Monday, April 20, 2026

All the News That's Fit to Print

هناك وضعٌ أدبيٌّ عربيٌّ شديدُ الحيرة، غريبٌ أحيانًا، وشاذٌّ في أحيانٍ أخرى، مبهمٌ ولا يُدرَك بسهولة. الساحة الثقافيَّة والأدبيَّة العربيَّة ليست هي سيِّدة نفسها، ولكنَّها خاضعة لتجاذبات قد تسرق منها

نسغها، وجوهرها. ليست هي مَن يصنع الأحداث، وإنَّما هي مَن يتلقَّاها بعنفٍ شديدٍ. هناك كُتَّابٌ عربٌ كِبارٌ اختاروا أن يعيشوا في بلدانهم شرقًا مثاليًّا، لا يوجد إلاَّ في الكتب التاريخيَّة، وأذهانهم أيضًا. شرقًا أملسَ على الرغم من توتراته. وقد يعيش بعضهم الآخر على الحوافِّ العكسيَّة تمامًا، شرقًا ميِّتًا هو في النهاية حفنةٌ من رماد ثقيل الذاكرة. لا يرون من هذا الشرق إلاَّ إرهابه، وخوفه، وتخلُّفه، وفي الحالتين يتعاملون مع شرق مبتور. وهناك شرقٌ ثالث يختلف جذريًّا عن الأول والثاني، يعيشه الكاتبُ المهاجر، أو المغترب، أو المنفي. شرقٌ لغويٌّ. الكاتب في هذه الحالة، كثيرًا ما يكتب لقارئ أوروبيّ بالدرجة الأولى؛ لأنَّه هو مَن يقرأه، وهو مَن يرفع رايته الأدبيَّة ويمنحه جوائزه اعترافًا بما ينجزه. يسترجع من خلال نصوصه الأدبيَّة، الروائيَّة تحديدًا، شرقًا صنعه قبله الرحَّالة والكُتَّاب الأجانب، في ظل مفاهيم استشراقيَّة ترسَّخت مع الزمن، لدرجة أن أصبحت مؤشرًا أوَّليًّا على الكُتَّاب المهتمِّين، أو القادمين من الضفة الأخرى اتباعه إن هم أرادوا لكتاباتهم أن تصل للقارئ المعني بها. شرق البذخ والرقص والغرابة والغواية. شرق السحر والخرافة والتسلية التي تضع العقل العربي في أسفل درجة السلم. ويغيب فجأة شرق الحياة اليوميَّة التي لا تختلف في شيء عن بقية الحيوات البشريَّة بأحلامها، وأشواقها، وحزنها، وأفراحها. شرق المعاناة المنهك بسبب الحروب التي فُرضت عليه، وفي مواجهة حداثة قاسية ومستعصية. الشرق الغرائبي الذي تخلقه هذه الكتابات يوفِّر انتظارًا مستمرًا لدى مقروئية صُنِّعت بشكل أيديولوجي لا يمكنها أن تستوعب إلاَّ الصورة التي تم تصنيعها عبر السنوات والقرون. فالقارئ اكتشفهم من خلال رواياتهم التي تستجيب لأفق انتظاره الذي لم يتغيَّر منذ زمن طويل، لأنَّه ببساطة لم توجد هزّة مجتمعيَّة كبيرة بمكنها أن تربك الصورة النمطيَّة المهيمنة. حتى عندما غيَّر بعض هؤلاء الكُتَّاب مسارات كتاباتهم، وحاولوا العمل على شرق اليوم في صورته الحقيقيَّة والصعبة، وتناولوا موضوعات البيروقراطيَّة التي تأكل المجتمعات العربيَّة، والفساد التي تنخر بنياته الاقتصاديَّة، وحاولوا خلق نماذج بشريَّة حيويَّة ومقاومة في رواياتهم، تخلَّى عنهم فجأة قُرَّاؤهم؛ لأنَّهم لم يجدوا النمط الذي تعوَّدوا عليه. وتركهم الناشر أيضًا؛ لأنَّ الصورة الإيجابيَّة التي اشتغلوا عليها نزعت سحر الشرق وخرافاته التي يريدونها دائمة، وأنسنت الممارسة البشريَّة. لا سبيل أمامهم، إمَّا العودة إلى المسارات الاستشراقيَّة الأولى، أو الترك. فهم يعرفون جيِّدًا أن القارئ يتكوَّن عبر الاستمراريَّة والسنوات، وليس في القطيعة، ومن هنا وفاؤه. ولهذا أيضًا يظل ملتصقًا بالنموذج الذي عوَّد عليه قرَّاءه. لنا نماذج كثيرة في هذا السياق العربي. اشتهر أمين معلوف بالرواية التاريخيَّة، وظل وفيًّا لها وما يزال. حتى عندما كتب «صخرة طانيوس» التي خرجت عن ملحمته التاريخيَّة المعتادة، أو رواية «أصول» التي تناول فيها جزءًا مهمًّا من سيرته الذاتيَّة، أو رواية «التائهون»، ظل ينظر له من موقع التاريخ، ولهذا ظلَّت مقروئيَّته مستمرة، ووفيَّة إلاَّ في حالات نادرة. دور النشر في الغرب لا ترحم. توفِّر كل الفرص لشيوع النص، ولكن على هذا الكاتب أو ذاك أن يفرض نفسه في النموذج الذي اختاره، أو اختارته له الدار، وإلاَّ ستتخلَّى عنه، وعليه أن يبحث عن غيرها. الهاجس التجاريّ مهمٌّ وحاسمٌ، ولكن توفّر له كل السبل والوسائل بالخصوص بالنسبة لدور النشر المعروفة والكبيرة. ثلاثة نماذج كتابيَّة عربيَّة تصنع شرق اليوم، غير الشرقي الغربي، كلّ واحد بوسائطه، وجهوده، وترسانته القرائيَّة، لكنه شرقٌ مجزَّأ وممزَّقٌ، ولا نعرف أين هو الشرقُ الصحيحُ؟ فهل هو في النهاية مجرد صناعة أوروبيَّة، كما قال المُفكِّر الفلسطيني الكبير «إدوارد سعيد»، شرق الحاجات الثقافيَّة المهيمنة، والحضاريَّة والسياسيَّة أيضًا؟!.

للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS

تبدأ بالرمز (124) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى

88591 - Stc

635031 - Mobily

737221 - Zain

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...