سيد أوباما.. لن نستغني عن أميركا ولن نتعامل بسذاجة! - د. أحمد الجميعـة
العلاقات السعودية الأميركية تاريخية واستراتيجية مهما تباينت وجهات النظر حول قضايا المنطقة، أو تجاوزت الآراء الشخصية المصالح المشتركة، حيث يجمع البلدين تاريخ ممتد من العام 1931 حين ظهرت بشائر النفط، وإنتاجه بشكل تجاري، مروراً بتوقيع اتفاقية التعاون بين البلدين العام 1933، وتتويجاً باللقاء التاريخي بين الملك المؤسس والرئيس روزفلت العام 1945، حيث استمرت اللقاءات بين قادة المملكة والولايات المتحدة الأميركية على أسس راسخة وثابتة من التعاون المشترك، وتنوعت مجالات الشراكة في المجالات العسكرية والاقتصادية والأمنية والسياسية والثقافية، وتعددت فرص العمل المشترك في مجالس ومنتديات ولجان ومشروعات استثمارية وأخرى حكومية، وتنامت بشكل خاص في مكافحة الإرهاب، حيث كان التعاون وثيقاً في تبادل المعلومات، وتعقّب المطلوبين، والتحالف العسكري مؤخراً في مواجهة تنظيم «داعش» الإرهابي.
إذا كان السيد باراك أوباما يرى أن بلاده لا تتعامل بسذاجة مع إيران؛ فإننا أيضاً لا نتعامل بسذاجة مع الموقف الأميركي المتخاذل تجاه إيران، وعلى الجميع أن يدرك أن المملكة في عهد الملك سلمان أصبحت تتخذ مواقف أكثر جرأة وصرامة عن ذي قبل
هذه العلاقة حتماً مرّت بظروف ومتغيرات، وتحديات أيضاً، ولكنها بقيت قوية، ولم يغب أي طرفٍ عن الآخر في تقديم الدعم والمشورة لتجاوز العقبات، والعودة مجدداً إلى تقدير مكانة هذه العلاقة، وأهميتها، ودورها في ترسيخ الأمن والسلم الدولي، والخروج من كل ذلك إلى مزيد من التعاون الإستراتيجي في القرن الواحد والعشرين، وهي الوثيقة التي تم عرضها في زيارة الملك سلمان خلال زيارته إلى واشنطن سبتمبر الماضي.
لا شك أن قضايا الشرق الأوسط وتحديداً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وسقوط بغداد العام 2003، والاعتدءات الإسرائيلية المتكررة، وتداعيات الثورات في عدد من الدول العربية، وتنامي الإرهاب نتيجة لهذه التحولات الجيو سياسية في المنطقة، والاتفاق النووي الإيراني، والأزمة السورية -كل هذه القضايا-؛ جعلت من هذه العلاقة أمام اختبارات صعبة، وخيارات أصعب في المواجهة والتنسيق، وتركت تساؤلات كثيرة حول مستقبل الإجابة عنها من قبل الجانب الأميركي تحديداً، وهو ما ترك باب الاجتهادات والتكهنات واسعاً من قبل كثير من المحللين في البلدين، بل أكثر من ذلك النقد أحياناً للمواقف الأميركية الحالية تجاه التعاطي بجدية مع أزمات المنطقة، خاصة التدخلات الإيرانية السافرة في شؤون الدول العربية، وتصدير ثورتها الطائفية، ودعم التنظيمات والمليشيات الإرهابية، وطرح السؤال الأبرز في هذا الجانب: لماذا كانت مصالح الولايات المتحدة الأميركية مع إيران على حساب مصالح حلفائها؟، ولماذا كان الإصرار الأميركي على توقيع الاتفاق النووي ورفع العقوبات وإخراج إيران من عزلتها الدولية بسهولة وفي هذا التوقيت؟، ولماذا تدفع المنطقة رهانات أميركية خاسرة تجاه تصويب ممارسات إيران وهي لا تزال تتفاخر باحتلال أربع عواصم عربية؟.
هذه الأسئلة المتعددة والمتوجسة من تقديم إيران كضامن إقليمي جديد للمنطقة ارتقت في إجاباتها من كل طرف إلى حالة من الندية التي لم تؤثر على إستراتيجية العلاقات بالطبع، ولكنها حتماً أفرزت انطباعاً مخيباً، ومستفزاً، رغم التطمينات الأميركية في قمة «كامب ديفيد» في مايو العام الماضي بالالتزام بأمن الخليج، والدفاع عن مصالحه، وعدم التخلي عن المنطقة والتوجه شرقاً صوب آسيا الوسطى، وهو ماتم ترجمته في اجتماع وزراء دفاع دول مجلس التعاون مع وزير الدفاع الأميركي «آشتون كارتر» اول من أمس بالاتفاق على منظومة الدرع الصاروخي لمواجهة الصواريخ البالستية الإيرانية، إلى جانب صفقات التسليح العسكري، وعمليات التدريب، والأمن البحري بتسيير دوريات مشتركة للتصدي لسفن التهريب الإيرانية للأسلحة، والتعاون في مجالات الحرب الإلكترونية المتقدمة، وهي التزامات أميركية وعدت بها في قمة «كامب ديفيد»، ولكن ثمنها أن تبقى المملكة ودول الخليج في حالة دفاعية وليس في محور متقدم من المبادرة، والارتهان تبعاً لذلك إلى الجانب الأميركي في إدارة الصراع، أو تسويته بطريقة «السلام البارد» الذي عبّر عنه الرئيس باراك أوباما في لقائه الشهير مع مجلة «أتلانتك».
من يستمع إلى الإدارة الأميركية الحالية في خطابها السياسي أو الإعلامي يدرك حجم التأثير الذي أحدثه «اللوبي الصهيوني» و«اللوبي الإيراني الفارسي» هناك، حيث بدا واضحاً أن هناك حالة اختراق واضح للسياسات الأميركية في التعاطي مع أزمات المنطقة، والتعبير عنها بردود فعل لا ترتقي إلى مصداقية الحسم والمواجهة، بل إلى مزيد من التردد، وهو ما ترك أثراً بالغاً في انقسام الرأي العام الأميركي تجاه تلك السياسات، ووصفها البعض بالمتناقضة، ولا تستجيب لمكانة أميركا كدولة عظمى تقود العالم، بل الأسوأ أن عمل تلك اللوبيات «الصهيو إيرانية» جعل الساسة الأميركان ينحازون إلى توجهات إيدولوجية في المنطقة، وهو تحول مثير، ومخيف، ويعطي انطباعاً أولياً أن هناك رؤية أميركية ربما تشكّلت تجاه حسم الصراع بطريقة آحادية مع طرف على حساب طرف آخر، وكأننا في هذا السياق نعيد مقولة تشرشل الشهيرة: «الأميركيون يفعلون الشيء الصحيح بعد تجريب كل البدائل»، بمعنى آخر أن الإدارة الأميركية وصلت إلى ما تراه صواباً بعد أن تركت الجميع حقل تجارب للوصول إلى هذه القناعة.
استمعت إلى المؤتمر الصحافي للرئيس باراك أوباما بعد ختام أعمال القمة الخليجية - الأميركية، حيث لم يكن الخطاب جديداً في محتواه، ورؤيته، ولم يرتق فعلاً إلى حجم التهديدات الإيرانية في المنطقة، رغم إننا نشاطره أهمية وعمق العلاقات التي تربط دول الخليج والولايات المتحدة الأميركية، ولا غنى عنها، ولا يمكن التقليل منها في وجهة نظر هنا أو موقف مغاير هناك، هذا محسوم، ولكن يبدو أن السيد أوباما قد استمع إلى موقف حازم من دول الخليج حول السلوك الإيراني الطائفي الإرهابي في المنطقة، وهو ما انعكس على خطابه في المؤتمر، حيث أراد أن يعكس وجهة نظر بلاده -وهذا حقه في التعبير- بالسماح لإيران بامتلاك برنامج نووي سلمي وليس امتلاك القدرة التي تخولها أن تصبح دولة تمتلك أسلحة نووية، ولكنه لم يشر إلى عمق الخلاف وجوهره وهو التدخل الإيراني في شؤون المنطقة، وعزم إيران على إنتاج السلاح النووي-وهو حقنا ليس في التعبير عنه بل الدفاع عنه أيضاً-.
إذا كان السيد باراك أوباما يرى أن بلاده لا تتعامل بسذاجة مع إيران؛ فإننا أيضاً لا نتعامل بسذاجة مع الموقف الأميركي المتخاذل تجاه إيران، وعلى الجميع أن يدرك أن المملكة في ظل حكم الملك سلمان أصبحت تتخذ مواقف أكثر جرأة وصرامة عن ذي قبل، ولها قوة لا يُستهان بها في المنطقة، وهي اليوم دولة مبادئ ومصالح معاً، ولا يمكن أن تتنازل عن مواقفها الثابتة تجاه التصدي للمشروع الإيراني، أو تسمح له بمزيد من العبث في الدول العربية والإسلامية، أو حتى تأزيم المنطقة نحو الانقسام والتقسيم، ولن تعيد العلاقات مع طهران حتى تتوقف عن ممارساتها وتدخلاتها المرفوضة، خاصة في سورية والعراق ولبنان واليمن، والتخلي عن دعم المليشيات والأحزاب الإرهابية، وهو موقف واضح ومعلن، سواءً حضر أوباما ليقول غير ذلك، أو يقلل منه، او حتى يناور حوله، وهي رسالة نهائية لإيران إما أن تكون دولة لها الاحترام وحق السيادة على أراضيها وليس أراضي الغير، وإما أن تبقى ثورة ولنا حق الموقف منها، وتحجيم دورها.
الولايات المتحدة الأميركية عليها أن تعيد حساباتها في المنطقة، وتعيد معها مستقبل علاقاتها، ومصالحها، وتنظر إلى أن الخطاب الخليجي وعلى رأسها المملكة اختلف، وتعددت مصادره، وقويت عزيمته، وحزمه، ولم يعد مجدياً الحديث عن تعاون اقتصادي، أو عسكري في مواجهة الإرهاب، بينما المشكلة الأساس مع إيران لم يتم حلها، أو حتى تحجيمها إلى الحدود الإيرانية، أو تسويتها بعلاقات حسن الجوار، وهي رسالة حتماً أنها وصلت إلى الإدارة الأميركية قبل أن تبدأ أعمال القمة، ولكن لم يكن الجواب واضحاً، أو قابلاً للتفاوض على أساس أمن واستقرار المنطقة، وهو ما يعني أن رسالة الاطمئنان الأميركية لم تعد كافية، أو ربما مجدية، وبالتالي على دول الخليج أن تكون متيقظة لمجريات الأحداث، وتتخذ مواقف أكثر قوة في التعامل مع إيران، وتنتظر الإدارة الأميركية المقبلة لعل وعسى أن تنصت بشكل أفضل لما يريده الحلفاء المؤثرون، والمتمسكون بجوهر العلاقة التاريخية والإستراتيجية مع أميركا مهما كانت التحديات.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 667
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 772
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 646
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 640
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 631
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 839
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...