أطفال أوروبا في ميونخ يقرعون طبول الحرب الصليبية - د.عبدالله بن موسى الطاير
د.عبدالله بن موسى الطاير
من تسفيه أحلام أوروبا في مؤتمر ميونخ 2025م، إلى استنهاض الهمم الأوروبية للتوحد حول القيم الإيمانية المسيحية في مؤتمر ميونخ 2026م، «أطفال أوروبا» يحشدون لحرب صليبية. حاول الأمريكيون تكحيل سمعتهم بعد النسخة الماضية من مؤتمر ميونخ، ويبدو أنهم أعموها.
المستشار الألماني فريدريش ميرز بدأ المؤتمر بالتحذير من أن النظام العالمي الذي عرفناه لم يعد موجودًا، وأن الحرية لم تعد مسلمة مفروغا منها، وأن الأحادية الأمريكية تهدد التحالف عبر الأطلسي، مقترحا شراكة جديدة تقوم على فرضية أن أمريكا ليست قوية بما يكفي للعمل بمفردها، وأن الديمقراطيات تزدهر بالشراكة لا بالعزلة.
في المقابل، قدم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خطابا اعتذارايا استحضر فيه حرارة الإيمان المسيحي الجامع، واصفا الشراكة الأوروبية الأمريكية بأنها تحالف تاريخي أنقذ العالم، قبل أن يسترسل ويُشخّص ما أسماه وهما خطيرا سيطر على المشهد منذ عام 1945م مفاده أن التاريخ قد انتهى، وهي دعوى أمريكية على أية حال، متهكما على المدن الليبرالية الفاضلة التي حلّت فيها التجارة محلّ السيادة الوطنية، وتلاشى فيها مفهوم الحدود، مما أدى إلى تراجع صناعة الغرب، وتنازله عن السيادة لمؤسسات عاجزة كالأمم المتحدة، وتفضيله الرفاه على حساب الدفاع، وفتح الأبواب على مصاريعها أمام الهجرة الجماعية التي تهدد التماسك الاجتماعي، والاستمرارية الثقافية، والمستقبل، حسب قوله.
رثاء أمريكي حضاري يصوِّر العلاقة على طرفي الأطلسي كعلاقة روحية من التاريخ المشترك، والإيمان المسيحي، والثقافة، والتراث، واللغة، والأصول العرقية، والتضحيات السابقة.
استشهد في لحظة عاطفية غامرة بموزارت، ودانتي، وكنيسة سيستين، وكاتدرائية كولونيا كشواهد على الإيمان المسيحي بالرب. لم يتردد في حث الحلفاء على تجديد الفخر بهذا التراث اليهودي المسيحي في مواجهة عالم مليء بالخصوم.
يا ترى من هم الخصوم؟ إنهم تلقائيا يجلسون أمامه في القاعة من مسلمين وصينيين، وهندوس، وبوذيين وعلمانيين، أي كل من لا يدين بالمسيحية واليهودية. أصرّ روبيو على أن الخلافات مع أوروبا تنبع من قلق أمريكا العميق على مصير قارة عجوز مترابط روحيا وثقافيا مع أطفالها على الضفة الأخرى، ورغم اتفاقه مع مضيفه أن العالم القديم قد ولّى، إلا أن الانهيار ليس حتما مقضيا، شريطة أن ينبذ الغرب الضعف، والشعور بالذنب والعار للدفاع عن حضارته. أمران في هذا السياق؛ فالعار المشار إليه هو الإمبريالية الاستعمارية الأوروبية فيما قبل العصر الأمريكي، وأما الشعور بالذنب فيقصد به تجاه إسرائيل حيث لم تتمكن أوروبا من حماية اليهود.
يُجسّد النهجان في خطاب ميرز وروبيو المتمثلان على التوالي في التوازن في التعددية، والنزعة إلى القومية الدينية، خطورة تفاقم الصدع بين الطرفين؛ الانزلاق نحو تكتيكات شعبوية تُعطي الأولوية للمكاسب الأيديولوجية قصيرة الأجل على حساب المرونة الاستراتيجية الدائمة، ويمكن القول إنه رغم محاولة ترميمها، إلا أن هذه الرابطة التضامنية غير المتكافئة تتآكل تحت وطأة خطابين متباينين. قد تتمكن الولايات المتحدة من إعادة توجيه مسارها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ ببعض الخسائر غير الكارثية على المدى القصير، لكنها على المدى البعيد تخسر الممكنات الأوروبية التي لطالما جعلت التفوق الأمريكي منافسا، وبدونها ستكون تكلفته أغلى.
الخطاب الاعتذاري المفعم بالإيمان المسيحي الذي قدم به روبيو إلى ميونخ لإصلاح ما خلفه نائب الرئيس في العام الماضي، رغم توافقه مع اليمين السياسي الأوروبي، فإنه يفاقم الانقسامات الداخلية في أوروبا. إنه تأييد أمريكي معلن للمقاومة الوطنية الأوروبية لعولمة بروكسل، كما ورد في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025م، وتأكيدا على هذا المسار، جاء روبيو بنصف أمريكا فقط، فهو يريد توحيد أمريكا الجمهورية مع المشككين في الاتحاد الأوروبي الذين يستنكرون الهجرة باعتبارها تهديدا للحضارة الغربية. إنه مرة أخرى تدخل تكتيكي في السيادة الأوروبية، وغزل مكشوف مع اليمين الأوروبي لإضعاف وحدة الاتحاد الأوروبي في قضايا مصيرية.
بالفعل، فإن خطبة روبيو، التي تستحضر الأصل المشترك والإرث الإلهي، تثير استياء التيار الليبرالي في أوروبا الغربية، الذين يدافعون عن التنوع والتعايش والعولمة والمعايير متعددة الأطراف. كما أنها تُعمّق الانقسامات الحزبية بين حلفاء أمريكا الأوروبيين. خطاب روبيو المُستند إلى الدين، يُخاطر بإعادة تعريف أمريكا كقوة مسيحية، مكررا استفزازات دي جي فانس في مؤتمر ميونيخ 2025م، بما فيه من تقويض للثقة مع قارة راسخة العلمانية. أبعد من ذلك، وعلى مسمع من الحضور المسلم والصيني والهندي والبوذي والعلماني، فإن هذا الخطاب على وجه أو آخر، ينذر بحروب صليبية قادمة، سواء تجارية، ثقافية أو عسكرية.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 659
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 764
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 638
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 631
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 625
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 832
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...