Sunday, April 19, 2026

All the News That's Fit to Print

ناصر بن محمد الحميدي

في موسمٍ لا يشبهه في العالم موسم، وتحت شمسٍ ترهق الأرواح قبل الأجساد، وقفت المملكة العربية السعودية -كعادتها- أمام اختبار الحج العظيم بوصفها دولة تدير موسمًا عظيماً، وباعتبارها حاضنةً للقداسة، ومهندسةً لحركة ملايين البشر، وعقلًا إستراتيجيا يُعيد تعريف معنى «الخدمة» في أسمى صورها.

ليس سهلًا أن تجمع بين قدسية الشعيرة وضغط الحشود، وبين حرمة الزمان وهشاشة الإنسان، وبين ضخامة العدد وحساسية الموقع. ومع ذلك، تُظهر المملكة، عامًا بعد عام، أن التنظيم ليس فقط مسألة جداول وتحركات، ولكن هو فلسفة قائمة على التمكين لا التعقيد، والرعاية لا المراقبة، والابتكار لا التكرار.

حج هذا العام جاء مختلفًا، فكانت التقنيات حاضرة بكثافة؛ من الذكاء الاصطناعي، إلى طائرات الدرون، إلى الإنترنت المجاني في كل بقاع المشاعر؛ لأن هذه التقنيات لم تكن عرضًا تقنيًا معزولًا، بل جزءًا عضويًا من روح التنظيم، وامتدادًا لرؤية شاملة تعتبر أن الحاج لا يحتاج إلى طعام وماء فحسب، وإنما إلى كرامة رقمية، وطمأنينة اجتماعية، ورعاية صحية تطير إليه إن تعذّر عليه الوصول إليها.

إن توفير أكثر من 10,000 نقطة واي فاي مجانية هي رفاهية لحاج متصل بالعالم، ودليل على أن الدولة ترى في الاتصال وسيلة لتعزيز الطمأنينة الأسرية، ولتمكين التطبيقات الصحية، والإرشادية، واللغوية... كذلك، فإن اعتماد الدرون لنقل الأدوية بسرعة فوق الزحام جاء تجسيدًا دقيقًا لمرحلة جديدة تُدار فيها الطوارئ من الجو، وتحطّ فيها الرعاية حيث يحتاجها الإنسان.

وما بين هذه التقنية وتلك، ظلّ المشهد الأكبر واضحًا: المملكة تحكم التنظيم بالتجربة، وتفتح المسارات: للروح أن تسلك، وللعقل أن يرتّب، وللمؤسسات أن تُبدع.

إن موسم الحج أداء ديني في توقيت مقدّس؛ لقد أصبح -في ظل هذه الإدارة السعودية الفذّة- مختبرًا حضاريًا مفتوحًا، تقدم فيه الدولة رؤاها، وتُجسّد فيه فلسفتها، وتبرهن فيه للعالم أن الدين لا يُناقض التقدم، وإنما يدعمه إذا أحسنت السياسة فهمه، وأخلصت في خدمته.

لقد نجحت المملكة هذا العام -وكما اعتدنا- في تقديم أنموذج فريد في إدارة التنوع، واستباق الأزمات، وتكريم الإنسان بوصفه حاجًا متعبداً لله، وباعتباره شريكًا في التجربة.

وفي ذلك، ليس هناك من إنجاز أعظم من أن يشعر ضيف الرحمن، في أرض الله، أنه موضع عناية الله، ورعاية من حملوا الأمانة نيابة عن الأمة.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...