Sunday, April 19, 2026

All the News That's Fit to Print

فجأة عم الضجيج بشكل فجائي. ولو كنت بعيدًا لظننت أن هناك اقتحامًا إرهابيًا للطائرة. عرفتها. لم تتغير إلا قليلًا. رأيتها مرارًا في القنوات الوطنية والعربية مثل روتانا. فنانة تَغيَّر وجهها

وجزءًا من جسمها كليًا منذ أن دخلهما البتوكس والسليكون. المشكلة ليست هنا، لأنه في النهاية، من حق الإنسان أن يختار الشكل الذي يُريده. كل شيء كان هادئًا على الرغم من تأخُّر الرحلة. صعدت إلى الطائرة بتكبُّر غير مبرّر، رأسها في السماء ومنخاراها في الهواء. بنطال دجين، وتيشورت أسود، نظارات شمسية تغطيان نصف وجهها. وشعر شديد الصفرة من كثرة المواد الملونة، بينما بقي الحاجبان سوداوان في شكل خطّين رقيقين معقوفين. لم تتغيَّر ملامحها الجميلة كثيرًا، لكن نفخات البتوكس في الشفتين والخدين غيرتها بعض الشيء، ومسحت بساطتها وعنفوانها السابقين. تعرفت على والدها قبل سنوات طويلة. كان مغنيًا وعازفا على العود. شديد البساطة. في سنوات الظلام، في التسعينيات، كان يأتي حاملا عوده ويؤدي الأغاني الصحراوية. وعندما يحين وقت السحور ينسحب بعد أن يتطوع أحدنا لإيصاله إلى البيت. وقفتْ وأغلقتْ مدخل الطائرة كليا. نبّهها المضيف أنها ركبت ناحية الدرجة الأولى والبزنس. وعليها أن تتقدم إلى الأعماق نحو الدرجة الاقتصادية. أحيانا أستغرب كيف تقلد بعض كاتباتنا هذه الغباوة المستشرية. قالت محتدة: أنا ضيفة وزارة الثقافة. ولا يمكن أن أجلس إلا في الدرجة الأولى. أضعف الإيمان البزنس. من شدة حنقها، كنت أخشى أن تنفجر شفتاها وتسيل المواد النافخة. صرخت في وجه المضيف الأجنبي لأن الطائرة أجنبية تم كراؤها بطاقمها. اسمع يا سيد. أنت لا تعرفني. أستطيع أن أحولك إلى فقير يستجدي في الطرقات. كانت من حين لآخر تلوح بحقيبة حمراء فاقعة اللون. أنا فنانة الشعب، وفنان الشعب لا يُهان. كل الناس يعرفونني إلا أنت. ومن لا يعرفني هو جاهل وأمِّي. أعتقد أنها كانت تُعطي درسًا في الخواء والأمية. قال المضيف وهو يُحاول أن يكون هادئا. اعتبريني أُمِّيا يا سيّدتي، ولكن بطاقتك الاقتصادية لا تسمح لك بالجلوس هنا. قالت وهي في قمة غضبها: خلاص. انت ركبت رأسك فسأركب رأسي أيضا. أنا سأتحدث الآن مع الوزارة ومسؤول الأمن. وسأنزل لكني سأخرب لك بيتك. هذه شركتي وهذا شعبي. وأنت أجنبي. ثم أنا كلوسترونوب، لا أتحمل الناس ورائي وأمامي. أجاب مرة أخرى ببرودة دم غريبة. لم أفعل شيئا يؤذيك. قمت بعملي لا أكثر. ثم مدام نقول كلوستروفوب. صرخت. لا راح تعلمني الفرنسية. كلوسترونوب. كما تريدين سيدتي، علق المضيف. كل هذا الضجيج في رحلة داخلية لا تتعدى 40 دقيقة طيرانا. تدخل أحد موظفي الطيران. غمز المضيف. وقال: هو لم يعرفك، لكن نحن نعرفك. أنت فنانة الشعب كله. وسيدة الغناء الوطنية التي شرفت البلاد ورفعت العلم في كل مكان. نسي فقط أن يذكرها أنها سجنت قبل مدة في قضية أخلاقية، وتناول مخدرات. انفرجت أساريرها كليًا مثل الصور الكارتونية. وارتسمت ابتسامة منعها ثقل البتوكس من أي إشراق. حرّكت شعرها إلى الوراء وزادت من اللعب بالعلكة التي كانت تتفرقع في فمها. ابتهاجًا وانتصارًا. كانت على مسافة متر مني. التفتت نحوي فجأة. نظرت طويلًا. ثم قالت: كأني أعرفك. قلت لها يخلق من الشبه أربعين. هذه نسخة ضائعة. أما أنا فأعرفك. فنانة الشعب العظيمة. تمططت في مكانها حتى لم يعد المكان يكفيها. هل فنانونا جهلة وعنجهيون إلى هذه الدرجة؟ وراء هذا البهرج الفارغ يوجد فراغ اسمه قلة الوعي والثقافة والفن، الذي يفترض أن يعلم التسامح ومحبة الناس. الكثير من الكُتَّاب المسافرين على متن نفس الرحلة، كانوا في آخر الصفوف وركبوا في الدرجات المناسبة لبطاقاتهم ولم يجعلوا من ذلك قضية. كانوا يضحكون فقط ومستمتعين بالعيون التي كانت ترمقهم في خلوة متسائلة: أين رأيت هذا الوجه أو ذاك؟ أليس هو الكاتب الذي رأوه البارح في التليفزيون، أو الذي التقوا به صدفة في أحد الأسواق الشعبية؟ هذا الجهل المعمم لا يساوي ظفر أي واحد منهم ولا من بساطتهم وإنسانيتهم. الفنان حالة واعية بامتياز. حتى عندما تلعب الصدفة وموهبة الصوت الطبيعية دورها في الشهرة، على الفنان أن لا يكتفي بصوته وأميّته. ولا يكون من الذين صنعت الموهبة والصدفة جهلهم وشهرتهم. ارتخت فنانة الشعب على كرسي الدرجة الاولى، ثم بدأت تدندن أغنية عن كرة القدم. ثم التفتت نحو المضيف الذي كان يكتم ضحكته بصعوبة. قالت. شفت. فنانة الشعب تفرح الناس أينما وجدوا. لومبيونس (النشاط). عندما انتهت من الغناء طلبت منه إذا كان يسمح لها بالتدخين. أجابها ضاحكًا: طبعا ممكن. افتحي النافذة بجانبك لكي لا نُلوِّث المكان. نظرت إلى النافذة. لكنها لا تُفتح. إذن انتظري حتى نصل إلى نقطة وصولنا، وسأهديك سيجارة وأسعد بشرف إشعالها لفنانة فوق العادة وتحتها. انتفخت شفتاها رضا. كانت جد سعيدة في غبائها، بينما كانت الطائرة في سرعتها الأرضية القصوى، قبل أن تطير عاليًا، خارج هذا البؤس.

للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS

تبدأ بالرمز (124) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى

88591 - Stc

635031 - Mobily

737221 - Zain

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...