Monday, May 04, 2026

All the News That's Fit to Print

ارشيف

كريستوفر ديكي —

(ديلي بيست) 19/7/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

بعد "شارلي إيبدو" نزل الفرنسيون إلى الشوارع للدعوة إلى الوحدة. والآن، ربما تدفع مذبحة نفذها "جهادي تكون على عجل"، بدفتر عناوين مليء بأسماء المخنثين بالبلد إلى حافة الهاوية.

* * *

باريس - لا يجب أن يكون ما وجده المحققون الفرنسيون في أجهزة هواتف القاتل المسلم الذي ذبح 84 شخصاً على واجهة التنزه البحرية في نيس بفرنسا ليلة الخميس الماضي مدعاة للدهشة. لكنه كان كان كذلك في حقيقة الأمر.

كان رجال الشرطة يبحثون في قائمة الهاتف عن الأئمة. لكن ما وجدوه كان أسماء المخنثين.

وكما قال عضو رفيع في المؤسسة الأمنية الفرنسية لمجلة "ديلي بيست"، فقد تبين أن محمد منذر لحويج بوهلال كان "مخادعا". وكان ميالاً إلى ممارسة الجنس مع أي من الجنسين. ووفق تقرير نشر في صحيفة "لو باريسيان" التي تتوافر على مصادر قوية في تنفيذ القانون، فقد كان أفضل زبون/ حبيب له رجل يبلغ من العمر 73 عاماً.

يكشف ملف بوهلال، 31 عاماً، الذي ظهر من التقارير المسربة عن صلاته في عناوين الهاتف المحمول وتحقيقات الشرطة مع معارفه، عن أنه ليس مجرد مهاجر شاب من تونس يعاني من المشاكل ويعيش في فرنسا فقط، وإنما يعرض الملف صورة كاوبوي منتصف الليل في الساحل الآزوري، وشخص مكتئب ومرتبك ومليء بالغيظ.

ولا يعني أي من هذا أن بوهلال لم يختر، في أيامه الأخيرة، الاقتران بالتنظيم الإرهابي الذي يدعو نفسه "الدولة الإسلامية" أو ربما بتنظيم ما تابع للقاعدة. ويقول ديفيد طومسون، مؤلف كتاب عن الجهاديين الفرنسيين، لصحيفة "نيس ماتان" إن "كون المرء غير متوازن لا يمكن أن يمنعه أبداً من أن يكون جهادياً".

وفي مؤتمر صحفي عقد في نيس يوم الاثنين، قال المدعي العام في باريس، فرانسوا مولينز، الذي يشرف على تحقيقات الإرهاب، أنه على الرغم من ادعاء غامض لمجموعة "داعش" بأن بوهلال قد استلهم دعايتها، فإنه ليس هناك رابط واضح. لا توجد أي راية سوداء أو أي رسالة، وليس هناك شريط فيديو عليه وصية من "الشهيد".

ومن جهة أخرى، كان بوهلال قد خطط للهجوم قبل عدة أيام على الأقل من تنفيذه. وكان قد رتب لاستئجار الشاحنة/الثلاجة يوم 4 تموز (يوليو)، واستلمها يوم 11 تموز، وتجول فيها حول "البروميناد دي أنغليه"، مسرح الجريمة التي سترتكب، يوم 12 ثم يوم 14 منه، يوم الهجوم، حتى أنه التقط صور سيلفي لنفسه.

وكان قد بدأ بإطلاق لحيته قبل المجزرة، وكان يبحث في شبكة الإنترنت عن أفلام للعنف الجنسي: "حوادث مميتة مرعبة" أو "أشرطة فيديو صادمة". وكان قد شاهد أشرطة فيديو لعمليات قطع رؤوس نفذها "داعش".

يبدو بوهلال، في حقيقة الأمر، جزءا من جين جديد للإرهاب الجهادي الفوري الذي يقرر فجأة، لا أكثر ولا أقل، تحويل حياته البائسة الصغيرة إلى مشهد موت يشد انتباه العالم كله. وهناك العديد من الناس القابلين للاستغلال من هذا النوع. وكما لاحظت الصحيفة اليومية الفرنسية "لوموند"، في الملف الذي نشرته عن بوهلال، فإن "قدح زناد الدوافع المرَضية في الأشخاص الضعفاء عن بعد هو جزء لا يتجزأ من استراتيجية داعش".

وهم في معظمهم أناس منسيون، مثل الرجل المعتوه الذي كان يهتف "الله أكبر"، ويتجه بسيارته نحو حشد من الناس عند موقف حافلة في المدينة الريفية الفرنسية ديون في العام 2014؛ أو الرجل الذي قطع رأس مسؤوله في العمل خارج ليون في العام الماضي. ومما لا شك فيه أن الفتى الأفغاني، 17 عاماً، الذي أعمل بلطة في المسافرين في القطار (في ألمانيا) ليلة الإثنين وتسبب في جرح أربعة أشخاص قبل أن ترديه قوات الشرطة قتيلاً، يقع ضمن هذه الفئة. ويقال إن نسخة مصنوعة منزلياً من راية "داعش" وجدت بين مقتنياته، كما أن الخدمة الإخبارية لـ"داعش" (نعم، هناك خدمة إخبارية لها) ادعت بأنه واحد من "جنودها"، والذي لبى "دعوة" الخلافة المعلنة ذاتياً لقتل الناس في الغرب حيثما وأينما يستطيعون.

وقد أعلن "داعش" ادعاء لما بعد وقوع الحادث من نفس النوع مع بوهلال أيضاً. ومن دون أن يأبه لماضيه القذر وزواجه العنيف وتعطشه الواضح للانتقام الشخصي. ومن الممكن تماماً تصور أنه اعتقد بأن زوجته وأولاده المهجورين سيكونون من بين الذين يشاهدون عرض الألعاب النارية بمناسبة يوم الباستيل في متنزه "بروميناد دي أنغليه" عندما باشر قيادة الموت على طول الطريق الواسع. وقال محامي زوجته أنها كانت تخطط لمشاهدة العرض، لكنها قررت عدم الذهاب في وقت لاحق "لأسباب خاصة". وكما حدث، كان أكثر من ثلث ضحايا هذا الجندي من جنود ما تدعى "الدولة الإسلامية" من المسلمين، وفق صحيفة "كاثوليك ديلي لا كروا" اليومية. وكان عشرون منهم تونسيين مثل القاتل.

لعل ما يميز عنف بوهلال هو حجم المجزرة، وكذلك البيئة السياسية والاجتماعية للحظة. فقد كان لعمل بوهلال صدى خارج حياته الخسيسة الخاصة، كما يقول عالم الجريمة الفرنسي البارز أليان بوير، لأنه يغذي العديد من أنواع الغضب في المجتمع المعاصر. "إنه غضب صرف ملتف بغلالة الزمن".

إن الجزء الأكثر رعباً في خروج بوهلال الشنيع من أرض الأحياء، هو أن هجومه تم في لحظة وجود انقسام كبير بين فرنسا وأوروبا، وحيث المناخ السياسي مشحون جداً حتى أن العمل غير العقلاني لشخص يعيش حياة وضيعة ويحاول تطهير شياطينه الخاصة بدم الأبرياء، يمكن أن تكون له تداعيات مزلزلة.

قبل شهرين، كان رئيس المديرية العامة للأمن الداخلي في فرنسا باتريك كالفار، قد حذر لجنة في الجمعية الوطنية "البرلمان" من أنه بعد مجازر كانون الثاني (يناير) 2015 في مكاتب المجلة الباريسية الساخرة "شارل ايبدو"، وفي سوق مركزي يهودي، ثم في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) المجزرة في مقاهي باريس وقاعة الرقص باتاكلان وما تبعها من هجمات ذات صلة في آذار (مارس) في بروكسل، فإن المجتمع أصبح يقف عند نقطة تحول. ولا تكمن المشكلة في المتطرفين المسلمين وحسب، وإنما مع المعادين للإسلام والمتطرفين المعادين للمهاجرين في "أقصى اليمين" أيضاً.

وقال كالفار في شهادته يوم 10 أيار (مايو): "إن أوروبا في خطر كبير. التطرف يتصاعد من حولنا ونحن —الأجهزة الأمنية الداخلية- نقوم بعملية إعادة نشر للموارد للتركيز على أقصى اليمين الذي لا ينتظر أي شيء سوى المواجهة".

وقال مسؤول المخابرات المخضرم الذي يشبه منصبه منصب رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي "اف بي أي"، ومنصب رئيس المخابرات البريطانية أم 16: "سوف تتذكرون أنني أحاول دائماً استخدام اللغة المباشرة. ولذلك، أعتقد بأن هذه المواجهة ستقع. وإذا وقع هجوم أو هجومان إضافيان، فإنها سوف تحدث".

وطبقاً لتقرير صدر في وقت سابق هذا الشهر في الصحيفة اليومية المحافظة "لو فيغارو" فقد رسمت الجلسة المغلقة التي عقدها كالفار مع اللجنة البرلمانية صورة أكثر قتامة، حيث قال: "إننا على شفا حرب أهلية".

وكما أشار العالم الفرنسي، غيل كيبيل، وغيره، فإن ما يأمله عتاة الجهاد العالمي كجزء من استراتيجيتهم المعلنة بوضوح، وهو نثر بذور الانقسام واستغلال التناقضات في المجتمعات الغربية التي تؤوي جاليات مسلمة ضخمة. وهم يقولون: "حرب أهلية؟ أشعل نارها". ولعل من حسن الطالع أننا لم نصل إلى تلك النقطة بعد، وربما لا نكون قريبين قريباً منها بالقدر الذي اقترحه كالفار. لكن المزاج العام يصبح أكثر قبحاً مع كل يوم.

في كانون الثاني (يناير) هذا العام، وبعد هجمات "شارل ايبدو"، كان هناك تدفق ضخم من الدعم للحكومة ولفكرة أن يكون المجتمع الفرنسي –وأنه يجب أن يكون- خالياً من الإرهاب. وكان الهاشتاغ "# أنا شارل" هو الرمز العالمي لتلك اللحظة. لكن الرمز أصبح اليوم "# لقد تعبت".

عندما زار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ورئيس الوزراء مانويل فولس مدينة نيس بعد المجزرة على أمل تطمين المواطنين في المقام الأول، ثم لحضور قداس على أرواح الضحايا، واجه كل منهما صيحات الاستهجان من الجمهور.

كما تشهد نيس نفسها انقساماً بين حركة سياسية يمينية قوية، وبين جيوب من المهاجرين المسلمين الذين تبنوا نسخاً متشددة من الإسلام، والتي تعزلهم أكثر عن المجتمع المتوجس والمعادي الذي يحيط بهم.

وهناك إشارات إلى أن بعض الأفراد أو المجموعات الصغيرة ما يزالون يتآمرون لافتعال حرب مفتوحة مع الجالية المسلمة في فرنسا، تماماً مثلما يفعل المتهوريون في الولايات المتحدة - تيموثي مكويز وديلان روفس- الذين يأملون في أن تفضي أعمالهم الإرهابية إلى تحقيق رؤيا نهاية العالم.

في أيار (مايو)، اعتقلت السلطات في أوكرانيا شاباً فرنسياً كان يحاول تهريب ترسانة كبيرة من المسدسات والمتفجرات إلى خارج البلد، وقالت أنه كان ينوي استخدام الأسلحة لإشعال فتيل حرب طائفية في فرنسا. وثمة بعض الشكوك في قصده الحقيقي -فقد يكون مهرب أسلحة من الدرجة الثالثة- لكن من الواضح من تصريحات كالفار أن الأجهزة الأمنية الفرنسية تشعر بالقلق من احتمال أن يكون وسطاء أكثر فعالية للفوضى موجودين هناك لهذه الغاية.

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية في الربيع المقبل، يبدو موقف زعيمة جناح أقصى اليمين مارين لو بان، عالياً، حيث الخطاب المهيج هو السائد اليوم. وكانت ابنة شقيقها، ماريون ماريشال لو بان، العضو الشابة في الجمعية الوطنية والشخصية الشعبية في منطقة الساحل الأزوري والنجمة الصاعدة في الجبهة الوطنية، قد وزعت شريط "يوتيوب" يهاجم الحكومة وميولها نحو "التعددية الثقافية".

وقالت ماريشال لو بان: "إذا لم نقتل الإسلاموية، فإن الإسلاموية سوف تقتلنا مرة تلو الأخرى". وأضافت: "إذا لم يكن لنا رد فعل الآن، فإن مشاهد الرعب هذه سوف تصبح حوادث يومية، وهو شيء رهيب، وشيء سيكلفنا حرياتنا. عندما يعلن عدو الحرب علينا فلا مجال للحيادية. فإما أن تكونوا معنا ضد الإسلاموية وإما أن تكونوا ضدنا مع الإسلاموية".

لعل مما ينطوي على المفارقة -وفي هذا سلوى صغيرة لأولئك الذين يشعرون بالقلق من التوجه المتصاعد للبلد نحو العنف- أن احتمال نجاح مارين لو بان كمرشح رئاسي يحافظ على أخطر عناصر أقصى اليمين، ربما أصبح موضع شك في الوقت الراهن.

على مدى أشهر، أظهرت استطلاعات الرأي العام أن لوبان ستكسب الجولة الأولى بهامش ضخم (حوالي 30 في المائة في الإجمالي)، لكنها ستخسر في الجولة الثانية عندما يتحد معارضوها ضدها.

كان هذا هو ما حدث مع والدها جان ماري لو بان، في العام 2002. لكن ذلك لم يعد تنبؤاً أكيداً بالنسبة للعام 2017. كما أن المخاوف التي ولّدها الإرهاب وأزمة اللاجئين في الأشهر الثمانية عشرة الماضية ساعداها في تكوين أتباع.

ويقول بوير: "لدينا مجموعات نشطة في أقصى اليمين، والتي تنتظر فوز لو بان في الانتخابات". وإذا استمر الإرهاب، كما سيفعل بالتأكيد، وخسرت لو بان محاولتها لأن تصبح رئيسة، كما هو مرجح، فسوف تسقط عندئذٍ كل الرهانات.

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Nice Attack: Has a Bisexual Muslim Hustler Put France on the Path to Civil War?

عن "الغد"