Wednesday, April 22, 2026

All the News That's Fit to Print

د.منال بنت عبدالعزيز العيسى

يبدو لي أن رثاء النفس من أصدق وأصعب أنواع الرثاء بما فيه من مواجهة النفس مباشرة بحروف وصور تشكل خلاصة ما قيل وكتب، وهذا النوع من الرثاء لا يملكه إلا القوي النبيل، المؤمن الموحد، المتقين من حتمية الفناء بعد الحياة، والحياة الأبدية في الدار الآخرة المتناقض مع العبثية واللاوجودية والعدمية الغربية؛ لأنه ينطلق من الإيمان بالله عز وجل وبقدره وبالموت مهما كان مرا وقاسيا..

البدر كتب قصيدة لأخيه سعود بن عبدالمحسن يرثي نفسه رثاء رقيقا، مؤمنا، صادقا، معطرا بالشعور بالتفرد في الإحساس والكلمة والمعنى، يقول:

صوتي تجرح مابقى غير همسي

وعسى حروفي اليوم توفي بغرضها

العجز الجسدي المصاحب للمرض جرح صوت البدر مجازا وحقيقة، ليتمنى أن تفي حروفه بما يريد حكيه بصوت مبحوح مرضا وشعورا لأخيه سعود

كن السنين استكثرت عرسي

سبعين غيري ما حصله بعضها

يعتب على العمر بسنواته القليلة الكريمة مع غيره والبخيلة معه والتي استكثرت فرحه وعرسه

ولابدها ياسعود بتغيب شمسي

ذي سنة رب الخلائق فرضها

يبدأ اليقين بأقدار الله وبحتمية الموت كسنة ربانية مفروضة على البشر جميعا بيقين التأكيد «لابدها»

ولاعلها (ولعلها) حريتي بعد حبسي

ولا علي (ولعلي) ألقى عند ربي عوضها

التمني يعود بصورة شعرية نادرة ومميزة لم أقرأ قبلها مثلها «حريتي بعد حبسي» لمن يعتقد أن الموت حبس ونهاية وفناء وعذاب؟؟ البدر يراه الحرية لروح حبست كثيرا في دنيا الفناء ويتمنى العوض من الله سبحانه وتعالى باستخدام ياء المتكلم بكل مافيها من قرب ورجاء «ربي»

لولاي أحبك ماتذكرت نفسي

ولا انتبهت لعجزها أو مرضها

يأتي سعود الأخ،السند، مرآة البدر ليتذكر به ومعه عجزه ومرضه مما يحمله البدر لسعود من حب كبير.

وما دام أشوفك طاب حزني وأنسي

وما همني حلو الحياة ومضضها

الحزن يطيب والمرض يتراجع والحياة تختفي بأفراحها وأحزانها إذا رأى البدر سعود، أي حب أخوي جمع بينهما وجعل الحياة لا تهم البدر؟

لعل قبل سعود لحدي ورمسي

أخوي من أثرى حياتي ونهضها

التمني بأن يموت قبل سعود، سعود الذي أثرى حياة البدر ونهضها، الوفاء والدعاء بأن يسبق سعود، ما أصعبه من دعاء؟

ويامن ذكرني ما تذكرت منسي

ذكرت من عد النجوم وقضبها

تعود النفس في لحظة بكائية للاعتزاز بذاتها، فأنت ياسعود تذكرت رجل لا ينسى، رجل وصل بشعره وهويته كمن يعد النجوم ويمسكها بيده.

أنا الذي لوتلمس الريح خمسي

كان السحاب أرخى العباة ونفضها

أنا / الذات الفردية بضمير المتكلم وبصورة شعرية تضاهي بيت المتنبي:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي من به صمم

البدر لو لمست الريح حواسه الخمس تنتفض السحب وترمي عباءة مطرها احتفاء به، وهو من عد النجوم ومسكها بيده، في حين كان المتنبي يباهي بالأعمى والأصم من البشر وأنه قادر على إيصال شعره لهم يباهي البدر بمسكه للنجوم ونفضه للسحب في صورة سماوية بديعة تقابل الصورة البشرية للمتنبي

هذا الشجن حرثي والأيام غرسي

قصيدتي يبطي الزمن ما نقضها

يلخص البدر قصيده وشعره وإحساسه وذاته الحاضرة بالشحن والحزن، فكل ما كتب هو شجن الروح والأيام كانت غرسه وقصيدته لا يمكن للزمن أن ينقضها بتراكيبها وصورها وشعورها وفرادتها

ونعود للمتنبي صاحب الصور الدنيوية المادية الواقعية:

أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جراها ويختصم

البدر لا لا ينام عن نوادر شعره، بل يقدمه كحرث لغرس الأيام في صورة شجن وليس شوارد لتكتمل قصيدة لا يمكن للزمن أن ينقضها بمثيلات أو متشابهات بينما المتنبي يزهو بسهر البشر فيما يعتقد حول قصائده يتخاصمون والبدر يؤكد «يبطي» يستحيل أن ينقض الزمن بشعرائه ما كتب البدر....

أي ثراء قدمه البدر كنموذج لرثاء النفس في قصيدة واحدة؟ وأي إرث شعري شعبي سعودي يضاهي ويتقدم بصوره ومعانيه ولغته الشعر العربي القديم ؟ وأي كنوز ثقافية شعرية يضيعها الدرس الأكاديمي السعودي بتجاهل الشعر الشعبي السعودي؟؟

إنها كارثة حقيقية نبهت لها منذ زمن ومازالت الجامعات السعودية تنبش في قبور الجاهلية وما بعدها من عصور وتتجاهل الكنز الشعري السعودي بكل معانيه وسياقاته وأدواته وصوره؟؟

قدمت أنموذجا واحدا في قصيدة واحدة لمعنى واحد فكم من المعاني والقصائد والشعراء نحتاج لدراستهم؛ لننفض غبار الماضي الذي قتل بحثا ونتوجه للحاضر،للمستقبل،للشعر السعودي الشعبي الثري..

صوتي أرفعه للجامعات السعودية ووزارة الثقافة وهيئة التراث وكل الجهات المعنية بإعادة النظر في الموروث الشعبي السعودي شعرا ونثرا ووضعه في مكانه المستحق ودراسته -كما يجب- في الجامعات السعودية وتصديره كواجهة إنسانية للعالم..

** **

- أستاذ الفلسفة والنقد بجامعة الملك سعود

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...