Monday, April 20, 2026

All the News That's Fit to Print

تتفاخر أمريكا بأنَّها أقدم دولة تطبِّق الديموقراطيَّة، وأنَّها بلدُ الحرية والمشاركة الشعبيَّة في الحكم، وهي إذ تحمل لواء الديموقراطيَّة فقد قرَّرت تصديرها لدول العالم ليجري تطبيقها على طريقتها.. في قلب

النظام الديموقراطي تعزيزٌ لدور الفرد في الانخراط في العمل السياسي، حتى يكون الشعب هو الحاكم الحقيقي الذي لا تتَّخذ الدولة قرارًا حيويًّا دون رأيه وموافقته. لكن عمليات التصويت والانتخاب قد أفسدها المال السياسي المتحكِّم الحقيقي في الحكم، أمَّا صوت الشعب، وتواصله مع حاكم الولاية، وكتابة الخطابات لرجال الكونجرس تبدو اليوم وكأنَّها تحركات تنفيسيَّة لا يُسترشد بها. فالرأي العام الأمريكي الذي يُفترض أن يوجّه خطوط السير السياسي هو في حقيقة الأمر رأي يتمُّ توجيهه بحملات سياسيَّة وإعلاميَّة مُحكمة تضعه في مربع اختيار ما يُراد له أن يختار.
لنأخذ موضوع البُعْبُعْ كمثل صارخ على توجيه الرأي العام الأمريكي: معظم قضايا السياسة الأمريكيَّة تأخذ مجرى واحدًا لا يختلف، ألا وهو اختلاق عدوٍّ متوحش يصفه الأمريكان بكلمة «بوجي مان Boogieman» أيّ الوحش المخيف. من خلال الآلة الإعلاميَّة الضخمة وبمساعدة إمكانات هوليوود الهائلة يجري تقديم ذلك العدوِّ الممتد في التاريخ، عدوٌ تختاره أمريكا حسب مطامعها وتوجهاتها السياسيَّة وترسم له صورة المستبد القاهر، والخطير جدًّا وتدسها في صحفها، وأخبارها، ولقاءات مسؤوليها، ومسلسلاتها، وأفلامها بحيث يراه المواطن الأمريكي حيثما نظر، فيتغذَّى ضميره ووجدانه بكراهيته، ويملأ الرعب قلبه من قدراته المتضخّمة.
هكذا فعلت أمريكا مع الألمان، والهنود الحمر، والأفارقة المُستعْبدين، واليابانيين لتبرر تحرُّكاتها العدوانيَّة، وتبدو وكأنَّها الحرَّة الوحيدة التي تدافع عن الحق، وتقهر الظلم. وقد سخّرت أمريكا كل مواهبها الابتكارية لتحوِّل روسيا وشيوعيتها إلى عدوٍّ بارد يستحق التسخين حتى التذويب، واخترعت محاور للشرِّ، ودوائر للشيطان، وأجلست في داخلها بُعْبُعَ إيران، وبُعْبُعَ العراق، وبُعْبُعَ ليبيا. أمَّا الطبخة التي تضعها أمريكا على نارٍ هادئة منذ زمن طويل وتقلبها بين الحين والآخر، فهي طبخة البُعْبُعِ العربي، فهي تغرف منها عربًا بشكل شامل، أو مسلمين بشكل أشمل، أو خليجيين بشكل خاص، أو سعوديين بشكل أكثر تحديدًا وتعيينًا، كلاً حسب الاحتياج والظروف الملائمة.
بعد تفجير البرجين في نيويورك بدا التلاعب بعقول الشعب الأمريكي وباختياراته واضحًا، فقد وضعت الحكومة للشعب مؤشرًا ملوَّنًا لدرجات الخطر المحدق بهم من الإرهاب العربي ترفعه إلى الأحمر فيطيعون أوامرها كالعميان، أو تخفضه للأصفر، فيعطوها حق اختراق خصوصياتهم وحقوقهم، ثم تشعلها خضراء ليتنفسوا قليلاً، ثم تعاود الكرَّة. لذلك لم يعارض أحد ضرب العراق، ولا توقف عند كل التفاوتات والثغرات الجلية.
أمَّا أحدث الاختلاقات «الديمودراميَّة» وأبرعها فهي ذلك العدو المتملِّص الذي لا وجه له، ولا عنوان، هو البُعْبُعُ الأكثر خطورةً، المتنقل في كل بقاع الأرض، والذي لا نهاية لشروره؛ حتَّى لو تصدَّت له كل حكومات العالم.
من رحم «قاعدتها» أخرجت أمريكا وحشًا حقيقيًّا هذه المرَّة، سفَّاك دماءٍ، قاطعَ رقابٍ، متعطشًا للحرقِ والهدمِ والتدميرِ، همجيًّا لا يُبقي ولا يذر. تسلط أمريكا بُعْبُعَها المدعشن كالكابوس فوق الرؤوس، فينصاع الشعب خوفًا، وينحاز إلى دونالد ترامب الذي سيحميه من خطر اللاجئين القادمين بالإرهاب إلى بلادهم، تلك الجنة الآمنة التي لا تعرف للعنف ولا للقتل سبيلاً.
تحت وهم حرية الاختيار يتحرّك الشعب لينتخب، ويسجل رأيه، وهو في حقيقة الأمر مرعوبٌ من البُعْبُعِ الذي سينقضُّ عليه إن لم يُدلِ بصوته كما يُملى عليه.

للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS

تبدأ بالرمز (125) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى

88591 - Stc

635031 - Mobily

737221 - Zain

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...