Monday, April 20, 2026

All the News That's Fit to Print

عبدالعزيز السماري

لا يمكن للمجتمع العربي أن يتجاوز أزماته في العنف والإرهاب والاستبداد إلا من خلال منح مساحات أكبر وأكثر تنظيماً للتعبير عن الرأي، فالأفكار السرية والانقياد الأعمى والتحكم من بعد وسائل يجيدها البعض في غياب أجواء الحرية المسؤولة، ويزيد من الأمر توتراً حين يستخدم الحاكم أو المعارض الإرث الديني في أغراض السياسة، وذلك عندما يحاول إلباس آراءه السياسية، أياً كانت، برداء الدين وقدسيته، وذلك هو بيت القصيد فيما يحدث في الأوطان العربية من نزاع ودماء واقتتال.

فقد استخدمت في البدء معظم السلطات الحاكمة في بلاد العرب الدين ورجاله في ترويج طرحهم السياسي ولشرعنة استبدادهم بالشعوب، وكانوا بالرغم من علمانيتهم المتطرفة يجيدون فن الظهور مع رجال الدين في المناسبات السياسية وغيرها، وهو ما زاد من وتيرة الصراع من خلال الدين، فالمعارض أصبح يستخدم الدين لمقارعة الطرح الرسمي السياسي الذي يستغل السطحية والانقياد الأعمى للعامة للخطاب الديني المسيس.

كانت كلمة السر في هذا العبث بعقول الناس هو إحكام السيطرة، فالحاكم يبحث عن أي وسيلة مشروعة أو غير مشروعة من أجل السيطرة على العقول ثم جعلها تنقاد إلى طاعته بوعي أو بدون وعي، وكان الانتقال من اتجاه إلى آخر أمراً مقبولاً ولا تحكمه قوانين أو دستور، ولكن رغبات السلطة الممثلة في شخص الحاكم المتسلط..

فقد انتقل الرئيس العراقي من خيار العلمانية كحل سياسي براغماتي في بلاده، يستعبد الطائفة والمذهب من العمل السياسي إلى مرحلة الرئيس المؤمن الذي تاب من العلمانية وعاد ليطلق حملة الإيمان والأسلمة على الطريقة السنية بعد الهزيمة في حرب الخليج وانتفاضة الشيعة في الجنوب.

كان الثمن أن أوقد الرئيس التائب النار الطائفية في نخيل ومزارع وميادين وشوارع العراق، فكان الانقسام الذي لا يزال يحرق الأخضر واليابس في أراضيه إلى اليوم، وكان الثمن احتراق وطن بسواعد أبنائه الذين انقادوا بدون وعي خلف التحريض الطائفي البغيض وخلف الفكر الديني الدموي، فاحترقت بغداد وانفصلت الأنبار ودخل الغرباء للأرض العراقية من أوسع أبوابها.

حدث شيء مثل ذلك في تونس، فالرئيس زين العابدين قاد حملة الإيمان في أيامه الأخيرة، واستدعى رجال الدين المشهورين بالطرح السلفي، ليزكوه سياسياً أمام شعبه، وذلك من أجل أن يكون رئيساً مدى الحياة، لكن التركيبة الاجتماعية لتونس وارتفاع مستويات التعليم أنقذا البلاد من الفوضى، بالرغم من محاولات بعض المتطرفين في إذكائها، لكن عقلانية حزب النهضة ومثقفي تونس جنبوها من الدمار.

بينما لم تنجح الحكمة والعقلانية في ليبيا، بسبب جنون الحكم السياسي فيها، فقد كان يُدار بعقلية تفتقد للاتزان والحكمة، وقد حاول أبناء الزعيم أن يحولوا بلادهم من حالة اللا نظام إلى مرحلة استخدام الدين لشرعنة سيطرتهم على عقول الشعب الليبي، لكنها خطوات لم تنجح، وأحدث الكارثة في الحرب الأهلية الحالية في ليبيا.

من أخطر أدوات السلطة أن تحاول أن تحكم من خلال تسييس الدين، وذلك لأنها سلاح ذو حدين، فكما يُدين الحاكم بها الناس، وينتقم من خلالها من معارضيه، يُدان بنفس القدر، وذلك عبر استخدام النصوص من قبل المعارضين المؤدلجين كسلاح سياسي فتّاك ضد السلطة، ومن أجل التحريض ضدها، وهو ما يعني تهيئة الأرضية الملائمة للحرب الأهلية والفوضى في المستقبل.

لذلك ستظل خيارات التسامح والعفو والحرية المسؤولة والإصلاح السياسي المتدرج الطريق الأمثل لتجاوز عنق الزجاجة إلى حيث مرحلة الاستقرار السياسي الطويل كما يحدث على سبيل المثال في أوروبا الغربية، وسيكون خيار الابتعاد عن تسييس الدين البعد الإستراتيجي الأهم عند مخاطبة عقول الناس، وذلك من أجل المهمة الأهم وهي تطهير الدين من براغماتية السياسة وخياراتها المتدرجة وأغراضها وخطابها المتغيّر، وذلك لئلا يتحول الدين الحنيف إلى أداة أو سلاح فتّاك في متناول المغامرين والمقامرين بمستقبل الأوطان، والله المستعان.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...