Saturday, April 18, 2026

All the News That's Fit to Print

د. خيرية السقاف

ثمّة حزن عميق خيّم عليهما في اللحظة الأولى بعد أن عادا للبيت، وقد وارا جسد آخر الطيبين فيه،.. ذلك زمن مر بهما سراعاً سراعاً وحيدين دون سكانه ..!

كانا معاً يستلهمان ذكرى المكان ومن غادر، هنا كان متكأ الأب ، وهناك كان مخبأ الأم، وتلك زوايا أختين اختارهما الأجل ليسبقاهما إلى المأوى،

ذلك اللحاف لها، وتلك وسادته، والخاتم الفضي ذو اللمحة التراثية، وهدير النبض يسقي أنحاء الدار، ورائحة الطبق الشهي من بين يديها، ولم يَعُد أحد سوانا..!!

قالها «س»، لتهمس في عروقه «ف»: وأنا لم يبق لي غيرك..!!

سرعان ما تغير بهما الحال،

البارحة عاد «س» للدار وقد تكرر الموقف، لم يَعُد أحد فيه سواه، طوى الثرى جسدها «ف»، وبقي وحيداً إلا من طيوف هنا، لأجساد تحت التراب..

صدى هذه النبرات تصطخب في جوفه، ودعس الخطوات تهز سمعه، رائحة البخور، وبخار الطبخ، وهدير ماء الوضوء، سجادة مطوية عن جنب، ولباس كالح معلق فوق مشجب، وإناء كان جوارها في الليل لا تزال بقايا البابونج فيه، حتى كحتها النحيلة التي تنتزعها من صدرها المشحون بالبلغم لا تزال تدك صدره بحزنها،..

الطبيب الذي زارها في آخر مرة لم يكن من الحزم بحيث يقسرها للذهاب إلى المشفى،

قال «س» وهو يكاد يهم بالذهاب سريعاً إليه، ليهز كتفيه، لينهره، ليبكي بين يديه، يحمله وزر موتها..، لكنه سرعان ما هز رأسه بقوة ، أخرج منه أفكاره الجانحة، استغفر وحوقل، ثم مسح بطرف كمه دموعه وهو يسترجع، فالله وحده من بيده الأجل..

تلفت تجوب عيناه زوايا وجدران البيت الصامت الساكن إلا من أنفاسه،

التلفاز ينتصب على الجدار، منذ زمن لم يشاهده، لم يجب معه أحوال الطقس في العالم ، لم يرحل معه للمدن البعيدة، أو يعبر معه شوارعها، أو يجلس عنه إلى مقاعد لقاءات القادة، وسماع قراراتهم، والشعراء وأنينهم، أو يرى المشاهير ونفحاتهم، واللاعبين وركض أقدامهم، ومعرفة أحوال المنكوبين، والبكاء معهم على جراحهم..

كان مرض «ف» يشغله، وقد تعاهدا مذ خلا البيت بهما ألا يشغلا بغيرهما، يشغله كثيراً بعد سقوطها بين فكي وحش المرض، وأغلال الداء على قدر ما بقى له من قوة لم تكن إلا في قلبه..!!

يعلم «س» أن من يعرفهما من الأهل قد لملموا أطرافهم، واندسوا في منعطفات الحياة بعيداً بعيداً، لم يشأ منهم أحد أن يقلق لهما، أو يشاركهما وحدة العمر، والمرض، والعوز..، والحياة إن خلت من الأهل أغلقت نوافذها..!!

نهض «س» من مكانه، انحنى قليلاً قدر ما تسمح له عظامه نحو مرقدها، رفع آخر قطعة لها كانت تكوّرها تحت رأسها، وحين انتصب بسطها بين يديه، « شرشف» صلاتها، أجل هو، يضج بشذى حنتها، فمنذ عام ونصف لم تنتصب قائمة به، لكنها وهي مسجاة لا يرتفع جوارهما صوت المؤذن بالنداء، إلا تبدأ بالصلاة عيناها، وساعدها الأيمن يحتضن الأيسر بحنو على صدرها، ..ولأذنيه تنفلت بعض تمتماتها بكلام الله تعالى..

وحين جلس وحيداً إلا من بقاياها، فتح التلفاز وقلبه، لكنه سرعان ما أغلقه وهو يهز رأسه: ليس هذا العالم هو الذي أعرف.. وعند المساء، باب بيته للمرة الأولى منذ زمن لم يطرق، وعندما خيل له أنه يسمع جواره حركة وطرقاً خفيفاً متقطعاً، واربه بوجل، ليجد قطاً مبللاً بالمطر قد التصق بالباب يتمسح به، بلى ، بلى إنه الذي كانت تطعمه كل يوم حين عافيتها.. فتح له، دخل القط، وثمة من يؤس ليلة « ف» الأولى بعد وفاتها..

***

أما أنا، فقد حزنت كثيراً..

وما أملك لهما إلا الدعاء، فاللهم ارحمها ، واجبر فجيعته، ووحدته، فهو من يحمل على كتفيه سبعاً وسبعين مررن ..!!

***

والحياة مكتظة بحكاياتها ..!!

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...