- Details
- أخبار سياسية
أخبار - ساندروز
تقرير تشيلكوت: كيف باع توني بلير الحرب؟
كارني روس* – (نيويورك تايمز) 6/7/2016
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
شهدت الأيام الأخيرة النشر المستحق منذ أعوام للتقرير الرسمي حول سلوك بريطانيا في حرب العراق في العام 2003. وقد راجع التحقيق الذي قاده مسؤول رفيع سابق في الجهاز المدني، هو السير جون تشيلكوت، آلاف الوثائق، وأجرى مقابلات مع أكثر من 100 شاهد عيان. ويقع التقرير النهائي في أكثر من مليوني كلمة.
كان ما توصل إليه التحقيق واضحاً. لقد بالغت الحكومة البريطانية بقيادة رئيس الوزراء توني بلير في قضية الحرب على العراق، وقررت الذهاب إلى العمل العسكري عندما لم تكن قد استنفدت البدائل. (وباعتباري دبلوماسياً بريطانياً سابقاً ومتخصصاً في الشأن العراقي لدى الأمم المتحدة، فقد كنت واحدة من أولئك الذين شهدوا بهذا على وجه التحديد أمام تحقيق تشيلكوت). كما فشلت الحكومة البريطانية أيضاً في التحضير للغزو، كما أساءت إدارة احتلال العراق.
بالنسبة للكثيرين، يأتي هذا كتأكيد على ما كانوا يعتقدونه مسبقاً. وعلى الرغم من ذلك، فإن مما يدعو إلى الصدمة أن نشاهد هذا التقرير وهو يصدر عن مسؤول حكومي سابق متقاعد بلغة هادئة وموزونة. وقد فقد أولئك الذين قالوا إن السيد بلير وحكومته "تعرضوا للتضليل" من جانب الاستخبارات الخاطئة عن أسلحة دمار شامل قبل الحرب حجتهم، حيث يقول تقرير السيد تشيلكوت إن السيد بلير قدم قضية الاستخبارات بتأكيد لم تبرره البيانات. وبالنسبة للاحتلال، فإن الثلاثة عشر عاما الماضية من الفوضى العارمة والعنف اللذين يعاني منهما العراقيون منذ الغزو تظهر من دون شك عدم كفاءة وعدم مسؤولية أولئك الذين خططوا له ونظموه.
للتحقيقات البريطانية العامة فإن لمثل هذا التحقيق هدفا أبعد، هو طمأنة الشعب إلى أن الحكومة تستطيع فهم أخطائها وتصحيحها. وفي البرلمان، قال رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، بوضوح شديد إنه سيتم دراسة التقرير، وإن توصياته سوف تتبع. وبعد يوم أو اثنين من الغضب، سوف تمضي دورة الأخبار قدما. ولكن، إذا أريد لمثل هذا المأزق أن لا يتكرر مرة أخرى، فإن كارثة بهذا الحجم الكبير تتطلب تأملاً أعمق وتداعيات حقيقية.
لا ينطوي تقرير تشيلكوت في حد ذاته على تحميل للمسؤولية. ومن غير المرجح، كما يبدو الأمر، حدوث ملاحقات جنائية لمسؤولين. وفي خارج المحاكم، ثمة فقر في الخيارات لإجبار الشخص الملوم على تحمل المسؤولية. ويظل اليوم أو اليومان من الحرج العام الذي يواجهه بلير والمتعاونون معه غير كافيين على الإطلاق؛ ما هو نوع الندم الذي يستطيع أن يعوَّض عما تم إيقاعه من أضرار، سواء على الشعب العراقي أو على الجنود الذين ضحوا بحياتهم في هذه المغامرة سيئة المشورة؟ لقد مات عدد كبير جداً من الناس في الصراع، ربع مليون شخص على الأقل منذ الغزو.
يجب تحميل الوزراء والمسؤولين الذين مكَّنوا السيد بلير من ارتكاب هذه الكارثة اللوم والمسؤولية أيضاً. وقد شهد الكثيرون من الذين تحلوا بالشجاعة بعد انتهاء الحرب أمام السيد تشيلكوت بأنهم كانوا يعرفون أن الحرب كانت خطأ - لكنهم مع ذلك مضوا قدماً في شنها. لكنها لم تكن لتحدُث من دونهم أيضاً. وقد ذكر العديد من الدبلوماسيين والمسؤولين مسألة "تهديد" أسلحة الدمار الشامل، حتى عندما كانوا، مثلي، واعين تماماً بحقيقة أن المعلومات الاستخبارية الشحيحة التي كانت لدينا لا تستطع تأكيد هذا الادعاء.
لقد تم إيفاد البعض لحكم العراق بعد الغزو، وإنما من دون أي تدريب أو أي استعداد آخر للقيام بالمهمة. وقد أشعلت الحرب فتيل عنف طائفي هائل -بالضبط كما كنت قد سمعت مسؤولين بريطانيين وهم يحذرون من ذلك صراحة في عدة مناسبات أثناء المحادثات البريطانية الأميركية التي حضرتها قبل الغزو.
وهناك المزيد من الآثار الخطيرة لغزو العام 2003، والتي يتجنب تقرير تشيلكوت ذكرها. ثمة شرير يدعى أبو مصعب الزرقاوي، وهو شخص هامشي في تنظيم القاعدة، والذي تم ترفيعه في الترتيب الجهادي عندما وصفه وزير الخارجية الأميركي كولن باول، زيفاً، في كلمته أمام مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، بأنه حليف إرهابي لصدام حسين. ونتيجة لذلك، كسب الزرقاوي صفة العدو المعلن لأميركا، وهي صفة استغلها ليصبح زعيماً متطرفاً في التمرد السني في العراق.
وبعد انشقاقه عن "القاعدة"، أسس المجموعة التي أصبحت "الدولة الإسلامية" والتي تحتل اليوم ثاني كبرى المدن العراقية، الموصل، ومساحات شاسعة من العراق وسورية، والتي قتلت في الأسبوع الماضي فقط أكثر من 200 مدني في تفجيرات انتحارية في بغداد. كما ألهمت "الدولة الإسلامية" عمليات القتل الجمعي من كاليفورنيا إلى باريس إلى اسطنبول. وفي سورية، استخدم مقاتلو "داعش" الأسلحة الكيميائية فعلياً. وإذا حصلت المجموعة على أسلحة دمار شامل أخرى، فإنها سوف تستخدمها بلا تردد.
وهكذا، ساعد الغزو الذي كان قد تم تبريره بتبرير خيالي في العراق، في خلق أزمة انعدام أمن عالمية، والتي ستستمر لجيل، على الأقل. وقد اعتقد هؤلاء أن على الحكومة تأكيد ادعائها بأنها تقوم بتوفير الأمن للناس من خلال ممارسة احتكار الدولة للقوة. وكما كنتُ قد فعلت أنا ذات مرة، فقد تقاسموا إيماناً بمعرفة وخبرة الحكومة: إن الحكومة تعرف أفضل. إلا عندما لا تعرف. وقد خلصت إلى الاعتقاد بأن محاولات الحكومة الفاشلة لفرض النظام عن طريق القوة هي في حد ذاتها مصدر الفوضى والاضطراب. ويوافق العديد من العراقيين على ذلك بلا شك.
يكشف تقرير تشيلكوت الكثير عن الحكومة وفشلها، لكنه يتجاهل إلى حد كبير تناول الموضوع الأكبر. فلا ذكر في التقرير، إلا نادراً، للمعاناة والفقدان اللذين يعاني منهما الشعب العراقي؛ ليس ثمة محاولة لإحصاء القتلى.
كما لا يتضمن التقرير أيضاً أي توصية بتقديم تعويضات للشعب العراقي، ناهيك عن تقديم اعتذار. وبالنسبة لي، يجب أن يكون ذلك هو الهدف النهائي لتقرير مثل هذا: أن يتحدث عن الذين أزهقت أرواحهم من دون ضرورة. إنه قدرهم وليس قدرنا وقدر ساستنا هو الذي يجب أن يشغل بالنا. وعندها فقط نستطيع البدء في فهم طبيعة وفظاعة ما تم ارتكابه باسمنا.
*المدير التنفيذي لمجموعة "إندبندنت دبلومات"، المجموعة الدبلوماسية الاستشارية غير الربحية. كانت خبيرة الشأن العراقي ضمن وفد بريطانيا لدى الأمم المتحدة في الفترة بين عامي 1997 و2002.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Chilcot Report: How Tony Blair Sold the War
- Details