الوطن والمال العام من وجهة نظر سويسرية - عبدالعزيز السماري
عبدالعزيز السماري
عند الحديث عن الفساد في الشرق العربي نحاول في كثير من الأحيان أن نتجاوز جوهره، من خلال تناول الهوامش في القضية العامة؛ وذلك لأن الفساد لا يمكن تناول شؤونه بموضوعية بدون طرح جدي لقضية حماية المال العام، التي في حقيقة الأمر تمثل الموضوع الأهم في قضايا الأمن الاجتماعي والسياسي في مختلف دول العالم. وأي محاولة لتجاوز مثل هذه الحقيقة يُعد فسادًا في الرأي والعقل.
لفت نظري رفض 78 في المئة من الناخبين السويسريين مقترح منح الدولة للمواطن دخلاً مجانيًّا إضافيًّا. وكان المقترح الذي طرحت الحكومة تصويتًا شعبيًّا بشأنه يدعو إلى صرف دخل شهري يقارب 2500 فرنك للراشدين، و625 فرنكًّا للأطفال، دون قيد أو شرط لمن بلغوا سن الرشد في البلاد، سواء كانوا يعملون أو لا يعملون. وواجه المقترح معارضة من جميع التيارات السياسية في البلاد والبرلمان.
اختلف معارضو المقترح في الأسباب؛ فقال بعضهم إنه سوف يفصل بين العمل الذي ينجزه المواطن وما يحصل عليه من مال؛ وهو ما من شأنه أن يلحق أضرارًا بالمجتمع. وبرر آخرون موقفهم بأنه سيؤثر على الإنتاجية والابتكار. ورأى غيرهم أن ذلك سيكون له ردة سلبية على قوة المال العام في الدولة، وعلى الخدمات الاجتماعية في بلادهم.
أتمنى أن ندرك من خلال الدرس السويسري المتحضر أهمية مبدأ المحافظة على المال العام، وخطورة الحصول على مال بدون عمل؛ فالمال العام لا يجب إهداره، ولو كان بالتوزيع العادل على المواطنين مثلما حدث في سويسرا، وأن المال العام ليس غنائم ومكاسب، يحصل عليها أقربهم أو أقدرهم على الوصول إليه.
شتان بين التجربتين؛ فقد كان - وما زال - الهم الأكبر والأول عند بعض النخب العربية أن يصطادوا المال العام من خلال مواقعهم السياسية والاجتماعية المميزة، على طريقة الشاعر العربي القديم: «إذا مت ظمآنًا فلا نزل القطر»، والشاعر الحديث الذي قال «إليا صفى لك زمان عل يا ضامي».
نحن نعاني من أزمة ثقة في المجتمع العربي؛ فالوطن عند بعضنا حالة مؤقتة لجمع المال، ثم الهرب بالجمل وما حمل، على طريقة لا تختلف عن سابقتها «أنا ومن بعدي الطوفان»؛ ولهذا كان للوطن في الشرق العربي عمر لا يتجاوز المائة والعشرين عامًا، ثم يتحول إلى أطلال وخراب، بينما وصل أعمار الأوطان في الغرب إلى أكثر من قرنين أو ثلاثة قرون منذ بدء العصر الحديث.
ما يحدث في الأوطان العربية نسخ مكررة لنفس الأساليب القديمة، التي تصل إلى نفس النتائج. والضحية الوطن الجميل والمثالي، الذي ما زلنا نحلم به كل ليلة، ولكن عندما نعود إلى عالم اليقظة نركض مسرعين خلف مشاعر الأمل مرة أخرى؛ وذلك لئلا نصاب بالكآبة والإحباط والذعر من المستقبل المتوقع.. كلما تداولت الألسن قصة ميلاد ثراء فاحش جديد، أشبه بقصص الخيال في عوالم الأساطير وقصص ألف ليلة وليلة.
لن تتبدل أحوالنا ما لم ندرك ما توصل إليه العقل الأوروبي في تقدير نعمة الوطن، ثم نتخلص من تلك الأنانية البشعة، التي تهدد الأمن الوطني والرخاء والاستقرار الأبدي، وذلك بجعل مبدأ الحفاظ على المال العام نظامًا فوق الجميع، وأنه مبدأ ثابت وشريان رئيسي في حياة الأوطان.
وإن لم نفعل ذلك ستستمر الدورات العصبية المتوالية في حياة الوطن العربي، التي خلاصتها الصراع من أجل الخروج من مشروع الوطن المؤقت بأكبر قدر ممكن من المال، قبل أن يتحول في نهاية الأمر إلى أرض محروقة ومتنازع عليها. والله المستعان.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 667
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 772
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 646
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 640
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 632
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 840
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...