Friday, May 08, 2026

All the News That's Fit to Print

د. إبراهيم الشمسان أبو أوس

سأل أستاذنا أ.د. عبدالعزيز بن ناصر المانع عن اللام في (إنْ هذان لساحران) ألا تكون لام القسم؟ فأجبته جوابًا مجلسيًّا بأني لا أعرف أحدًا ذهب إلى ذلك.

أصل مثل هذا التركيب جملة مؤلفة من مبتدأ وخبر (هذان ساحران)، ومن شأن هذه الجملة أن تؤكد باللام (لَهَذان ساحران)، وربما أريد مزيدًا من التأكيد بإدخال (إنَّ)، ولذا تنقل اللام إلى الخبر تجنبًا لتوالي الحرفين المؤكدين، وتسمى حينئذ (اللام المزحلقة)، (إنَّ هذان لساحران)، وبهذا قرأ عامة القراء في الأمصار بتشديد (إنَّ) وفتحها وبرفع (هذان)(1)، وكانت القاعدة النحوية تقتضي نصب (هذان): (إنَّ هذين لساحران)، وبهذا قرأ أبوعمرو بن العلاء وعيسى بن عمر(2) مخالفين بذلك عن رسم المصحف.

ومن أحوال (إنَّ) أنها تخفف فيبطل عملها، قال المبرد «والأقيس الرّفْع فِيمَا بعْدهَا لِأَنَّ (إِنَّ) إِنَّمَا أشبهت الْفِعْل بِاللَّفْظِ لَا بِالْمَعْنَى، فَإِذا نقص اللَّفْظ ذهب الشّبَه»(3). (إنْ هذان لساحران)، وبهذا قرأ الخليل، قال المبرد « كَانَ الْخَلِيل يقْرَأ {‌إِن ‌هَذَانِ ‌لساحران} فَيُؤَدِّي خطّ الْمُصحف وَمعنى إنَّ الثَّقِيلَة»(4). وهي رواية حفص عن عاصم، وهي قراءة ابن كثير(5).

ولو أن النحويين انطلقوا من هذا التسلسل المذكور ما كان بينهم الخلاف في بيان (إن) مخففة واللام في خبرها، فهذا الأخفش يبين الغرض من اللام سوى ما كان من التأكيد، قال «وقال {‌إِنْ ‌هَذَانِ ‌لَسَاحِرَانِ} خفيفة في معنى ثقيلة. وهي لغة لقوم يرفعون ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى (ما)»(6).

ومن هنا جاءت اللام الفارقة، قال الزجاجي «فإذا خففت (إنَّ) فقلت: إنْ زيدٌ لقائمٌ، لزمتها اللام... لتفصل بينها وبين التي تكون نافية بمعنى (ما)»(7). أي إذا قلت: إنْ زيدٌ قائمٌ. وقال ابن أبي شامة «واللام في الخبر هي الفارقة بين المخففة من الثقيلة وبين النافية؛ هذه عبارة البصريين في كل ما جاء من هذا القبيل نحو: {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} 3، {وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}»(8).

ولنا أن نقول إنّ (إنَّ) لا تخفف حتى تكون في خبرها اللام. وهذه اللام هي الابتدائية المؤكدة المزحلقة إلى الخبر.

وذهب بعض النحويين إلى تعميم استعمال (إنْ) المخففة فعدّها للجحد (النفي) دخلت اللام معها أم تجردت، وأما اللام فعدّت بمعنى (إلّا)، قال ابن يعيش «وقال الكوفيون: (إنْ) ههنا بمعنى النفي، ‌واللامُ بمعنى (إلَّا)، والتقديرُ: ما هذان إلَّا ساحران»(9).

إذن لهذه اللام عندهم إعرابان إعراب بصري وهو الابتدائية، وإعراب كوفي وهو معنى (إلا). وشتان بين الإعرابين فالبصري مبني على جملة مثبتة مؤكدة والكوفي مبني على جملة منفية. وعلة ذلك كله الانطلاق من البنية الظاهرة (إنْ هذان لساحران) من غير مراجعة لأصل التركيب الذي وصفته.

ومن النحويين المتأخرين من يفرق بين الابتدائية والفارقة فلا يرى الابتدائية أصلًا للفارقة، لأن الابتدائية لا تدخل على الخبر، قال ابن خالويه «والحجة لمن خفف النون: أنه جعلها خفيفة من الشديدة فأزال عملها، وردّ ما كان بعدها منصوبًا إلى أصله [الرفع]، وهو المبتدأ وخبره، فلم يغيّر اللفظ ولا لحن في موافقة الخطّ. فإن قيل: إن اللام لا تدخل على خبر المبتدأ، لا يقال: زيد لقائم. فقل: من العرب من يفعل ذلك تأكيدًا للخبر. وأنشد شاهدًا لذلك:

خالي لأنت ومَن جرير خاله … ينلِ العلاء ويكرمِ الأخوالا»(10).

وليس في البيت شاهد في نظري فأراه على التأخير والتقديم؛ فأصله: لأنت خالي، فاللام داخلة على المبتدأ.

قال المرادي «واختلف في هذه اللام الفارقة. فذهب قوم إلى أنها قسم برأسه، غير لام الابتداء. منهم الفارسي. وذهب قوم إلى أنها هي لام الابتداء، الداخلة على خبر إنْ، لزمت للفرق. وهو مذهب سيبويه، واختاره ابن مالك»(11). قال أبوحيان «وقال (س) في باب عِدّه ما يكون عليه الكلم: و(إنَّ) توكيد لقوله: زيدٌ منطلقٌ، فإذا خفّفت فهي كذلك تؤكد ما تكلم به، وتثبت الكلام، غير أنَّ لام التوكيد تلزمها عوضًا مما حذف منها، انتهى كلامه. ولام التوكيد عنده عبارة عن لام الابتداء. وقال الأخفش في كتاب (المسائل الكبير) نصًا: إنَّ اللام الواقعة بعد المخففة هي الواقعة بعد المشددة. واستدل ابن الأخضر: بأنَّ لام الابتداء في الأصل لا تدخل إلا على المبتدأ، فلما أن صَحِبَت (إنَّ) جاز فيها ما لم يَجز مع الابتداء المحض من دخولها على الخبر وعلى الفضلة المتوسطة وعلى الاسم مؤخرًا»(12).

وبين أبوحيان أن اللام قد تكون ابتدائية فارقة وقد تكون فارقة فقط، قال «وأيضًا فإنَّها تدخل على ما ليس مبتدأ ولا خبرًا في الأصل ولا راجعًا إلى الخبر؛ ألا ترى أنَّها قد دخلت على الفاعل في (إنْ يَشينُك لَنَفسُك)، وعلى المف عول في قوله: (إنْ قَتَلتَ لَمُسلِمًا). ولام (إنَّ) لا تدخل على شيء من ذلك. فإذا لم تكن لامَ الابتداء، ولا هي لام القسم؛ لأنَها لا تدخل على الاسم إلا إن كان مبتدأ، نحو: لَزيدٌ قائمٌ، فلم يبق إلا أن تكون لامًا اجتُلبت للفرق»(13). وقال «ونحو ما روي الكوفيون من قول العرب: إن قنعت كاتبك لسوطًا، وإن يزينك لنفسك، وإن يشينك لهيه، وقرأ ابن مسعود: {إنْ لَبِثْتُمْ لَقَليلًا} [52: الإسراء]، أدخل اللام على مفعول (قتلت)، ومفعول (قنعت)، وفاعل (يزين) وفاعل (يشين)، وعلى {لَقَليلًا} معمول {لَبِثْتُمْ} وليست من نواسخ الابتداء»(14). وأرى في كل هذه المثل رأي الكوفيين وهو أنَّ (إنْ) الساكنة نافية واللام بمعنى (إلا)، ما قتلت إلا مسلمًا، وما قنعت كاتبك إلّا سوطًا، وما يزينك إلا نفسك، وما يشينك إلا هي، وما لبثتم إلا قليلًا. وهذا خاص بإنْ؛ فلا عبرة باحتجاج ابن مالك في قوله «وأما قولهم: إنّ اللام بمعنى (إلّا) فدعوى لا دليل عليها، ولو كانت بمعنى (إلّا) لكان استعمالها بعد غير (إنْ) من حروف النفي أولى، لأنها أنص على النفي من (إنْ)، فكان يقال: لم يقم لزيد، ولن يقعد لعمرو، بمعنى لم يقم إلا زيد، ولن يقعد إلا عمرو، وفي عدم ذلك دليل على أن اللام لم يقصد بها إيجاب، وإنما قصد بها التوكيد، كما قصد مع التشديد»(15). ويظهر تكلفه في التأويل في قوله «لأن من قال: إنْ قتلت لمسلمًا، بمنزلة من قال: إن قتيلك لمسلم»(16).

وأعود إلى سؤال أستاذنا في رأس المسألة فلعل ثمة من خطر في باله كونها للقسم؛ إذ بيّن لنا الزجاجي علة عدّ بعضهم الابتدائية للقسم، قال «وهذه اللام لشدة توكيدها وتحقيقها ما تدخل عليه يقدر بعض الناس قبلها قَسمًا، فيقول هي لام القسم،كأن تقدير قوله (لزيد قائم) والله لزيد قائم، فأضمر القسم، ودلت عليه اللام، وغير منكر أن يكون مثل هذا قسمًا؛ لأن هذه اللام مفتوحة كما أن لام القسم مفتوحة؛ ولأنها تدخل على الجمل كما تدخل لام القسم؛ ولأنها مؤكدة محققة كتحقيق لام القسم»(17).

ثم يبين الفصل بينهما، قال «ولكن بالمعنى يُستدل على القصد ألا ترى أن من قال: لزيد قائم محققًا لخبره لم يُقل له: (حنثت) إن كان زيد غير قائم؛ ولكن إذا وقع بعدها المستقبل ومعه النون الثقيلة أو الخفيفة فهي لام القسم ذكر القسم قبلها أو لم يذكر، كقولك: لأخرجن ولتنطلقن يا زيد وكقوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} [186: آل عمران]؛ وكقوله تعالى: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ* ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ* ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [6-8: التكاثر]؛ اللام في هذا كله للقسم، وليس قبله قسم ظاهر إلا في النية، وإنما حكمنا عليها بذلك لأن القسم لو ظهر لم يجز أن يقع الفعل المستقبل محققًا إلا باللام والنون»(18).

إذن اللام في (إنْ هذان لساحران) ليست للقسم؛ لأنها ليست متلوة بفعل مؤكد بالنون.

**__**__**__**__**__**

(1) تفسير الطبري، ط التربية والتراث، 18/ 328. وانظر كلامي في إعراب (إنَّ هذان لساحران)، مسائل نحوية (2015م)، ص 83 .

(2) معاني القرآن وإعرابه للزجاج، 3/ 361 .

(3) المقتضب للمبرد، 2/ 364 .

(4) المقتضب للمبرد، 2/ 364 .

(5) السبعة في القراءات لابن مجاهد، ص419 .

(6) معاني القرآن للأخفش، 2/ 443 .

(7) اللامات لأبي القاسم الزجاجي، ص: 157 .

(8) إبراز المعاني من حرز الأماني لابن أبي شامة، ص: 590 .

(9) شرح المفصل لابن يعيش، 2/ 357.

(10) الحجة في القراءات السبع لابن خالويه، ص243 .

(11) الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي، ص: 134 .

(12) التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل لأبي حيان الأندلسي، 5/ 138 .

(13) التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل لأبي حيان الأندلسي، 5/ 136 .

(14) التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل لأبي حيان الأندلسي، 5/ 141-142 .

(15) شرح التسهيل لابن مالك، 2/ 35.

(16) شرح التسهيل لابن مالك، 2/ 36.

(17) اللامات لأبي القاسم الزجاجي، ص: 78-79 .

(18) اللامات لأبي القاسم الزجاجي، ص: 79 .

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...