Sunday, April 19, 2026

All the News That's Fit to Print

د. حمزة السالم

كم من المشاريع الصغيرة والكبيرة والعملاقة التي تحتوي على قسم كبير من العمل والجهد الفكري يُستبعد ابن الوطن من تعلم تفاصيلها وأسرارها, أنانية واستهتاراً, من المسؤول عنها ويُكتفى بنصب بوق وطني يتلوا مزهواً ما يُملى عليه من إنجازات لم يكن له فيها يد ولا جهد ولا دراية ولا معرفة ولا يدرك منها إلا الخطوط العريضة التي تكتب عناوين للإنجازات.

كم بنينا من مطارات, وكم أنشأنا من مصانع, وكم شيدنا من موانئ فهل حققنا أي استقلالية ذاتية؟.. أنا لا أعني هنا المهن البسيطة المتوافرة بكثرة في العالم الثالث والتي يدندن بعض المسؤولين حولها لترسيخ فكرة استحالة الاستقلالية الذاتية. فبريطانيا سخرت جيوشاً من الهنود ومن غيرهم ولكن لم تستخدم قادة وضباطاً منهم، بل اقتصرت في ذلك على أبنائها من البريطانيين يتعلمون فنون القيادة العسكرية على حساب دماء هؤلاء الهنود.. المقصود بالاستقلالية الذاتية هنا هو اكتساب المعرفة العلمية الإدارية والرقابية والإشرافية والتقنية والتنفيذية, التي لا تتأتى إلا بالخبرة والممارسة.

العذر فيما مضى مقبول، فلم يكن هناك وعي في تلك الفترة المتقدمة ولم تكن هناك عقول سعودية كافية لمواكبة المشاريع التي خلت وانتهت، أما الآن فلا عذر وشبابنا يجول في الشوارع بشهادات أكاديمية بحثاً عمن يفتح الباب له دون اشتراط سنوات من الخبرة.

إنجاز المشاريع تحصيل حاصل يجب ألا يقصد لذاته، بل يجب أن يكون الهدف الاستراتيجي من جلب الشركات الأجنبية هو اكتساب الخبرة والمعرفة منها.

شروط الحصول على المناقصات الحكومية لم تترك شاردة ولا واردة ولا أمراً تافها ولا حقيراً، صورياً كان أو حقيقياً إلا وتضمنته, فلم لا تتضمن شرط تعيين شاب سعودي يحمل الشهادة العلمية المناسبة فيلازم الأجنبي ذا الخبرة ويعمل معه طيلة مدة المشروع على أن يكون ذلك مقابل مخصص مالي محترم مقطوع يدفع للشاب السعودي لكي يحرص على التعلم واكتساب الخبرة والمعرفة.

الالتفاف على القوانين والاستثناءات كفيلة بأن تحبط أي تشريع طموح يفرض تعيين شبابنا إلى جانب الخبراء الأجانب لاكتساب الخبرة والمعرفة منهم, إلا أن تشكل هيئة وطنية يقودها مخلصون, جد مخلصون, مهمتهم مراقبة المشاريع الحكومية وتعيين من تتناسب شهادته من أبنائنا ليلازم ويعمل مع قرينه الأجنبي في المشاريع المقبلة على البلاد ويطبق ذلك على القطاع الخاص, فلا تمنح فيزا لخبير أجنبي إلا وعقد لشاب سعودي يلازمه براتب مجز قد تم توقيعه.

ولنقف وقفة صدق مع أنفسنا، فإذا استثنينا المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع من الأجانب ذوي العيون الزرقاء الموجودين عندنا في بلادنا فسنجد أن الأجنبي الكفؤ الماهر لن يأتي إلى العمل في بلادنا إلا أن يكون ضمن بعثة حكومة أجنبية وعنده أجندة أخرى للقيام بها, أو أن يكون قد أكل الدهر عليه وشرب لا أهل ولا عمل ولا مستقبل له في بلده، قد توقف الإبداع والتجديد في نمط تفكيره وإداراته. وفوق كل ذلك فلن يترك الأجنبي الكفؤ بلاده إلا أن نتنازل له فنضعه في مرتبة سامية رفيعة لا يرتقي لها أبناء الوطن. هذا كله إلى جانب تقديم مبالغ ضخمة له لإرضاء غروره وكبريائه.

فالأجانب اليوم لا يصنعون لنا جديداً بل ينسخون العمل القديم مع تغيير للمسميات.. ولذلك تموت غالب الطموحات وتضيع غالب الخطط.. فالمقدم لنا قد صنع لغيرنا، والجسم قد يرفض العضو المزروع فيه ولو شابهه في كل شيء، فكيف بالمجتمعات.

المشاريع الطموحة القادمة تحوي بين جنباتها أرقى وأعلى مستويات تحصيل الخبرة والمعرفة والتي لا تُقدر قيمتها لا بالريال ولا بالدولار، فيجب ألا تُترك منفعتها للأجنبي، ويجب أن تخطط بكيفية تؤهل شبابنا للاستفادة منها لكي نبني وطناً أسطورياً حقيقياً قائماً بذاته لا بغيره، ولكي نستطيع مواجهة المخاطر المستقبلية المحتملة من إمارات أندلس القرن الحادي والعشرين.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...