Tuesday, April 21, 2026

All the News That's Fit to Print

جانبي فروقة

تقبع خلف وفرة الغذاء في العالم حقائق خطيرة تماما فملايين البشر يفتحون أعينهم كل صباح دون أن يعرفوا من أين ستأتي وجبتهم التالية و هذه ليست مفارقة عابرة بل هي جوهر الأزمة التي يكشفها تقرير «مؤشر مرونة الأنظمة الغذائية العالمي» الصادر عن Economist Impact والذي يضع النظام الغذائي العالمي تحت مجهر دقيق ليخرج بنتيجة صادمة وهي أننا نعيش في نظامٍ قويٍّ في مظهره هشٍّ في بنيته و الأرقام خير دليل حيث تكشف أحدث بيانات للأمم المتحدة عن حجم الفجوة بين الوفرة والعدالة.

فبحسب تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2025 (SOFI 2025) الصادر عن منظمة الفاو وأربع وكالات أممية عانى نحو 673 مليون شخص من الجوع خلال عام 2024، أي ما يعادل 8.2% من سكان العالم و بانخفاض طفيف عن نسبة 8.5% في عام 2023 ورغم أن هذا الرقم يحمل بصيص أمل إلا أنه لا يزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل جائحة كوفيد- 19 فيما يُتوقع أن يظل 512 مليون شخص يعانون من نقص التغذية المزمن بحلول عام 2030، ويعيش 60% منهم تقريباً في القارة الأفريقية.

والأخطر من ذلك أن التقدم لم يكن متساوياً ففي حين تحسّنت الأوضاع في آسيا وأمريكا اللاتينية يواجه أكثر من 307 ملايين أفريقي أي ما يزيد على 20% من سكان القارة شبح الجوع بينما يعاني 12.7% من سكان غرب آسيا، أو ما يقارب 39 مليون إنسان من انعدام الأمن الغذائي.

أما المؤشر الأكثر إيلاماً فهو أن نحو 2.3 مليار شخص حول العالم يعانون من انعدام أمن غذائي متوسط أو حاد وهو رقم يزيد بـ335 مليون شخص عن مستويات عام 2019. ولعل أقسى ما في هذه المأساة أن أكثر من 190 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية، ما يحرمهم من فرصة النمو السليم جسدياً وذهنياً. الواضح أن هناك وفرة بلا عدالة و أسعار لا ترحم و السؤال الذي يطرحه التقرير الأممي بقوة هو إذا كان العالم ينتج ما يكفي لإطعام الجميع، فلماذا يجوع هذا العدد الهائل؟ والإجابة تكمن في كلمة واحدة وهي التضخم، فقد تجاوز التضخم في أسعار الغذاء عالمياً معدل التضخم العام بشكل مستمر منذ عام 2020 ووصل إلى ذروته في يناير 2023 عند 13.6% فيما قفز في الدول منخفضة الدخل إلى مستوى صادم بلغ 30% في مايو من العام نفسه و هذه الأرقام تترجم نفسها على موائد الفقراء بشكل قاسٍ فبحسب تقرير إيكونومست امباكت Economist Impact، تستهلك تكلفة النظام الغذائي الصحي في أكثر من 62% من دول العالم ما يقارب ثلثي دخل الأسر الفقيرة.

والنتيجة هي أن 2.6 مليار شخص حول العالم لا يستطيعون تحمّل تكلفة وجبة صحية بالحد الأدنى، إنها معادلة قاسية فالغذاء موجود لكنه ليس في متناول اليد. والمفارقة الأكبر أنه في الوقت الذي يكافح فيه مئات الملايين من أجل وجبة واحدة يغرق العالم المتقدم وأجزاء واسعة من العالم النامي في أزمةٍ معاكسة لا تقل خطورة وهي التخمة المُمرضة فبحسب منظمة الصحة العالمية يعاني 43% من بالغي العالم من زيادة الوزن ويعيش أكثر من مليار إنسان اليوم مع السمنة فيما يُتوقع أن يقفز هذا الرقم إلى 1.13 مليار بحلول عام 2030 والأخطر أن السمنة باتت تحصد نحو 1.6 مليون روح سنوياً، وهو رقمٌ يفوق وفيات حوادث الطرق مجتمعة والسبب لا يكمن في الغذاء ذاته بل في نمط الاستهلاك الذي رسمته العولمة حيث قدمت أطعمة فائقة المعالجة تُشكّل 60% من السعرات اليومية في الدول الغنية وفاتورة صحية وبيئية تتجاوز6 تريليونات دولار سنوياً بحسب منظمة الفاو وهكذا يكشف عالمنا الغذائي عن مفارقته الكبرى فهناك ثلاثة عوالم على طاولة واحدة عالمٌ يجوع وعالمٌ لا يجد الغذاء الصحي وعالمٌ يدفع ثمن التخمة بحياته. ثلاث مآسٍ مختلفة ونظامٌ غذائيٌّ واحدٌ مختلّ.

إن النظام العالمي معلق بخيوط رفيعة وما يجعل المشهد أكثر هشاشة هو أن النظام الغذائي العالمي يقوم على معادلة خطيرة حيث أن 15 دولة فقط في العالم تنتج نحو 70% من الغذاء العالمي ومجموعة محدودة منها تسيطر على أكثر من 60% من الصادرات الغذائية هذا يعني أن أي اضطراب كالحرب في أوكرانيا أو جفاف في القرن الأفريقي، أو انهيارٌ في سلاسل التوريد كأزمة مضيق هرمز يتحول فوراً إلى موجة صدمة عالمية، ويصف كبير الاقتصاديين في منظمة الفاو ماكسيمو توريرو، الأزمة بأنها نتاج «عاصفة كاملة»: سياسات نقدية ومالية توسعية خلال جائحة كوفيد، تليها قيود تجارية فرضتها الحرب في أوكرانيا فصدمات مناخية متتالية، أصابت الدول منخفضة ومتوسطة الدخل بشكل أعنف من غيرها وإذا كانت الحروب تصنع العناوين فإن المناخ (العدو الصامت ) يصنع المأساة بصمت وقد وضع تقرير Economist Impact الاستجابة لمخاطر المناخ في أسفل قائمة المؤشرات بمتوسط عالمي لا يتجاوز 56.4 نقطة فقط فأنظمة الإنذار المبكر ضعيفة والتنسيق بين السياسات المناخية شبه غائب والأهداف القابلة للقياس نادرة والنتيجة أن العالم لا يزال يتعامل مع الكوارث المناخية بمنطق «رد الفعل» بدلاً من «الوقاية « و المفارقة الأكبر (عنق الزجاجة) أن جزءاً كبيراً من الأزمة لا يحدث في الحقول بل بعدها فبينما استثمرت معظم الدول في التخزين الزراعي تظل البنية التحتية للنقل ضعيفة وسلاسل التبريد أكثر ضعفاً إذ لا يتجاوز مؤشرها 42.7 نقطة عالمياً وتقدّر منظمة الفاو أن نحو ثلث الغذاء المنتج عالمياً يُهدر سنوياً أي ما يعادل 1.3 مليار طن.

لكن في قلب الظلام تشتعل شموع الابتكار حيث تولد الحلول من رحم الأزمة ففي نيجيريا على سبيل المثال أطلقت رائدة الأعمال نينا أكوّو أوي مشروع ColdHubs وهو شبكة من غرف التبريد التي تعمل بالطاقة الشمسية في الأسواق الريفية و النتيجة كانت مذهلة فقد تم خفض الفاقد الغذائي إلى النصف وارتفع دخل المزارعين بنسبة 50%.

وفي كينيا تستخدم شركة Twiga Foods منصة رقمية تربط صغار المزارعين مباشرةً بتجار التجزئة في المدن ما قلّص الوسطاء وخفّض الأسعار للمستهلك بنسبة 30% أما في الهند، فقد ساهمت برامج التحويلات النقدية المشروطة ووجبات المدارس في إخراج ملايين الأسر من دائرة الجوع وهي تجربة يصفها توريرو بأنها من أنجح النماذج التي تستحق التعميم إلى جانب التجربة الناجحة في أمريكا الجنوبية القائمة على برامج الحماية الاجتماعية والتغذية المدرسية. وعلى صعيد التكنولوجيا، تتسارع الزراعة الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد حيث تستخدم مزارع في الخليج العربي والمغرب أنظمة ري دقيقة وإنشاء مزارع عامودية قلّصت استهلاك المياه بنسبة 40% مع زيادة الإنتاجية.

الرسالة التي يحملها المشهد الغذائي للعالم واضحة حيث لم يعد التحدي هو إنتاج المزيد بل بناء أنظمة قادرة على الصمود كما يقول رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ألفارو لاريو «في زمن ارتفاع الأسعار وتمزق سلاسل التوريد العالمية علينا تعزيز استثماراتنا في التحول الريفي والزراعي فهي ليست ضرورية للأمن الغذائي فحسب، بل للاستقرار العالمي ذاته.

في القرن الحادي والعشرين لن يكون الأمن الغذائي معركة حقولٍ ومحاريث بل معركة سياساتٍ ذكية وبنى تحتيةٍ مرنة وأنماط استهلاكٍ رشيدة تُعيد الاعتبار للقيمة الغذائية على حساب السعر والوفرة المُفرطة فكما أن إنتاج الغذاء مسؤولية فإن استهلاكه مسؤوليةٌ موازية إذ لا يمكن لعالمٍ يُهدر ثلث طعامه ويغرق في التخمة أن يَعِد الجائعين بمستقبلٍ عادل. والمطلوب إرادةٌ سياسية تضع الإنسان لا السعر ولا الربح في قلب المعادلة إرادةٌ تُشجّع الغذاء الصحي بالضرائب والحوافز وتُقلّص بصمة الأطعمة فائقة المعالجة وتُعلّم الأجيال الجديدة أن الوفرة ليست رديفاً للصحة وأن الاعتدال فضيلةٌ اقتصادية قبل أن يكون فضيلةً أخلاقية.

فالدول التي ستنجو ليست الأكثر إنتاجاً بل الأكثر قدرةً على التكيّف تلك التي توازن بين ما تزرعه وما تستهلكه وبين ما تُنتجه وما تُهدره أما تلك التي ستتجاهل الإنذارات، فستكتشف متأخرةً أن الجوع لا يطرق الأبواب بل يكسرها وأن التخمة لا تُداهم الموائد بل تُفرغها من معناها.

** **

- كاتب أمريكي

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...