Wednesday, July 01, 2026

All the News That's Fit to Print

د. تنيضب الفايدي

بكى كثيرٌ من الصحابة والتابعين بكاءً شديداً وقت إزالة هذه الحجرات الشريفة وهذه المآثر، وذلك لتوسعة المسجد النبوي الشريف في زمن الوليد بن عبدالملك -رحمهما الله- حتى قال سعيد بن المسيب -رحمه الله-: «والله، لوددتُ أنهم تركوها على حالها، ينشأ ناشئٌ من المدينة، ويقدم قادم من الآفاق، فيرى ما اكتفى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياته، ويكون ذلك مما يزهدُ الناس في التكاثر والتفاخر بها». أليس الأجدر بنا أن نعلّم أبناءَنا وبناتِنا وأنفسَنا بهذه الحجرات وما حوت؟ بلى إنها جزء مهم من سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، يعطينا لمحة تربوية فكرية؛ كيف عاش النبي -صلى الله عليه وسلم- حياة عادية، مع إمكانية العيش بالرفاهية، فو الله بمجرد إشارة واحدة كان الصحابة -رضي الله عنهم- على استعداد تام أن يبنوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليس قصراً واحداً، بل قصوراً عدة ولكن أنى له ذلك والله تعالى يقول: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)، سورة طه الآية (131)، ولو شاء -صلى الله عليه وسلم- لجعلت له بطحاء مكة ذهباً، لكنه أبى:

وبطحا مكةٍ ذهباً أباها

يبيدُ الملكُ واللذاتُ تفنى

كما أن دراسة حجرات النبي - صلى الله عليه وسلم - تعلمنا مدى قناعة أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن - جميعاً بالقليل من الدنيا ومدى صبرهن على ذلك ابتغاءً لمرضاة الله سبحانه وتعالى. وقد بين القرآن الكريم أهمية حجرات (أو بيوت) النبي - صلى الله عليه وسلم - وتنزلت سورة كاملة سُميت سورة الحجرات، حيث رسمت معالم المجتمع المثالي للمسلمين واحتوت الآداب والإرشادات والتوجيهات والضوابط التي تجعل البيت المسلم مثالياً طاهراً.

الحجرة معناها: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، والمراد هنا بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - التي كان يسكن فيها مع زوجاته أمهات المؤمنين. قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)، سورة الحجرات الآية (4). وقد أضيفت هذه الحجرات إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إضافة تشريف وتكريم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ)، (53) سورة الأحزاب، وفي موضع آخر أضيفت إلى زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ). وقال تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ).

بناء الحجرات

بعدما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة نزل على كلثوم بن الهدم في قباء، وأسس المسجد الذي هو على التقوى من أول يوم وصلى فيه، ثم خرج من قباء إلى المدينة النبوية، فاستقبله أهلها فرحين مسرورين بمقدمه الميمون، وكان - صلى الله عليه وسلم - راكباً راحلته، فسار يمشي مع الناس، كلهم يتنافسون في أخذ خطام الناقة والرسول يقول لهم: «دعوها، فإنها مأمورة»، حتى بركت الناقة عند مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بالمدينة، وكان محل المسجد مربداً للتمر لسهيل وسهل فاشتراه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبنى عليه مسجداً، قال - صلى الله عليه وسلم -: (ابنوا لي عريشاً كعريش موسى، ثماماتٍ وخشباتٍ، وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك»، فقالوا له: ما ظلة موسى؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «كان إذا قام فيه أصاب رأسه السقف». ولم يقبل التطاول في البنيان ولا المباهاة به.

موقع الحجرات الشريفة

بيّن المؤرخون موقع خمسٍ من حجرات أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي حجرات أمهات المؤمنين: حفصة وعائشة وسودة وزينب بنت خزيمة وأم سلمة - رضي الله عنهن -، وقد كانت حجراتهن في الجهة الشرقية من المسجد، ويدل على ذلك ما روي عن أبي محمد إسماعيل بن محمد بن إسحاق - وهو من علماء المدينة - قال: كانت أول حجرة من حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجرة حفصة وهي موضع الخوخة تدعى خوخة عمر، ثم تليها حجرة عائشة وهي موضع القبر الشريف، وبعدها حجرة فاطمة في الصدر عند باب جبريل، وبعدها حجرة أم سلمة، وآخر الحجرات حجرة جويرية - رضي الله عنهن أجمعين -.

وفي البداية قام النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناء بيتين لزوجتيه، وكان للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقتئذ زوجتان، وهما السيدة عائشة، والسيدة سودة بنت زمعة - - رضي الله عنهما - -. فبنى لهما بيتين على غرار بناء المسجد، وعلى نعته من لبنٍ وجريد النخل، مستورين بمسوح الشعر، وكان لبيت عائشة - رضي الله عنها - مصراع واحد من عرعرٍ أو ساج، وهما نوعان من الخشب، ثم صار له بابان، فإنهم لما صلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخلوا من باب أرسالاً أرسالاً، فصلوا عليه وخرجوا من الباب الآخر.

أما بقية الحجرات الشريفة فقد اختلف المؤرخون في أنها كانت في جهة واحدة من المسجد أم في عدة جهات؟ فيرى البعض أنها كانت في الجهة الشرقية من المسجد فقط، بينما يرى الآخرون أنها كانت في الجهة الجنوبية والشرقية والشمالية، والقول الأول هو الراجح ويدل على ذلك ما يلي:

(1) روى ابن الجوزي بسنده إلى محمد بن عمر قال: سألت مالك بن أبي الرجال أين كانت منازل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فأخبرني عن أبيه عن أمه أنها كانت في الشق الأيسر إذا قمت إلى الصلاة.

(2) عن عبد الله بن يزيد الهذلي، قال: رأيت بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين هدمها عمر بن عبد العزيز - رحمهما الله - كانت من تبن ولها حجر من جريد مطرورة بالطين، عددت تسعة أبيات بحجرها وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى منزل أسماء بنت الحسين اليوم.

قال ابن النجار في تاريخه فيقول: قال أهل السير: ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجرات ما بينه وبين القبلة والشرق إلى الشامي، ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة من المسجد، مديرةً به إلا من المغرب، وكانت أبوابها شارعة في المسجد.

قال ابن النجار أيضاً: ولما تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه بنى لهن حجراً، وهي تسعة أبيات، وهي ما بين بيت عائشة - رضي الله عنها - إلى الباب الذي يلي باب النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال السمهودي: ومراده بالباب الذي يلي باب النبي - صلى الله عليه وسلم -: الباب الذي في الجهة المقابلة من المغرب، وهو المعروف الآن بباب الرحمة.

فكانت الحجرات مديرة بالمسجد إلا من جهة الغرب، وأبوابها شارعة في المسجد، إذا مدّ الإنسان يده إلى المسجد دخلت إلى الحجرات الشريفة، ويؤيد هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُصغي إليّ رأسه وهو مجاورٌ في المسجد، فأرجِّلُه، وأنا حائض. قال ابن حجر العسقلاني:» وحجرة عائشة كانت ملاصقة للمسجد». وكذا أخرجه البخاري أيضاً عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: « وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدخلُ رأسه وهو في المسجد فأرجّله، وكان لايدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً». ويوضح تلاصق باب حجرة عائشة - رضي الله عنها - بالمسجد النبوي الشريف ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيني وهو معتكفٌ في المسجد، حتى يتكئ على باب حجرتي، فأغسل رأسه وأنا في حجرتي، وسائر جسده في المسجد. وما أخرجه البخاري والنسائي وغيرهما أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: والله، لقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم على باب حجرتي، والحبشةُ يلعبون بحراب في المسجد، يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي، حتى أكونَ أنا التي أملُّ، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السنّ، الحريصة على اللهو.

ويوضح تلاصق حجرة عائشة بالمسجد النبوي الشريف هذا الخبر اللطيف، الذي أخرجه النسائي والترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالساً: فسمعنا لغطاً وصوت الصبيان، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا حبشية تزفن، والصبيان حولها، فقال: يا عائشة، تعالي فانظري فجئت فوضعتُ ذقني على منكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعلتُ أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: «أما شبعتِ». رواه الترمذي.

وكان بيت أم سلمة - رضي الله عنها - مقابلاً للمسجد، فعن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة - - رضي الله عنهما - - قالت: كان فراشها حيال مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه أبو داود.

والحجرات متلاصقة قريبة، وكان بين بيت حفصة وبين منزل عائشة طريق، وكانتا تتهاديان الكلام وهما في منزليهما من قرب ما بينهما. وكان بيت السيدة فاطمة - رضي الله عنها - في موضع الزور مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأذكر حجرات أم المؤمنين رضي الله عنهن بالاختصار:

(1) حجرة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر - - رضي الله عنهما - -: كانت حجرتها في الجهة الشرقية من الروضة الشريفة مطلة عليها، وتحدّها جنوباً حجرة حفصة وشمالاً حجرة فاطمة وشرقاً حجرة سودة - رضي الله عنهن أجمعين -. وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجرتها ودفن بها.

(2) حجرة أم المؤمنين سودة - رضي الله عنها -: كانت حجرتها مجاورة لحجرة عائشة - رضي الله عنهما -، ولعلها كانت في الجهة الشرقية من حجرة عائشة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنى هاتين الحجرتين بعد بناء المسجد في وقت واحد، وعلى هيئة واحدة، وكانت حجرة حفصة في الجهة الجنوبية من حجرة عائشة - رضي الله عنها -، وقد أوصت بحجرتها لعائشة - رضي الله عنها -.

(3) حجرة أم المؤمنين حفصة بنت عمر - رضي الله عنهما -: كان بيت حفصة - رضي الله عنها - ملاصقاً لبيت عائشة - رضي الله عنها - من جهة القبلة، وكان بين البيتين طريق ضيق قدر ما يمر الرجل منحرفاً. وبيت حفصة اليوم هو مكان وقوف الزائرين أثناء السلام على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه - رضي الله عنهما -.

(4) حجرة أم المؤمنين زينب بنت خزيمة - رضي الله عنها -: كانت مطلة على الطريق الخارج من باب جبريل من الشمال وتحدها غرباً حجرة فاطمة - رضي الله عنها -.

(5) حجرة أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله عنها -: إن أم المؤمنين أم سلمة سكنت في حجرة أم المؤمنين زينب بن خزيمة والتي توفيت من قبل، وقد ذكرت موقع حجرتها بأنها كانت في الجهة الشرقية من حجرة فاطمة - رضي الله عنها - ومطلة على الطريق الخارج من باب جبريل. وهناك دليل آخر أن حجرة أم سلمة - رضي الله عنها - كانت قريبة من المسجد والروضة الشريفة، ما روي عن يزيد بن قسيط: أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيت أم سلمة، قالت: فسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من السحر وهو يضحك، فقلت: مم تضحك يا رسول الله أضحك الله سنك؟ قال: « تيب على أبي لبابة» . قلت: أفلا أبشره يا رسول الله؟ قال: «بلى إن شئتِ» قال يزيد: فقامت على باب حجرتها - وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب - وقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يطلقني بيده. فلما مرّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه. ومعلوم أن أبا لبابة كان قد ربط نفسه بأسطوانة في الروضة يسمى أسطوانة التوبة، فهذا دليل على أن حجرة أم سلمة - رضي الله عنها - كانت قريبة من هذه الأسطوانة.

(6) حجرة أم المؤمنين زينب - رضي الله عنها -: تقع جنب حجرة فاطمة - رضي الله عنها - شمالاً وقبل حجرة جويرية - رضي الله عنها -.

(7) حجرة أم المؤمنين أم حبيبة - رضي الله عنها -: لعل حجرتها كانت في الجهة الشمالية من المسجد.

(8) أم المؤمنين جويرية - رضي الله عنها -: لعل حجرتها كانت في الجهة الشرقية من المسجد قريباً من موضع دكة الأغوات، كما أشار إلى ذلك إسماعيل بن محمد بن إسحاق بقوله إن آخر الحجرات حجرة جويرية - رضي الله عنها -.

(9) حجرة أم المؤمنين صفية - رضي الله عنها -: لم أجد في عبارات المتقدمين ما يدل على موقع حجرة أم المؤمنين صفية - رضي الله عنها - ولعلها كانت قريبة من موضع دكة الأغوات.

(10) أم المؤمنين ميمونة - رضي الله عنها -: لم أجد في عبارات المتقدمين ما يحدد موقع هذه الحجرة الشريفة، ولعلها كانت في الجهة الشرقية الشمالية من المسجد قريباً من موضع دكة الأغوات.

مساحة الحجرات الشريفة

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما أحدث زوجةً بنى لها حجرةً، وأسكنها فيها، حتى صار له تسع زوجاتٍ وتسع حجرات، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاش ولم يبن قصوراً فخمة، وإنما بنى بيوتاً متواضعة باللبن والجريد متقاربة في المساحة والارتفاع، وفيما يلي بعض ملامحها: روى البخاري عن داود بن قيس قال: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشى من خارج بمسوح الشعر وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحواً من ست أو سبع أذرع، ( أي ما يقرب من ثلاثة أمتار ونصف) وأحزر البيت الداخل عشرة أذرع (أي طوله ما يقرب من خمسة أمتار) وأظن سمكه بين الثماني والسبع. (أي عرضه ما يقرب من أربعة أمتار).

ويصف لنا عمران بن أبي أنس - رضي الله عنه - الحجرات الشريفة فيقول: كان منها أربعة أبياتٍ بلبنٍ لها حُجَرٌ من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريدٍ مطينة لا حجر لها، على أبوابها مسوح الشعر، وذرعتُ الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراعٍ. ولم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بواب على باب حجرته يمنع الناس من الدخول، بل من أراد أن يأتيه في أي وقت وجده.

أما ارتفاع هذه الحجرات فيصفها لنا الحسن البصري - رضي الله عنه - وهو الذي رُبِّي في حجر أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول: كنت أدخل بيوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا غلامٌ مراهقٌ، وأنالُ السقف بيدي، وكان لكل بيتٍ حجرة، وكانت حجره من أكسيةٍ من خشب عرعرٍ.

وأما باب هذه الحجرات فقد كان يقرع بالأظفار وكان للنبي - صلى الله عليه وسلم - خارج الحجرات تنور يستعمل للخبز وما في معناه ولكن هذا التنور لم يكن خاصاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، بل كان له شريك فيه، وفي ذلك تقص علينا إحدى الصحابيات حديثَه وهي: بنت الحارث بن النعمان، وكان أبوها من أهل بدر وأحد فتقول: ما حفظتُ «قاف» إلا من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان يخطب بها كل جمعة، قالت: وكان تنور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتنورنا واحداً. رواه أبو داود.

فهذه هي العظمة في بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعيشته، تكمن في اليسر والسهولة، والبعد عن التكلف والمشقة. قال عطاء الخراساني: أدركتُ حجرات أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت وكتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ، يأمرنا بهدم حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما رأيت يوماً أكثر باكياً من ذلك اليوم. وقال عمران بن أبي أنس لما سمع كلام عطاء: فلقد رأيتني في المسجد، وفيه نفر من أبناء أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو أمامة بن سهل، وخارجة بن زيد، وإنهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع. وقال يومئذٍ أبو أمامة: ليتها تركتْ حتى ينقص الناس من البنيان، ويروا ما رضي الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، ومفاتيح خزائن الدنيا بيده. وكانت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - راضياتٍ معه في هذه المعيشة، مسروراتٍ بها، يساعدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على طاعة ربه وعبادته.

وقد وثّق ارتباط الحجرات بمآثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيدنا حسان بن ثابت - رضي الله عنه - حيث أظهر أهميتها وأهمية ما يحيط بتلك الحجرات فقال:

بطيبةَ رسمٌ للرسولِ ومعهدُ

منيرٌ، وقد تعفو الرسومُ وتهمدُ

ولا تنمحي الآياتُ من دارِ حرمةٍ

بها مِنْبَرُ الهادي الذي كانَ يَصْعَدُ

ووَاضِحُ آياتٍ وَبَاقي مَعَالِمٍ

وربعٌ لهُ فيهِ مصلىً ومسجدُ

بها حُجراتٌ كانَ ينزلُ وسطها

مِنَ الله نورٌ يُسْتَضَاءُ وَيُوقَدُ

ظللتُ بها أبكي الرسولَ فأسعدتْ

عُيون وَمِثْلاها مِنَ الجَفنِ تُسعدُ

فَبُورِكتَ، يا قبرَ الرّسولِ وبورِكتْ

بِلاَدٌ ثَوَى فيهَا الرّشِيدُ المُسَدَّدُ

هكذا عاش سيد المرسلين في هذه البيوت المتواضعة، ولم يهتم بزخارف الحياة الدنيا ومتاعها القليل الزائل، رغبة فيما عند الله من النعيم المقيم، وليس ذلك لعجزه عن أسباب الرفاهية وإنما هو اختيار وإيثار للآخرة على الأولى، ودرس للأمة بأن مظاهر الدنيا ليست مقياساً للفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، فعن عبداللَّه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الرَّاكِبِ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». رواه ابن أبي شيبة.

وهذه هي حجرات أمهات المؤمنين الطاهرات المطهرات المجاهدات الكريمات - رضي الله عنهن جميعاً -، هذه الحجرات وما تنزل فيها من الوحي وما انطلق منها من الهدى والنور حيث تستضيء الأجيال ويسلم كل جيل هذا القبس إلى الجيل الذي يليه، إضافة إلى ما حفظته من تاريخ مشرف ومشرق من سيرته العطرة - صلى الله عليه وسلم - التي تمثل الكمال؛ لأنه القدوة والأسوة وما حوته أطهر تربة في هذه الحجرات حيث قبره الشريف - صلى الله عليه وسلم - كلها معالم يعجز البيان عن إظهار قدرها ويحار الفكر أمام أعلى وأغلى مكان في الوجود.

المراجع

المناسك للحربي، سير أعلام النبلاء للذهبي، تاريخ المدينة لابن النجار، السيرة النبوية لابن هشام، وفاء الوفا للسمهودي، السيرة الحلبية للحلبي، الهجرة في القرآن الكريم لـ: أحزمي سامعون، الحجرات الشريفة سيرة وتاريخاً تأليف: صفوان عدنان داوودي، تاريخ طيبة في خير القرون للدكتور/ تنيضب الفايدي، الرحيق المختوم للمباركفوري، البيوت في القرآن الكريم تأليف: سعدون جمعة حمادي الحلبوسي، ثقافة الأديب للدكتور/ تنيضب الفايدي.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...