في دافوس لم تقدّم السعودية خطابًا بل قدّمت نموذجًا - منيرة أحمد الغامدي
منيرة أحمد الغامدي
لم يكن التحول اللافت في منتدى دافوس الأخير مرتبطًا بتعدد القضايا المطروحة، بل بالتغير الواضح في طريقة معالجتها. فالنقاشات اتجهت نحو إدارة المخاطر وبناء القدرة على الصمود، بدل الترويج لوعود كبرى حول نظام عالمي جديد. هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا وهو هل دخل صانع القرار العالمي مرحلة أكثر عقلانية وواقعية؟ في هذا السياق، يمكن قراءة مشاركة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بوصفها تعبيرًا مكثفًا عن هذا التحول. فحديثه لم ينطلق من خطاب معياري أو شعاراتي، بل من مقاربة عملية ترى في التعاون الدولي أداة لإدارة التعقيد، لا وصفة مثالية لتجاوز الخلافات. التعاون هنا لم يُطرح كقيمة سياسية، بل كضرورة اقتصادية في عالم تتراجع فيه القدرة على بناء توافقات شاملة.
ركز سمو وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان على بناء القدرات المؤسسية والبشرية باعتبارها المدخل الحقيقي للتعامل مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية. هذا الطرح ينسجم مع النقاشات التي شهدها المنتدى حول فجوات المهارات وتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، لكنه يختلف في نقطة جوهرية وهي السعودية لا تتعامل مع هذه القضايا بوصفها توصيات مستقبلية، بل كمسار سياساتي بدأ تنفيذه فعليًا منذ سنوات. الأمر نفسه ينسحب على ملف الابتكار، ففي حين ناقش دافوس الحاجة إلى نماذج أعمال جديدة للحفاظ على التنافسية، قدّم الطرح السعودي الابتكار بوصفه سياسة عامة مرتبطة بالحوكمة وسوق العمل والاستثمار طويل الأجل، لا كسباق تقني منفصل عن البنية الاقتصادية، وهنا بدا الخطاب السعودي سابقًا للمخرجات، لا تابعًا لها.
أما في ملف الطاقة، فقد عكس المنتدى هذا العام لغة أقل استقطابًا وأكثر واقعية، تعترف بدور النفط والغاز في استقرار الأسواق بالتوازي مع الاستثمار في الطاقة المتجددة. هذا الطرح يتقاطع مباشرة مع النهج السعودي القائم على الانتقال المتدرّج، ورفض القطيعة المفاجئة التي قد تولّد أزمات جديدة ومرة أخرى لا يظهر التقاطع بوصفه توافقًا ظرفيًا، بل انعكاسًا لنهج مطبّق قبل أن يصبح خطابًا دوليًا.
سياسيًا، بدت مشاركة الأمير فيصل بن فرحان منسجمة مع إدراك متزايد بأن الانقسام الدولي واقع دائم لا يمكن تجاهله. الدعوة إلى التعاون لم تُقدَّم بصيغة مثالية، بل بصيغة عملية تعترف بتعدد المصالح وتبحث عن مساحات مشتركة قابلة للبناء. هذه المقاربة جعلت الحضور السعودي في دافوس أقرب إلى إدارة التوازنات.
مع تماسك هذه المؤشرات، يصعب النظر إلى السعودية كمجرّد مشارك في صياغة مخرجات دافوس، فالكثير مما طُرح في المنتدى بوصفه تحوّلًا جديدًا - من إدارة المخاطر إلى بناء القدرات والواقعية في ملفات الطاقة والتقنية - كان جزءًا من السياسات السعودية قبل أن يتحول إلى لغة دولية مشتركة.
في المحصلة لم يكن دافوس إعلانًا عن أفكار جديدة بقدر ما كان إقرارًا بنهاية مرحلة وبداية أخرى. مرحلة تُدار بالشعارات، وأخرى تُدار بالحسابات والتنفيذ، وفي هذا الانتقال بدت السعودية - كما عبّر عنها الأمير فيصل بن فرحان - في موقع من مارس هذا التحول مبكرًا لا من اكتشفه متأخرًا. وفي عالم لم يعد يقيس القيادة بحجم الوعود بل بقدرة السياسات على الصمود، يفسَّر هذا السبق بوصفه أحد أهم عناصر الحضور السعودي الدولي.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 659
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 764
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 638
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 631
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 625
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 832
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...