هل قيس بن الملوح أسطورة !؟
اعتمد طه حسين في بداية حياته الأدبية، على الشغب، وإثارة الزوابع والفتن الأدبية.. وذلك لنزعة التمرد في شخصيته ذاتها.. وتأثره أيضاً ببعض المستشرقين.. مع أنه ممن يدعون إلى التدقيق، والتمحيص، وتطبيق المنهج العلمي، وذلك مما يحسب له في بعض تناولاته، وطرحه الأدبي، ولكن مشكلة هذا الأديب العملاق أن له نفساً نزاعة إلى الاختلاف، فهو يتجاوز ولا يبالي، ويقتحم أحياناً بلا أناة وهذا ما أوقعه في كثير من الأخطاء والتي استدركها فيما بعد، وتجاهل الكثير منها، مثل تشكيكه في الأدب الجاهلي متأثرا بأستاذه "مارجليوت"... غير أن الحفريات، والاكتشافات التي قام بها الأثريون، أظهرت بعضاً من أبيات الشعر الجاهلي أي قبل الإسلام على بعض الصخور، فأسقطت تلك النظرية أو المقولة، وكان المرحوم عبدالقدوس الأنصاري أول من أشار إلى هذا (في مجلة المنهل) وكان ذلك في حياة طه حسين وفي وقت قدرته الكتابية ومن المؤكد أن الأمر قد وصله إذ إن شيوع مجلة المنهل آنذاك وانتشارها كان جيدا ووصولها إلى المراكز الثقافية العربية كان مؤكدا.
ومع هذا لم يغير طه حسين من رأيه..! وقد تواصلت البحوث والاكتشافات التي اثبتت قدم الشعر الجاهلي وبالذات ما توصل اليه الدكتور سعد الراشد.
ليس حديثي هنا عن ذلك الموضوع، ولكنه مدخل إلى أحد مذاهب طه حسين وميله إلى التشكيك كي أصل بذلك إلى تشكيكه في شخصية شاعر العشق العربي الأول: قيس بن الملوح، حيث إن طه حسين أنكر وجوده، حيث يرى أن هذه الشخصية أسطورة سجلها الرواة حينما كانت الرواية الأدبية في ذلك الزمان نوعاً من أنواع التكسب والارتزاق..
ولست هنا بصدد إثبات هذه الشخصية أو نفيها فقد كتب عنها الكثير، والكثير، وإن كنت أتمنى أن تدرس دراسة قائمة على أصول البحث العلمي الدقيق، والذي له طرقه وأصوله من ناحية الإثبات والجرح والتعديل.. والواقع أن ما أردت الحديث عنه، هو أنه صار من الشائع، والذائع، بل والثابت عند كثير من النقاد أن طه حسين هو أول من شكك في شخصية قيس بن الملوّح، وقد ذهب إلى ذلك وآمن به أدباء مهمون لهم باع طويل في الاطلاع على التراث العربي، وقراءته، وتحقيقه ولعل من أهم هؤلاء، الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور رحمه الله، وهو شاعر فذ، وصاحب حس نقدي رفيع، ولديه قدرة انتقائية على اختيار النماذج ذات الندرة والمتميزة في شاعريتها وفي خيالها، وفي حسن موضوعها ولعل كتابه الجميل "محاولة لدراسة أدبنا القديم" قد اظهر قدرة الشاعر على اختياراته الرائعة وفي صياغة نقدية لا تقل روعة وجمالا..
غير أنه ورط نفسه، وورط علميته في التشكيك في قيس بن الملوح معتمدا في ذلك على تشكيك طه حسين بأنه شخصية، أسطورية وهمية، فلا قيس ولا ليلى ولا شعر، ولا جنون.. وإنما ذلك كله من نسج الرواة الأقدمين، وأكاذيبهم.. وقد عجبت لوقوع صلاح عبدالصبور في هذا المزلق..! فأولا ليس طه حسين هو أول من شكك في وجود قيس بن الملوح، فقد سبقه إلى ذلك، أبو الفرج الاصفهاني صاحب كتاب الأغاني... ولكن طه حسين إنما أعلن تشكيكه، لأنه بكل تأكيد قرأ ما كتبه أبو الفرج، ولكن يبدو أن طه حسين قد استأثرها لنفسه ليثير زوبعة بين المثقفين في زمنه، وإلى يومنا هذا..
ومع هذا كله فإن كلام أبي الفرج وتشكيكه أيضاً لا يعتد به كل الاعتداد، ولا يعتبر قوله قولاً فصلا ومرجعا نهائياً.. ويبدو أن سبب تشكيك أبي الفرج إنما هو كثرة ما نسب إلى قيس من الأحاديث، والأساطير والروايات، والأقوال التي ربما تكون مدعاة للشك كمسألة جنون الشاعر وهذيانه باسم ليلى في الفلوات وعيشه مع وحوش البر، واستئناسها به، مع كثرة ما ينسب إليه من أشعار فيها الكثير من التداخل مع أشعار الآخرين، لكن هذا ليس مصدراً ولا مستندا علميا لنفي شخصية الشاعر نفيا قطعيا.. ثم لا شك أن الناس وفي مثل حالة هذه الشخصية الفريدة والتي أخذت بعدا مأساويا أسطوريا سيكون لخيالهم البشري حظ وافر من الإضافة والإزادة.. ولكن هذا لا ينفي وجودها وقد أثبتها من هم أهم وأقدم من صاحب الأغاني فالجاحظ الأديب الأكبر في أدبنا القديم، والذي أثر في طه حسين تأثيرا بالغا وبالذات في أسلوبه كان قد أثبت وجود قيس بن الملوح، وذكره كثيرا واستشهد بشعره، وقد أثبته، مؤرخ الأدب العربي والناقد الأول ابن قتيبة، صاحب كتاب الشعر والشعراء وهو أقدم من أبي الفرج..
أعود لأقول: إنني هنا لست بصدد إثبات أو نفي شخصية الشاعر قيس بن الملوح ولكن ما ذهبت إليه هو غرابة التسرع، والأخذ بنقد الإثارة، واعتماده كمصدر علمي موثوق للنفي أو الوجود، وإعطائه صفة الثقة المتناهية والمطلقة إلى درجة أن شاعرا كبيرا ومثقفاً عميقاً مثل صلاح عبدالصبور وقع في هذا المأزق، وانطلت عليه مثل هذه الإثارة في التشكيك في ابن الملوح، وإسناد هذا التشكيك إلى طه حسين والذي نسبه إلى نفسه مع أن أبا الفرج الاصفهاني سبقه إلي ذلك بألف عام، وهو تشكيك متسرع بعيد عن العلمية والاستقصاء.. فوقع عبدالصبور في خطأ ما كان لشاعر مثقف، ونابه ذكي أن يقع في مثله..!
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 667
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 772
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 646
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 640
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 632
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 840
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...