Sunday, April 19, 2026

All the News That's Fit to Print

الناظر إلى خارطة العالم القريب من حولنا سيرتد إليه بصره مثقلا بأحمال من الوجع الذي يقتل القلب ويسمّ البدن. أفغانستان التي تزامن فشلها كدولة، وتواصلت معاناة شعبها بالتوازي مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979م، والدلالة هنا زمنية وليست توالي المسبب والنتيجة، مع ظني بأن جيران أفغانستان في إيران غير راغبين ولا مرحبين بصلاح هذا البلد الذي هاجمته دولتان عظميان فطحنته على مدى أربعة عقود تقريبا، وإن كان أشد الفاتكين به هم أبناؤه فيما بين الروس والأميركيين. أما الدول الفاشلة أو المحطمة الأخرى في المحيط الإقليمي فهي العراق، وسورية، واليمن وليبيا والصومال. فكيف وصلت تلك الدول التي كانت عزيزة في يوم من الأيام إلى هذا المستوى من الفشل التنموي والانهيار الكامل أو شبه الكامل لمؤسسات ومقومات الدولة كنتيجة ظاهرية للاحتراب المتواصل بين فرقاء كانوا في السابق يغنون ولاء لوطن واحد، ويتفاخرون بالانتماء لكل شبر فيه؟

بالتوازي مع حرب تحرير الكويت، تفسخ عقد الدولة في الصومال، فتراجُع الأهمية الاستراتيجية التي لعبها النظام الاشتراكي بعد انهيار الشيوعية ضاعف من ضغط الجماعات المسلحة المنشقة وساعدها في التعجيل بنهاية دولة الصومال عام 1991م. محمد سياد بري وصل للحكم بعد انقلاب عسكري في أكتوبر 1969م، ومنذئذ اعتمد الاشتراكية، وأظهر إعجابا بالتجربة الصينية فاستنسخها في "القطاع الزراعي والبنى التحتية، وأمّم المصارف والمصانع الأجنبية التي كانت تعمل في البلاد"، وأمر باستخدام الحروف اللاتينية لكتابة اللغة الصومالية بدلا من العربية. وجرّم الانتماءات والولاءات القبلية لصالح تعزيز "السلطة المركزية". كل هذه العوامل التي تخالف قناعات المواطنين، وفرضت رغما عن الشعب أدت إلى تذمر الشعب الصومالي بدءا من عام 1980م عندما تباطأت وتيرة التنمية وشعر المواطنون أنهم لا يملكون شيئا في وطنهم ولا يكسبون بالقدر الذي يعوض حرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.

الحالة في العراق وسورية لم تكن أيضا وردية، فتذمر الشعب في البلدين من نظام حزب البعث العربي الاشتراكي، والقهر الذي عانوا منه بسبب تسلط الأجهزة القمعية، وانسداد الأفق، وحرمانهم من حرية التعبير حتى في أبسط صورها أدى إلى تعاظم السخط الصامت، وإن كان النظام في سورية قد لعب على وتر حرية التعبير بشكل أفضل من جاره عندما أعطى نظام حافظ الأسد لغوار الطوشة (دريد لحام) وفريقه مساحة من الحرية في نقد الشأن الداخلي واستخدام ذلك مبررا في توجيه نقد شديد تحت شعار الضرورات الفنية إلى الدول في الجوار العربي للقطر السوري. وبرع النظام في انتقاء كتاب وإعلاميين سوريين وعرب يعطيهم حق النقد اللاذع للنظام ولكنه لم يتورع يوما في تصفيتهم بأبشع الطرق دموية عندما يلامسون الخطوط الحمراء كما فعل مع الصحافي سليم اللوزي. أما ليبيا تحت حكم القذافي، واليمن تحت حكم علي عبدالله صالح فلم تكونا أسعد حالا من السابقات، ولذلك فقد تعاظم التذمر إلى حده الأقصى القابل للانفجار.

قصص الفشل متشابهة ونتائجها متشابهة أيضا، ولكن الآليات التي عجلت بتحول التذمر إلى خراب متباينة؛ فبعضها جاء على ظهر دبابة أجنبية ووجد له في الداخل بيئة جاهزة للانتقام بالانقلاب على وضعها المائل وشنق جلاديها، والبعض الآخر احتاج لتجمعات بشرية شكلت نواة التغيير فيما سمي بالربيع العربي. وما يفسر اضطرار الشعوب إلى التمرد مدفوعة بحالة من التذمر المزمن أنها لم تتعاون مع قوات الغزو الأجنبي بالشكل الذي كان متوقعا ومأمولا، ولم تتعايش مع مخرجات الربيع العربي التي وجدت في حضنها غربة صادمة اضطرتها للعودة إلى حالتها قبل الثورات ولكن بتفاوت؛ فتونس غير مصر، واليمن غير ليبيا، على سبيل المثال.

الدول لا تتفكك وتنهار بين عشية وضحاها، وما يطفو على السطح هو مرحلة الحسم لصراع أكثر عمقا لازم المجتمع ومؤسساته زمنا طويلا، وظل يتغلغل ويتوسع وينهك البنى العميقة باتجاه السطح، ومنتظرا سببا داخليا أو خارجيا للتعبير عن نفسه بالانفجار. وفي مقالة لها ترصد مجلة الشؤون الخارجية الأميركية Foreign Affairs في عدد صدر في 12-06-2012م عشرة أسباب لتفكك الدول، مقدمة لذلك بحقيقة أن معظم البلدان تنهار ليس على إثر ثورات مسلحة أو عدوان أجبني، وإنما بسبب تذمر مواطنيها نتيجة عدم قدرة الدول على الاستفادة من قابلية مجتمعاتهم الهائلة للنمو، وبدلا من ذلك رزح المواطنون دهرا طويلا تحت وطأة الفقر، وبطء، وفشل التنمية ما أدى إلى فارق كبير بين مستوى دخل المواطن في تلك البلدان، وبين المجتمعات الغربية.

العالم لا ينتهي حسب ت. س. إليوت بسبب حدث ضخم يضربه وإنما يصل إلى نهايته بسبب التذمر. وما يزيد خطر التذمر على المجتمعات وبخاصة المجتمعات الشابة هو عولمة وإشاعة بذوره عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن طريق المقارنات، والتعاطف، والتحريض، وتضخيم الأخطاء، والإفراط في توزيع "لكن" لاعتراض أي سياق إيجابي.

التذمر أيها السيدات والسادة يهيئ المجتمعات للفوضى، ويعرض المؤسسات للفشل، والدول للانهيار. ومهم جدا ألا نلوم مواطنا يتذمر لسبب وجيه، وإنما نلوم الظروف التي آلت به إلى التذمر، ونعمل على معالجتها بشكل جذري.

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...