«الموروث.. والمستقبل.. والتغيير»!
أعتقد أن ما كتبه الأمير تركي بن عبدالله في كتابه (السعودية: الموروث والمستقبل) يجب أن يقرأ بعناية.. فهو في كثير من فصوله كان تشخيصاً دقيقاً للواقع، والعثرات المتوقعة إذا ما استمرت ذات المعالجات على ذلك النحو..
هكذا جاء عنوان كتاب الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالرحمن (السعودية: الموروث.. والمستقبل.. "التغيير الذي يعزز البقاء").
عرفت الأمير تركي بن عبدالله، منذ سنوات، عندما تبنى مشروع: جائزة السعفة للشفافية، ومنذ اللقاء الأول أدركت الهاجس الذي يشغله والقلق الذي يدفعه للبحث عن نافذة يحاول من خلالها خدمة مشروع مؤسسة مجتمع مدني معنية بالشفافية وآلياتها ودورها وثقافتها.. وصولاً إلى احتفالية جائزتها.. كإحدى الآليات التي كان يطمح من خلالها لتعزيز هذا المفهوم.
يطل علينا تركي بن عبدالله - مع حفظ الألقاب، فهو أشد الناس ضيقاً بها وانصرافاً عن وهجها - بكتابه (السعودية: الموروث والمستقبل..). وهو يمارس نوعاً من التفكير بصوت مرتفع حيال العديد من القضايا الوطنية.. وهو دعوة حارة مشوبة بالقلق والنذر لاستدراك تبعات وقائع اليوم، واستشراف المستقبل، واستعادة حقل البناء لمجاله الأصل.. إنها قضايا تشغل فكره ويراوده البحث فيها كل حين، ويجد تأثيراتها السلبية الأخطر الأكبر على الكيان والدولة والمجتمع.
(كيف وصلنا إلى هنا؟ / الموروث/ الوحدة/ تطبيق الشريعة/صانعو الموروث/ هل هناك خصوصية؟/ رؤية الدعوة/ الأبعاد/ المعارضة/ عوامل النجاح/ الرسالة/ القيادة/ أين نحن الآن؟/ التحديات الداخلية والخارجية/ الأداء الحكومي/ الاقتصاد/ الاستهلاك المحلي للبترول/ المياه/ الصناعة/ الإعلام/ التعليم/ تحديات القيادة/ الشريعة/ التواصل بين الحاكم والمحكوم/ دور القيادة/ الرؤية/ البيعة/ الديمقراطية/ العلماء...)
بين تلك الفصول يتحرك الباحث والكاتب تركي بن عبدالله، قارئاً ومناقشاً ونذيراً وداعياً. فهو قارئ في سجل المتحقق والمتعثر، ومناقشاً لرؤى متعددة تطل اليوم كإحدى المحاولات للبحث عن مسارات أكثر جدوى في مواجهة تداعيات المستقبل.. وهو نذير في حالة الانصراف عن تطوير الموروث، أو التهوين منه كمنطلق لاستشراف الحلول وبناء المقومات الجديدة لصناعة عالم أفضل، لا يتنكر أو يتجاهل الموروث الذي قامت على أسسه الدولة والوحدة، ولا يركن لما تحقق أو يتجاهل حالة الاحتباس، لأن ثمة فقط من يريد إيداع الموروث في صندوق التاريخ دون اكتشاف مقومات حيويته وقدرته على القيام بدور أكثر وأعظم في مواجهة استحقاقات الحاضر والمستقبل.
إنه يحترم منجزات الأسلاف، ويرى إنجازاتها الكبرى، مهما رافق تحقيقها من أخطاء.. فهي جاءت في وقت لم يكن من المتوقع أن يكون لها ذلك الأثر الكبير في صناعة الكيان وبناء مشروع الوحدة في جزيرة العرب.. وأن هذه المنجزات لم تأت فقط لأن ظروف الزمان والمكان فتحت الباب لصانعي الحدث التاريخي أن يحققوا ما حققوه، بل لأن روح ذلك المنجز ظلت تتحرك في هذه الأرض وفي قلوب الناس.. لتواجه أيضاً مراحل إخفاق واستعادة أخرى سريعة وناجزة عبر تلك المراحل الثلاث التي شهدتها الدولة السعودية.
وأن الكامن في تلك الدعوة/الموروث.. التي تحولت إلى دولة لم يكن له أن يحدث لولا القدرة الكامنة في ذاتها لتحيل تلك الصعوبات والتحديات التي واجهتها إلى فرص نادرة غيرت وجه التاريخ من حال الفوضى والشتات والضياع إلى حال الوحدة والبناء والأمن والاستقرار.. وأن النظام القائم على الشريعة الإسلامية بالكلية، والذي ارتضاه البُناة، مكَّن لتك الوحدة وعزز حضورها ودعم مشروعها.. وأي محاولة لزعزعة ذلك الموروث ليس إلا زعزعة للاستقرار وانتهاكاً وإنهاكاً للمشروع.. ولا يعني هذا التوقف عند تلك الملامح التي تتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى التطوير، وحضور الاجتهاد المؤسسي، ومواجهة زمن مختلف عن زمن الأوائل واحتياجات مختلفة عن احتياجاتهم وقضاياهم، ووقائع متسارعة لا تترك مساحة للاسترخاء والتأجيل.
ولذا فهو يقول: "إن بعضاً من الهوان والضعف بدأ يدب في هذا الموروث وهو ما قد يؤدي إلى نتائج غير محمودة، كما أن الأخطار المحيطة بالبلاد وأهلها بلغت ضراوتها حداً لم تبلغه من زمن بعيد. وعكس مسار ذلك الوهن ونفض هذا الضعف عن مسيرة الوطن والتعامل مع الأخطار المحدقة به أموراً ليست خارج نطاق الاستطاعة، إلا أن تحصين الموروث والحفاظ عليه وتكييفه مع الزمن ليست فقط الأمر المطلوب، وإنما البناء عليه لابد أن يكون النتيجة التالية.. والتغيير المطلوب كبير وجوهري وشامل.. ولابد أن يستند إلى رؤية لا أن يكون تغييراً من أجل التغيير فحسب، أو تغييراً لجزئيات متناثرة يسعى إلى تحسين الحال بين حين وآخر.. فهو مثل أي تغيير شامل وسيجد ممانعة ومقاومة، تقوى حدتها كلما زادت شمولية التغيير..".
إن الكتاب في مجمله مادة ومعالجة وتحليلاً، صرخة ونداء من أجل استعادة قوة الدولة والمجتمع والكيان من خلال مشروع يقوم على عدة ركائز، من أبرزها: العناية والالتزام بالموروث، باعتباره العنصر الكامن والمحرك لعوامل القوة والوحدة.. مع أهمية أن يتم التطوير والتحديث ومواجهة تحديات الواقع بالاستناد على ذلك الموروث وتطوير أدوات الاجتهاد لصياغة حلول تواجه تطورات الواقع واحتياجات الدولة والمجتمع في ظل التحديات الداخلية والخارجية. وكذلك تطوير مؤسسات الدولة وخاصة تلك المؤسسات الرقابية وتفعيل أدوار المحاسبة والشفافية لوضع حد للفساد والهدر.. بالإضافة إلى تناوله العديد من القضايا الوطنية وتقديم بعض المؤشرات على حجم الخلل أو التراخي في المعالجة على نحو يضمن عائداً يمكن البناء عليه أو الثقة بمردوده.
لم يبد المؤلف حماساً لفكرة نسخ النماذج وتحرير مفرداتها على الواقع الحالي، ولم يقدم بديلاً عن المؤسسات الديمقراطية التي عالجها في فصل خاص.. وإن كان يرى أن الديمقراطية كآليات يمكن الاستفادة منها.. مع التحفظ على نتائج قد لا تكون إيجابية.
أعتقد أن ما كتبه الأمير تركي بن عبدالله في كتابه (السعودية: الموروث والمستقبل) يجب أن يقرأ بعناية.. فهو في كثير من فصوله كان تشخيصاً دقيقاً للواقع، والعثرات المتوقعة إذا ما استمرت ذات المعالجات على ذلك النحو.. وهو أيضاً صدى لأفكار وتصورات تعتمل في ذوات الكثيرين.. ومهما بدت معالجته تتطلب الكثير من النقاش حول مدى فعاليتها وإمكانية نجاحها.. إلا أن التشخيص بحد ذاته إذا ما كان دقيقاً فهو المدخل لصياغة برامج أكثر جدوى وصوابية.
بعض معالجات الكتاب تميل للتحفظ، وأخرى استهلكت النصيب الأكبر من مادته، وربما كانت الاستعادة المستمرة، الوسيلة المفضلة للكاتب لتأكيد الفكرة حتى لو بدت في كثير من الأحيان تحمل عموميات تفتقد كثيراً من التفاصيل.
ولعل خاتمة الكتاب توحي بما يعتمل في عقل مؤلفه بل وما يشغل الكثيرين اليوم في مرحلة دقيقة من عمر المملكة. "هذه البلاد تطل على نافذة لمستقبلها وذلك وضع فريد قد لا يطول. فركائزها متينة وإنجازاتها حية وقدراتها لم تفقد كل قوتها بعد وتجربتها ناجحة. كما أن الفراغ الجيوسياسي الذي يحيط بها جاهز لملئه بهذه البلاد أو بغيرها من محيطها أو من خارجه. جيل اليوم بكل أطيافه، بقادته وعلمائه وشيبه وشبانه ورجاله ونسائه فتح لهم التاريخ نافذة كبيرة لن تدوم. فإن هم حلموا وجدوا ورسموا الطريق لأنفسهم ولغيرهم معهم، فإن باستطاعتهم الوثوب عبر تلك النافذة إلى عالم جديد من صنعهم يضاف إلى ما خلفه أسلافهم. وإن هم اختاروا البقاء في موقعهم والاكتفاء بالتطلع من خلال تلك النافذة فحسب، فإن النافذة لابد أن تغلق عاجلاً أو آجلاً".
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 667
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 772
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 646
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 640
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 632
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 840
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...