Wednesday, July 22, 2026

All the News That's Fit to Print

رمضان جريدي العنزي

ليست دكَّةُ سعود إلا مقعدًا صغيرًا من حجرٍ عتيق، ولكنها في عين القلب قصرٌ من السكينة، أقامها على حافة الطريق الصغير، تستظلُّ بشجرةٍ وارفةٍ أستطالت أغصانها ولم يهرم اخضرارها، تمدُّ ظلالها على الدكة كما تمدُّ الأمُّ عباءتها على صغيرها، فإذا جلست فيها انفتحت أمامك التلال والهضاب والبيوت المتناثرة هنا وهناك، تتدرج في الأفق حتى تذوب في زرقة السماء، هناك يأتيك النسيم العليل من كل اتجاه، لا يستأذن في الدخول، بل يطوف بك كما تطوف الذكريات بالروح، يحمل عبق التراب بعد المطر، وهمس الأعشاب، وحكايات الأمكنة التي لم تفسدها صخب المدن، وعلى أطراف الدكة تتناثر حصياتٌ صغيرة، صامتةٌ في ظاهرها، لكنها تعرف أقدام العابرين، وتحفظ أسرار الجالسين، وكأن كل حصاةٍ منها صفحةٌ من ذاكرة المكان، لا يقرأها إلا من أحبَّ العزلة، وأدرك أن للأمكنة أرواحًا كما للناس أرواح، هناك، لا تسمع ضجيج العالم، بل تسمع نفسك، وتدرك أن السعادة ليست فيما نملك، وإنما في موضعٍ صغيرٍ يهب القلب طمأنينته، ويعيد إلى الروح صفاءها، فبعض البقاع لا تُقاس بمساحتها، وإنما بما تزرعه في النفس من سلام، وما تتركه في الذاكرة من أثرٍ لا تمحوه السنون، وهكذا هي دكَّةُ سعود، تحت ظل الشجرة العتيقة، تطل على التلال والهضاب، كأنها تقول لكل من جلس بها: إن أجمل المجالس تلك التي يجلس فيها الإنسان مع الطبيعة، فيسمع حديث النسيم، ويرى في صمت الحصى من الحكمة ما لا تقوله الكتب.

وإذا أطلت المقام على دكَّة سعود، أدركت أن للمكان لغةً لا تُدركها الأسماع، وإنما تُصغي إليها القلوب، هناك يصبح الصمتُ حديثًا، والنسيمُ رسالةً، وظلُّ الشجرة كتابًا مفتوحًا، تتصفح صفحاته دون أن تقلِّب ورقةً واحدة، وحين ينساب الهواء من بين التلال والهضاب، يمرُّ على الأغصان أولًا، ثم يهبط في رفقٍ إلى الدكة، كأنه يحمل سلامًا عذباَ، عندها تشعر أن أنفاسك أصبحت أهدأ، وأن همومك أخذت تتساقط عن روحك كما تتساقط الأوراق اليابسة في آخر الخريف، وللحصى المحيط بالدكة حكايةٌ أخرى؛ فهو ليس حجارةً متناثرةً كما يظنه العابر، بل لوحة فنية مغايرة، مع شروقٍ جديد، ترسم الشمس على الأرض لوحاتٍ من الضوء والظل، فتغدو الشجرةُ عموداَ من خضرة، وتغدو الدكةُ مكاناَ يتأمل فيه المتأملون جمال الطبيعة، فلا يملكون إلا أن يسبحوا الخالق الذي أودع في بساطة الأشياء كل هذا الجلال، وإذا مالت الشمس إلى الغروب، واحمرَّ الأفق كأنه يودِّع النهار بحياء، اكتست التلال مهابةً لا تُوصف، وأخذت الريح تعزف لحنها الأخير بين الأغصان، هناك يوقن المرء أن الجمال لا يصرخ، بل يهمس، وأن أعظم النعم هي تلك التي تأتي في ثوب البساطة، ولعل أعجب ما في دكَّة سعود أنها لا تمنح الذي يجلس فيها منظرًا جميلًا فحسب، بل تمنحه فرصةً نادرةً للقاء نفسه، فما أكثر ما نعيش بين الناس، وما أقل ما نجلس مع أرواحنا، أما في دكة سعود، فإنك تكتشف أن الإنسان إذا صافح الطبيعة بصدق، صافح السكينة، وإذا أنصت إلى النسيم، سمع ما كانت تخفيه ضوضاء الحياة، وهكذا تبقى الدكة، في ظل الشجرة العتيقة، تشرف على التلال والهضاب، لا تتغير إلا كما يتغير وجه الحكيم اللبيب، تزيده السنون وقارًا، ويزيده الزمن جمالًا، وستظل، دكة سعود باقية، محطة لكل روحٍ أتعبها الطريق، وصخب المدينة، وضجيج الحياة، فقد تكون السعادة في دكة صغيرة في ظل شجرة عتيقة.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...