع الجهاديين.

ثم زاد الرئيس باراك أوباما هذا الارتباك المفاهيمي تعقيدا، وهو لم يشر فقط إلى ما هو واضح من أن الولايات المتحدة لا تناصب كل المسلمين، لكنه حاول أن يتخذ موقفاً يقوم على أن إيمان الإرهابيين المزعوم بالإسلام هو أمر عرضي بالنسبة لأفعالهم. وأشار آخرون ممن تبنوا هذا الموقف إلى أن الأسلحة في الولايات المتحدة تقتل أشخاصا أكثر ممن يقتلهم الإرهاب.

كانت وجهة نظر أوباما القائلة بأن الإسلام يتناقض مع الإرهاب في الحقيقة تكرارا لوجهة نظر بوش حول محور الشر. فقد ضم الهدف كل الإرهابيين، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين. أما الحديث عن الأسلحة في مقابل الإرهاب، فهو صحيح وغامض المقاصد على حد سواء. وبدا الأمر شبيها بقول أن الإرهاب يمكن تحمله بسبب سيادة عنف السلاح. لكنه من غير الواضح ما هو التغيير الموصى به في طبيعة العمل ضده.

الآن، مضى 15 عاما تقريبا على 11/9، وما نزال لم نقدم إجابات عن الأسئلة المحورية: هل نحن في حالة حرب أم أننا نقاتل مجرمين؟ وإذا كنا في حالة حرب، فمع من بالضبط؟ وللتمييز بين الجريمة والحرب يجب عليك أن تنظر في المقصد وليس في الوسائل والسبل. وربما تكون الوسائل هي نفسها، لكن الهدف مختلف. فالمجرمون يرمون إلى جني الأموال أو يكونون غير متوازنين ويقصدون كسب الشهرة. لكن الإرهابيين ينطوون على مقاصد وغايات سياسية، ولذلك تكون هجماتهم متوافقة مع تعريف الحرب. فالحرب هي استكمال للسياسة بوسائل مختلفة. والحرب مرتبطة عن قرب بالسياسة، لكن الجريمة ليست كذلك. وهناك دائماً مناطق رمادية. لكن هذا التعريف يعمل.

ما هي الغايات السياسية للإرهابيين الإسلامويين؟ منذ صعود القاعدة، ما يزال هناك هدف واضح وثابت: الإطاحة بالأنظمة المنافقة في الدول المسلمة واستبدالها بأنظمة جهادية تؤسس دولة مسلمة عالمية موحدة تدعى الخلافة.

ولتحقيق هذه الغاية، يحتاج الجهاديون إلى القيام بشيئين: الأول، أن يظهروا للجماهير المسلمة أن حكوماتهم تخونهم، وأن لديهم القوة للتحكم بأقدارهم.

والهدف الثاني هو طرد الولايات المتحدة وأوروبا والقوى الأخرى غير المسلمة إلى خارج العالم الإسلامي. ويهدف الإرهاب إلى تجريد العدو من إرادة الاستمرار وإجباره على الانسحاب. وهو نفس هدف عمليات القصف الجماعي في الحرب العالمية الثانية.

ويتشابك الهدفان لأن الإرهاب لا يتطلب منظمة رئيسية أو موارد رئيسية. إنه يضرب العدو ويمكن كل داعميه الذين يرغبون في أن يتمتعوا بالتمكين بالتزامن.

وعلى ضوء هذه الغاية، ما من شك في أن الإرهاب هو عمل من أعمال الحرب وليس جريمة. لكن المشكلة هي تعريف العدو. ونحن نعرف أنه ليس كل المسلمين جهاديون. ونعرف أيضاً أن كل الجهاديين مسلمون.

في هذه الحرب، من الصعب تعريف الجهاديين لنفس الأسباب التي تجعلهم يشكلون أكبر انتهاك لمعاهدة جنيف بشكل كامل. وتعترف معاهدة جنيف بحق الحزبيين -رجال حرب العصابات- في أن يتلقوا معاملة الجنود. ومع ذلك، يجب عليهم أن يفوا بمعيارين: الأول، يجب عليهم حمل سلاحهم علانية. والثاني، يجب عليهم ارتداء أزياء تعرفهم كمحاربين.

لكن الجهاديين لا يطبقون أيا من هذين المعيارين. ولذلك لا حقوق لهم بموجب معاهدة جنيف –وهي نقطة أخرى ما تزال مجالا للخلط الكبير في النقاشات الغربية. لكن التنازل عن الحقوق بموجب معاهدة جنيف لا يرحم الجهاديين الحق بالمطالبة بنظام العدالة الجنائي. في الحرب العالمية الثانية، عندما ألقي القبض على الجنود وهم يتسللون من دون الزي الرسمي، كان العقاب الاعتيادي عند كافة الأطراف هو الإعدام بعد محاكمة عرفية طارئة. ولم يكن هناك أي تقليد يقول بأن منتهكي معاهدة جنيف هؤلاء يتمتعون بأي حمايات قانونية وراء العدالة العسكرية.

وفي نفس الوقت، فهمت كافة الأطراف مزية أن تكون من دون الزي العسكري الرسمي وأن تخبئ الأسلحة. ويتمتع الجهاديون بمزية هائلة في هذا المضمار. ولأن هدفهم الرئيسي هو إلحاق أكبر حجم من الخسائر، فإن المتفجرات والبنادق هي أسلحة الخيار.

بما أن الهدف من الحرب هو جعل العدو غير قادر على شن حرب، فإن العمليات السرية يمكن أن تحبط ذلك الهدف. وتضع هذه استراتيجية المدافع في موقف انتظار الهجوم التالي، والدفاع المستحيل عن طائفة كبيرة من الأهداف، أو التعرف إلى ناشطي العدو الذين اختلطوا مع الجماهير العامة أو تفرعوا منها. وأفضل طريقة للقيام بذلك هي تعقب الناشطين الجهاديين ومعرفة أي الجهات هي التي يجرون اتصالات معها.

لذلك، يتجنب "داعش" الاتصال مع الناشطين المحتملين. وبدلا من ذلك، يشجع الذين لهم اتصال قليل أو ليس لديهم اتصال مباشر به على تصميم وتنفيذ هجمات إرهابية تزيد إلى الحد الأقصى من الخسائر، وتقوض بذلك أركان البلد المستهدف. ومثل كل الحركات الأيديولوجية، من الممكن معرفة هدف التنظيم والمشاركة في تحقيقه بطريقة ما، من دون إجراء اتصال مع التنظيم الرئيسي.

تم تعلم هذه الاستراتيجية من الهزائم التي منيت بها المجموعات الفلسطينية في السبعينيات والثمانينيات. ولأنها تأطرت وفق النموذج السوفياتي، كانت هذه المجموعات منغلقة ذاتيا وآمنة بدرجة عالية. لكن المشكلة كانت هي أنه يمكن اختراق حتى أكثر التنظيمات أمنا.

ما تعلمته القاعدة واستوعبه "داعش" حتى بشكل أفضل، هو أن كلفة تنفيذ الإرهاب هي التنظيم. وأنه يجب عليهم القبول بدرجة من الفوضى في مقابل عمليات لا تكون موجهة في الغالب من المركز. ومع ذلك، فإن الذئاب الوحيدين هم وحيدون فقط بمعنى أنهم يفتقرون إلى الاتصال الشخصي. لكنهم على اتصال عميق بالأيديولوجية.

يعيدنا ذلك إلى تحدي تعريف مع هو الذي يخوض الغرب الحرب معه. والجواب الواضح هو أن الغرب في حرب مع الفرع الجهادي من الإسلام. والمشكلة أن هذا الفرع ليس سرياً فقط، وإنما هو مندغم في داخل المجتمع المسلم ككل.

ويثبت هذا مرة أخرى لماذا لا تحمي معاهدة جنيف الجهاديين. في الحرب الفرنسية البروسية، أختبأ القناصة الفرنسيون بين الناس لقنص الألمان. ورد الألمان فأصابوا المدنيين. وحمل واضعوا معاهدة جنيف الفرنسيين وليس الألمان المسؤولية عن المجزرة. إن استخدام المدنيين كغطاء للعمليات يشكل انتهاكاً لمعاهدة جنيف.

جميل أن يكون القانون في صفك، لكنه لا يحل المشكلة المتعلقة بكيفية شن هذه الحرب. فالعدو غير قابل للتمييز عن الأصدقاء. وربما تستطيع فقط التعرف إلى الجهاديين من خلال التطفل بشكل معمق داخل مجتمعهم وما وراءه. وتستطيع اعتراض مكالماتهم الهاتفية، لكن من الصعب أن توفر أي منها معلومات رئيسية. وعلى ضوء حجم المكالمات، فإنه يستحيل اعتراضها جميعاً. وتستطيع أيضاً زرع متعاونين في المساجد. وثمة العديد من الأعمال التي يمكن تطبيقها-لكنها كلها ذميمة أمام القيم الأميركية.

يجب تذكر أنه، في الحرب الأهلية كان أبراهام لينكولن قد علق العمل بإصدار مذكرات الجلب. وخلال الحرب العالمية الثانية، فرض روزفيلت رقابة مكثفة وتجسس على الكونغرس. لكن الكل عرف أن هذه الحروب ستنتهي عند نقطة ما. أما خوض الحرب ضد الجهاديين فسيستغرق وقتا طويلا، ومن شأن تعليق الحريات لوقت طويل أن يغير شخصية الجمهورية. وقد يولد أيضاً العداء تجاه الحكومة، وهو هدف للجهاديين.

هذا مجرد واحد من التحديات التي يجب أن تناقش. لكنها لا يمكن أن تناقش ما لم نواجه بعض الحقائق. إن هذه حرب، والجهاديون هم العدو. وليس كل المسلمين جهاديون، لكن كل الجهاديين مسلمون. وثمة مجموعات إرهابية أخرى وأسباب أخرى للموت، لكن أياً منها لا تمتلك خططاً كبيرة لإلحاق الضرر بنا مثل الجهاديين.

ربما يكون التنازل عن الحريات ثمنا غاليا جداً، لكن علينا أن نكون نزيهين في الاعتراف بالثمن الذي سندفعه. وبالإضافة إلى ذلك، قد تبدو بعض التكتيكات قابلة للمديح، لكنها لن تحل المشكلة في النهاية. وعلى سبيل المثال، قد يكون منع المسلمين من دخول البلد معقولاً بالنسبة للبعض، لكن طفلاً يستطيع الالتفاف على هذا الحاجز. يجب أن نكون صادقين في الإقرار بأن الحرب، التي استعرت منذ 15 عاماً، ستتواصل حتى وقت طويل مقبل. ونحن نستطيع إعادة جنودنا إلى الوطن، لكن الجهايين قد يلحقون بهم. يجب دراسة كل هذه الأشياء بشرف وأمانة. لكننا نحب أن نكذب على أنفسنا، وهذا هو العدو الحقيقي.

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Facing Some Truths Behind the Florida Massacre

عن "الغد"