Tuesday, May 12, 2026

All the News That's Fit to Print

جانبي فروقة

في عام 2019 م درس باحثون من جامعتي كامبردج University of Cambridge وستانفورد Stanford University كمّا هائلا من البيانات لـ17 ألف مستخدم حيث لم يكن هدفهم دراسة البشر مباشرة بل آثارهم الرقمية المتعلقة بسلوكهم الرقمي المتعلق بآلاف الإعجابات ومئات الأنماط السلوكية وجاءت لحظة الاكتشاف الصامت وهي أن الخوارزمية باتت تعرفك أكثر من أصدقائك وحتى أكثر من عائلتك ليس لأنك أخفيت شيئاً بل لأنك صرت متوقعا وهناك تجربة أخرى مثيرة أجرتها باحثة في جامعة ميشيغان عام 2022 حيث طلبت من مجموعة من المشاركين تصفّح يوتيوب لمدة ساعة دون تدخّل ومن مجموعة أخرى تصفّحه بعد أن شرحت لهم آلية عمل خوارزمية التوصية وكانت النتيجة صادمة حيث إن المجموعة الثانية أمضت وقتاً أقل بنسبة 22 في المائة وأبلغت بشعور أعلى بالرضا عن المحتوى الذي شاهدته وهذا أثبت أن مجرد فهم الآلية غيّر العلاقة والتفاعل معها.

في الماضي كانت الشركات تسألك كيف نخدمك ونرضيك؟ أما اليوم لم تعد تنتظر إجابتك وهذا التحول ليس بسيطا فقد انتقلنا من عالم الاستجابة إلى عالم التنبؤ وقواعد اللعبة تغيرت فلم يعد الهدف أن ترضي العميل بل أن يتم توجيهك قبل أن تفكر في الشراء والتغيير الحقيقي هنا أنك لا ترى المنتج الذي تريده بل ترى المنتج الذي تم التوقع بأنك ستحتاجه وخير مثال اليوم هي منصة أمازون Amazon فحوالي 35 في المائة من مبيعاتها لا تأتي من بحثك بل من اقتراحات المنصة وهذا يعني أن ثلث ما تشتريه لم تبدأه أنت فخوارزمية المنصة تراقب ماذا شاهدت وماذا تجاهلت وماذا اشتريت ثم يقارنك بآلاف يشبهونك وفي لحظة هادئة يقترح عليك منتج تعتقد أنه جاء بقرار حر منك لكنك لم تفعل، وفي نتفلكس Netflix القصة أعمق حيث أنها لا تتعلق فقط بماذا تشاهد بل كيف تعرض لك الأشياء فنفس الفيلم يمكن أن يعرض بصورة مختلفة لكل مستخدم فإن كنت تحب الرومانسية سترى لقطة عاطفية وإن كنت تحب الإثارة فسترى مشهد توتر والفيلم واحد لكن المدخل إليه شخصي بالكامل والنتيجة أن 75 في المائة من المشاهدة تأتي من التوصيات والسؤال الذي لا مفر منه هل أنت تختار أم يتم اختيارك؟ فحريتك باتت مصممة حيث يُقال لك إن لديك خيارات لا محدودة وهذا صحيح نظريا ولكنها الخيارات التي تم اختيارها لك والمفارقة أن الخوارزمية لا تفرض عليك شيئا بل تسهّل لك الطريق المرسوم لك مسبقا. فهل نحن أمام خيارات جبرية؟ وإذا ما نظرنا إلى عالم الموضة نجد أن شركة عملاقة كزارا Zara تحول بياناتها إلى أقمشة بسرعة فهي ترصد سلوك العملاء وتحلل ملايين الإشارات يوميا من إنستغرام وغيره من السوشيال ميديا ثم تتخذ قرارا سريعا فيما سيرتديه الناس الأسبوع القادم والنتيجة تكون من التصميم إلى الرف خلال أسبوع ليس لأنهم أسرع في الخياطة بل لأنهم أسرع في الفهم. وعلى منصة سبوتيفاي Spotify تبدو التجربة إنسانية جدا حيث إنها تزودك بقائمة أسبوعية لأغان تشبه ذوقك ولكن خلف هذا اللطف نظام يحلل أكثر من 400 مليار نقطة بيانات حيث إنها تعرف متى تستيقظ ومتى تتمرن ومتى تحتاج للهدوء وثم يقدم لك الموسيقى المناسبة وهذا ليس بسحر بل إنه فهم عميق لك. في هذا المشهد لا يبدو الأمر كصراعٍ مباشر بين الإنسان والآلة بل كإعادة تشكيل هادئة لمعنى «الاختيار» نفسه فنحن لا نُجبَر على شيء بالمعنى التقليدي لكننا بتنا نتحرك داخل مسارات مُهندسة بعناية حيث تُزل الاحتكاكات وتُختصر الطرق ويُعاد ترتيب العالم من حولنا بحيث يبدو القرار وكأنه ينبع منا بينما هو في الحقيقة نتيجة سلسلة طويلة من التوقعات ومثال صريح على ذلك الإعلانات الرقمية فوفقًا لتقارير شركة ماكنزي McKinsey الجزيرة Company فإن الشركات التي تعتمد على التخصيص المتقدم (Advanced Personalization) تحقق زيادة في الإيرادات تصل إلى 10-15 في المائة بينما يمكن أن تخفض تكاليف التسويق بنسبة تصل إلى 20 في المائة وهذه الأرقام لا تعكس فقط كفاءة أعلى بل تشير إلى شيء أعمق وهو القدرة على التأثير في القرار قبل أن يتشكل فالإعلان لم يعد مجرد رسالة تُعرض عليك، بل أصبح نتيجة تحليل دقيق لسلوكك ولحظتك النفسية وسياقك الزمني والأمر يتجاوز التجارة ففي تيك توك TikTok، على سبيل المثال، لا تعتمد التجربة على من تتابع بل على كيف تتفاعل وخوارزمية «For You» تراقب مدة المشاهدة وتوقفك عند مشهد معين حتى إعادة الفيديو والنتيجة أن المستخدم العادي قد يقضي أكثر من 90 دقيقة يوميًا على المنصة وفق بيانات ByteDance بايت دانس المالكة لمنصة تيك توك وهنا لا يتم فقط اقتراح محتوى بل يتم تشكيل إيقاع انتباهك ذاته. والسؤال المهم هنا ليس كيف تعمل هذه الأنظمة؟ بل ماذا تفعل بنا؟ وقد تحدث الاقتصادي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد ريتشارد ثالر Richard Thaler في الاقتصاد السلوكي عن مفهوم «الهندسة الاختيارية» (Choice Architecture) قائلا: «يمكن لتصميم البيئة أن يوجه قرارات الأفراد دون إكراه مباشر وما نراه اليوم هو نسخة رقمية متقدمة من هذا المفهوم والفرق أن البيئة لم تعد متجرًا أو قائمة خيارات بل نظامًا حيًا يتعلم ويتكيف في الزمن الحقيقي» وهنا تظهر المفارقة الكبيرة وهي أنه كلما زادت دقة النظام في فهمك، زادت احتمالية أن تصبح قراراتك متوقعة وكلما أصبحت متوقعة قلت الحاجة إلى «إقناعك» بالمعنى التقليدي ويكفي أن يتم وضع الخيار الصحيح أمامك في اللحظة المناسبة لتختاره معتقدا أنك حر تماما.

إذا ما نظرنا إلى قطاع الأخبار فمنصات مثل فيس بوك Facebook وإكس «X» باتت لا تعرض لك العالم بل نسخة عنه وهذه النسخة تُبنى بناءً على تفاعلاتك السابقة ما يؤدي إلى ما يُعرف بـ «فقاعة التصفية» (Filter Bubble) وهو مصطلح صاغه Eli Pariser (الكاتب والناشط الرقمي الأمريكي) وخلص إلى نتيجة أن المستخدم لا يختار فقط ما يقرأ بل يُعاد تشكيل ما يمكنه أن يراه أساسًا. ووفق دراسة لـ Pew Research Center، فإن أكثر من 60 في المائة من المستخدمين في الولايات المتحدة يحصلون على أخبارهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهذا يعني أن الخوارزميات لا تؤثر فقط على ماذا نشتري أو نشاهد بل في كيف نفهم العالم. واليوم ومع صعود نماذج اللغة الكبيرة (LLMs)، مثل ChatGPT، ندخل مرحلة جديدة فلم تعد الأنظمة تكتفي بعرض الخيارات بل أصبحت قادرة على صياغتها لغويًا وتفسيرها وحتى تبريرها وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من «مرشد صامت» إلى مُحاور فعّال يشارك في تشكيل التفكير ذاته.

تُجمع اليوم البيانات بصمت وحتى باتت تبنى بوتيرة صناعية أكثر لتغذي روبوتات المحادثة أو نماذج اللغة الكبيرة والخوارزميات تعمل في الظل لكن القرارات تُتخذ من قبلك والفرق اليوم بين شخص يقود تجربته وشخص يُقاد بها ليس في الذكاء بل في الوعي وهنا الوعي يصبح ضرورة اقتصادية وليس رفاهية فكرية ومهم أن تفهم كيف يُصنع قرارك وهو أول قرار حقيقي تتخذه حين تدرك أن ما تراه ليس عشوائيًا وأن ما يُعرض لك هو نتيجة نماذج احتمالية لتبدأ في استعادة مساحة من السيطرة.

والقضية اليوم ليست في أن تعرفك الشركات بل ألا تكون آخر من يعرف كيف يتم ذلك ومن حقنا ألا نكون سلعة وأن نطالب بعالم تُفهم فيه الآلة دون أن تتحكم وتُستخدم فيه البيانات دون أن تُستغل وتُبنى فيه التجربة دون أن تُخدع.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...