وسائل القطيعة الاجتماعية | لمياء باعشن
الاهتمام. مرة في الأسبوع كانت تلتقي عائلتي وقد زادها الشوق إقبالًا على اللقاء وتبادل الأحاديث وسماع الأخبار والضحك الصاخب، حتى أننا ما كُنَّا نشعر بمرور الوقت. لكن قروب العائلة على الواتس آب جعل أفرادها يتقاعسون عن التزاور ويتخلفون عن اجتماع العائلة فهم على اتصال دائم مع بعضهم، يعرفون كل مستجد ويقومون بالواجب الإلكتروني فيُودّعون مَن سافر، ويُرحّبون بمَن عاد، ويُهنّئون بالأعياد وبالمناسبات السعيدة، ويُواسون في الأتراح، ويتآزرون كتابةً وقراءة.
حلّ الاتصال الدائم في (مجموعة العائلة) محل الاجتماع الحيوي في بيتنا، فغابت الوجوه تدريجيا وتلاشت الأصوات واختفت التعبيرات وأصوات الضحكات، منذ «صباح الخير» و»جمعة مباركة»، حتى «تصبحون على خير» و»الله يرعاكم»، والأعضاء يتردّدون على الغرفة الافتراضية وهم يترقبون آخر الأخبار والنكت والفيديوهات الخفيفة من بعيد لبعيد، ليساهموا في القروب: وأنتم في بيوتكم ونحن في بيوتنا، لا تزاور ولا تحادث وجهًا لوجه.
أما وقت الاجتماع الحقيقي فلا يختلف الوضع كثيرًا، بعد المقدمات المعتادة يعمّ الصمت فجأة لتعلو أصوات طقطقة الأصابع فوق أزارير الأحرف، وتتخلَّى العيون عن مهمة تبادل النظرات لتتحوَّل إلى مشاهدة الشاشات الساطعة التي تسلب المكان حيويته وصخبه وتواصله التخاطبي البشري. ولك أن تنبه الحاضرين، أو أن تعترض على وضع الانسحاب الشامل، أو أن تصرخ، أو أن تغادر المكان ساخطًا، فالوضع سيبقى على حاله وستكون الخاسر الوحيد. ربما نظروا إليك ليعيبوا عليك تخلّفك عن الركب، أو ليلوموا تدخّلك السخيف في ممارسة ترفيهية لطيفة، وربما توقَّفوا للحظة مراعاةً لطلبك، لكنهم سيُعاودون الانسحاب إلى داخل الفضاء الإلكتروني كالمُساقين بلا إرادة.
في اجتماعات العائلة يدّعي الأفراد أنهم على تواصل مع الأصدقاء، لكن اجتماعات الأصدقاء تعاني أيضًا من نفس الاختطاف من وسط اللقاء الحميمي إلى داخل العوالم الافتراضية. في آخر لقاء لي مع صديقاتي اشترطتُ شرطًا مُسبقًا ألا تُشاركنا الأجهزة جلستنا، فكان وعدًا وموعدًا. لكن، كلما أخفت واحدة جوالها أخرجته الأخرى فقطعت الحديث بخبر أو نكتة أو صورة أو سيلفي، وكما قـُطع الوعد تقطـّعت أوصال الموضوع الوحيد الذي نجحنا في طرحه بين التصوير والرفع وقراءة التعليقات على سناب تشات أو تويتر أو انستجرام. كان حضور وسائل التواصل طاغيًا رغم وعينا الفردي والمجتمعي بضرورة الاستغناء عنها للاستمتاع باللقاء، إلا أن التصاقنا بالأجهزة أصبح قسريًا وكأنه طقس أصيل في حياتنا.
واضح أننا اكتفينا بالتواصل الافتراضي بديلًا عن التفاعل المجتمعي الحقيقي. في كل مكان وبين مختلف الأجيال لا تشاهد غير منظر واحد: رؤوسًا منحنية، وأصابع تُسابق بعضها، وعيونًا تبحلق في أسطح باردة، أفراد مجتمعين لكن عقولهم وقلوبهم شتى. لا بد أن هذا الانسلاخ يُؤثِّر على درجة اندماجنا مع محيطاتنا القريبة، وإن أوهمنا بتعزيز التواصل مع محيطاتنا البعيدة. في عزلته الحقيقية ينزوي الفرد منّا خلف شاشته، وينهمك في تنزيل الصور وتحميلها، وفي كتابة التعليقات والإضافة إلى المفضلات وإرسال الليكات، فينفصل عن الدفء والقُرب الأسري والمجتمعي الحقيقي كلما ازداد تواصله مع أصدقاء بلا روح في عالم افتراضي بعيد.
للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS
تبدأ بالرمز (125) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى
88591 - Stc
635031 - Mobily
737221 - Zain
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 667
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 772
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 646
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 640
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 631
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 839
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...