Tuesday, April 21, 2026

All the News That's Fit to Print

عند إبعاد المجهر للخلف كي تظهر الصورة الأوسع للمشهد

الإيراني،يتضح لنا إن اهتمام طهران غير منصب فقط على جنوب الخليج العربي كما يعتقد البعض،بل وعلى شماله ايضا.ورغم تصريحات مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي من إن ضمان أمن منطقة الخليج ينبغي ان يكون بيد دولها[1].ورغم سعى إيران إلى إظهار قوتها الإقليمية وقدرتها على تنفيذ تهديدها الدائم بإغلاق مضيق هرمز،كما يفعل قادة الحرس الثوري عند كل مناورة. ورغم إطلاق التصريحات العدائية ضد مملكة البحرين سواء عبر مسئوليها أو أتباعها في المنطقة. ورغم زيارة الرئيس محمود نجاد الإستفزازية لجزيرة أبو موسى الإماراتية المحتلة.رغم ذلك كله نعتقد ان الامر لايعدو ان يكون تحركات، و مصطلحات ذرائعية تصكها وتوظفها طهران للتغطية على هدفها النهائي وهو الهيمنة الكاملة على الخليج جنوبه وشماله .ولكون جنوب الخليج يضم مضيق هرمز وهو قصبة تنفس جهاز تزويد العالم بالطاقة، فقد سلطت الاضواء على الانشطة الايرانية فيه ، وفي الاسطر القادمة سنلقي الضؤ على شمال الخليج العربي والاوتاد الاستراتيجية الايرانية التي لم تتوقف طهران عن دقها، وحيز المناورة لدول الخليج لايقاف الخطط الايرانية هناك.

-الاوتاد الاستراتيجية الايرانية

دقت طهران أوتادها في الجزر العربية الثلاث المحتلة لما تتمتع به من مميزات استراتيجية مهمة ،فالجزر صمام يشرف على امتداد الطريق الضيق الذي يعبر الخليج العربي نحو مضيق هرمز،ومنه إلى خليج عُمان. كما إن عدداً من حقول النفط والغاز البحرية تقع على مقربة من الجزر الثلاث، مما يعطي هذه الجزر أهمية استثنائية [2]. أما الوتد الثاني ففي مضيق هرمز حيث لم يتوقف الحرس الثوري الإيراني منذ ثلاثة عقود عن إقامة مناورات عسكرية بحرية واسعة في المضيق،وتستمر أيام عدة،منطلقة من جزيرة لارك عند مدخل المضيق ،ومعكرة السلم البحري جراء الرمايات بالذخيرة الحية وزرع الألغام البحرية، وإطلاق صواريخ بالستية ومحاكاة استهداف سفن عدو افتراضي ثم السيطرة على المضيق باغراق سفن لاغلاقه.

يعد شمال الخليج العربي(الأحواز– البصرة –الكويت-الاحساء) أكبر حوض نفطي في العالم بانتاجه واحتياطيه،وهو حوض عربي الوجه واليد واللسان، ففي شمال الخليج العربي يسكن العرب في البصرة والكويت والاحساء، وفي العديد من مدن عربستان التي أهمها الأحواز والمحمرة. ويعيش شمال الخليج حاليا حالة من الصراع على النفوذ بين جبهتين الاولى دول الخليج العربي تدعمها بعض الضمانات الغربية الهشة، والثانية ايران.وهذا الصراع أخذ أشكال عدة منها الصراع السياسي والاقتصادي و العسكري .وقد تبنت ايران استراتيجية خاصة اتجاه الخليج العربي مفادها ان أمن الخليج جزء من الامن القومي الايراني،وينبغي الحفاظ عليه من أي تدخل اجنبي،وتعد الوجود العسكري الغربي في منطقة الخليج العربي تهديدا لأمنها[3]. وفي ظل هذه التفاعلات بدأت ايران في تطبيق دق أوتاد استراتيجيته خاصة بها من خلال مجموعة مشاريع استراتيجية ضخمة طويلة الامد في شمال الخليج كالتالي :

-شط العرب

تشغل ايران مكانة بارزة في المعادلة الاقليمية والدولية بوصفها نقطة صراع بين القوى العظمى،بناء على نظرية قلب الارض” heart land”التي وضعها ماكندر”Mackinder” ، وتقول ان من يسيطر على مناطق الساحل يسيطر على مناطق الظهير وبالتالي السيطرة على قلب العالم. فالأهمية الاصلية هي لسواحل الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب وبالتالي أتت أهمية منطقة الظهير الايرانية[4]. وإذا كانت إيران قد حققت نجاحات في فرض إرادتها على مضيق هرمز وهو منفذ الخليج العربي الجنوبي؛ فإن طموحات ايران في السيطرة على منفذه الشمالي وهو نهر شط العرب قديمة قدم حضارة النهرين اللذين يصبان فيه.و يبلغ طول الشط نحو 200 -204كم من بدايته في القرنة الى مصبه في الخليج في رأس البيشه جنوب الفاو، أما عرضه فمتفاوت فهو عند المصب يبلغ أكثر من كيلومترين، في حين يبلغ عند البصرة حوالي الكيلومتر الواحد [5] .ورغم تراجع الخلافات الايرانية العراقية حول نهر شط العرب إبان الملكيات الهاشمية والبهلوية المتدثرة بالحكم البريطاني، ثم تحت عمامة الهدنة المذهبية الراهنة، إلا أن ما بين العراق وإيران يبقى أطول حقد دولي تاريخي موثق.فلتأمين تحرك ناقلات النفط الإيراني من مصافي عبدان، لم يقتنع الشاه محمد رضا بهلوي بـ16 كم متر منحت له إبان حكم البريطانيين، فأعلن 1970 إلغاء معاهدة 1937 من طرف واحد بعد أن وضعت الولايات المتحدة يدها على أكثر من 80% من النفط الإيراني وظهرت حاجتها أيضا لشط العرب. وقامت طهران بتحريض اكراد العراق ضد الجيش العراقي، فاضطر العراق إلى إبرام اتفاقية الجزائر ،وقدم نصف شط العرب مقابل وقف الدعم الإيراني للأكراد[6]. ورغم ان كل شط العرب حتى 1975 كان نهر داخلي للعراق،إلا انه بموجب اتفاقية الجزائر تنازل العراق عن الشاطئ الشرقي وأصبحت الملاحة مشتركة.
وبعد سقوط البعث ،وفي ظل ظروف سيادية غير متكافئة، وتحت إدارة حكومات طارئة مؤقتة تحتمي بالمنطقة الخضراء لتمارس سوء الإدارة والفساد، استغلت طهران الفرصة لتمارس تغيير جغرافية شط العرب المحتل، ليتساوى مع ما تقوم به في الجزر الإماراتية المحتلة. فقد أعلن قائد قوات حرس الحدود الإيراني العميد قاسم رضائي في أبريل 2016 أن مناورات ستنفذ قريباً في نهر شط العرب “أروند “، ومصبه شمال الخليج، وسيتم تسيير دوريات بحرية إيرانية وكأن ملكية إيران منفردة للشط، حيث تجاوز رضائي حقيقة ان اتفاقية الجزائر كانت سبب حرب الثماني سنوات قبل أن يتراجع نظام صدام ويعلن التزامه به، بعيد غزو الكويت 1990، وسيكون التدخل الحالي بذور لحروب قادمة هي جزء من قدر هذا المصب المائي[7].

-تفريس الاحواز

-كشفت دراسات عن أسرار الجفاف الذي ضرب منطقة الأنهر الأحوازية، بأنه في إطار مخطط إيراني عمره 12 عاما، يستهدف التأثير على البيئة العربية ودفع المزارعين الأحواز إلى هجر المنطقة بعدما تم قطع المياه عن أراضيهم الزراعية الخصبة.بل وتعمل طهران على حرف أكبر مجرى لمصدر الحياة في الأحواز المتمثل في نهر قارون إلى بعض المدن الإيرانية كـ “إصفهان،و شهركرد،و رفسنجان” لدعم مشاريع زراعة الفستق والزعفران، والتي تمثل أهم مصادر الدخل للعديد من القيادات في النظام الإيراني. فضلا عن إعلان إيران عزمها إقامة عدد من الشركات الضخمة لتعبئة المياه المعدنية.وإعلانها الوصول للمراحل النهائية لمشروع سد”بختياري” في منطقة الأحواز،وهو أعلى سد أسمنتي في العالم،مما ادى لجفاف المنطقة الشمالية للخليج العربي[8].مقابل ازدهار زراعي واقتصادي وصناعي إيراني، وحصول طهران على ورقة ضغط أمنية تهدد الأمن القومي العربي في شمالي الخليج . كما إن هذا السد والطرق التي فوقه ستكسب الحرس الثوري سرعة التحرك العسكري باتجاه الأحواز .

-كما قامت طهران بعملية استيطان إيراني في الأحواز بتجمعات سكانية غير عربية ،و التي تحتوي على بنية تحتية خدماتية وأمنية متكاملة وتستوعب أعداد ضخمة من الإيرانيين الذين يتم جلبهم من خارج الأحواز. وكان الاستيطان الإيراني في الأحواز السبب الأساسي وراء أندلاع أنتفاضة إبريل عام 2005م في المنطقة،حيث سرب ناشطون وثيقة تدعى “المشروع الأمني الشامل لمحافظة خوزستان” وهي عبارة عن ‘خطة أمنية شاملة ‘ تهدف لإجهاض الحراك العربي في الإقليم الأهوازي بمختلف الطرق،و منها ‘قمع الحركات السياسية’ و’الاستمرار بمخطط التغيير الديمغرافي، وتهجير العرب من مناطق سكناهم[9].وفي أكتوبر 2008 وحدها تم توثيق تهجير 500 عائلة أحوازية من منطقة الشعيبية وجلب مستوطنين إيرانيين لتفريس الأحواز[10].

-ولفرض الثقافة الفارسية، تم اعتبار التحدث باللغة العربية في الأماكن العامة على رأس المحرمات،تحت طائلة العقاب،كما قررت إيران بأن تكون مناهج الدراسة في المدارس باللغة الفارسية فقط،ولا يجوز التحدث بأي لغة أخرى،ومُنع الأحوازيين من تسمية مواليدهم بأسماء عربية، ومنع لبس الزى العربي، واستبدل باللبس البهلوي الفارسي[11]. كما صدرت تعليمات بتأسيس قنوات ووسائل إعلام باللغة العربية ذريعة مواجهة ‘التكفيريين’ و’الوهابية’ في الإقليم.

قطار طروادة الفارسي

منذ تأسيسها أمتهن أغلب سكان الكويت الاعمال البحرية،الأمر الذي ساعد على تحويل الكويت إلى مركز تجاري في شمال الخليج العربي،بل و ميناء رئيسي لكل من شبه الجزيرة العربية وبلاد الرافدين؛وما كان انشاء ميناء مبارك الكبير شرق جزيرة بوبيان الواقعة شمال الكويت، إلا استمرار لإرث الكويت التجاري البحري حيث سيضم الميناء 60 رصيف ليكون واحداً من أكبر الموانئ في الخليج العربي.وسيكون بوابة الكويت للانفتاح على العالم تجارياً واقتصادياً.وحال الشروع في بناء الميناء مارس 2011 ثارت احتجاجات اعلامية وبرلمانية عراقية تزعمها وزير النقل هادي العامري،من التحالف الوطني مع 15 عضو آخر قريبين لإيران، بحجة ان ميناء مبارك عائقا بحريا سيخنق منفذ العراق على مياه الخليج، وسيفقد ميناء الفاو الكبير العراقي قبالته أية جدوى [12]. لكن حقيقة الامر ان ميناء مبارك الكبير قلق ايراني اكثر منه قلق عراقي، فالأموال التي رصدت لميناء الفاو الكبير استنفذها وبددها الفساد القابع في المنطقة الخضراء ببغداد . فإيران لاتعجبها فكرة الميناء الكويتي ،وتراها تكريس للوجود الغربي في الكويت،وقاعدة لوجستية للجيش الأمريكي فى منطقة شمال الخليج الغنية بالنفط . وبالتالي فإن ايران هي من حرضت بعض الأحزاب العراقية الموالية لها بإفتعال مثل هذه الزوبعة الإعلامية والسياسية، لان لها مشاريع لايسهل نجاحها وجود كتلة اقتصادية ضخمة بحجم ميناء مبارك الكبير، ومن تلك المشاريع عزم إيران ربط مراكزها الإنتاجية بشمال الخليج عبر إنشاء سكة حديد تربط الوسط بالخليج ، ثم ربطها بمشروع سكة حديد المحمّرة – بغداد – دمشق.

في مشروع إيران لربط شمال الخليج بمراكز انتاج السلع في وسط ايران، يجري إنشاء سكة حديد طولها 490 كلم تتضمن 8 محطات” بافق، ويزد ،ونظرآباد ،وميبد ،واردكان، وسيستان ،واصفهان ،وزين شهر.و ليتم افتتاح المشروع صيف 2017. بهدف تقليص المسافة الزمنية لقطارات الشحن من 18 الى 12 ساعة.بالإضافة الى توظيف استثمارات بـ25 تريليون ريال و استرجاع الاستثمارات في غضون 6 سنوات.و رفع طاقة الحمل المحوري من 25 الى 30 طناً، في سابقة هي الاولى بمنطقة الشرق الاوسط[13].
وقد جدت طهران إن الانتقال من الهامش إلى مركز الاحداث في شمال الخليج يتطلب ربط هذه السكة الحديدة الداخلية ببعد خارجي؛لذا ظهر للإعلام مشروع سكة حديد المحمّرة – بغداد – دمشق متكاملا في سبتمبر 2010م ،وهو مشروع بدأ التخطيط له عقب الاحتلال الأمريكي للعراق 2003 م، ومن خلاله ستلتحم سكك الحديد في سوريا وإيران عبر سكك الحديد العراقية. فالمشروع يمهد لوحدة جغرافية محورها إيران، وتشمل الهلال العربي الخصيب من الشام وحتى شمال الخليج العربي .ويذهب البعض الى ان للخط مخاطر على الأمن القومي العربي؛ فالخط كحصان طروادة إيراني لوضع بغداد بين كماشة النظامين الإيراني والسوري.وسكة الحديد هذه التفاف على العقوبات الدولية. وهذا ماحدث بالفعل فقد حولت إيران العراق إلى سوق ضخم للمنتجات الإيرانية بغض النظر عن جودتها، بل إن بعض المنتجات يتم تصديرها للعراق ولا تباع في الأسواق الداخلية بسبب رداءة المنتج وعدم مطابقته لأدنى معايير الجودة[14].

وبهذا الخط ستكون العراق طرفا رئيسا في اعادة تأهيل الاقتصاد السوري،و لتصبح إيران منطقة ربط بين الشام وآسيا الوسطى.والخط يمكن ان يكون تمويها لنقل الجنود تحت غطاء نقل ملايين الزوار الإيرانيين لكربلاء،خصوصا ان “شركة خاتم الأنبياء” احدى شركات الحرس الثوري، قد ربحت صفقة الخط، وقد وصفت طهران المخطط بالمشروع إستراتيجي وبالحلم القديم الذي عطل صدام تنفيذه[15].
إنتاج المزيد من الميليشيات شمال الخليج

لم تكن مشكلتنا مع ايران يوم في انتاجها المزيد من المفاعلات النووية، بل في إنتاج المزيد من الميليشيات.فقد ظهر الحشد الشعبي بالعراق -وهو شكل من اشكال الاذرع العسكرية الايرانية -بإيحاءات من طهران.و يدعم خروجه ظرف طارئ سهل ظهور “فتوى الجهاد الكفائي” التي اطلقتها مرجعية النجف الأشرف، بعد سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من العراق.ولا ينكر احد في العراق الدور الايراني في ولادة الحشد الشعبي وإرضاعه، فالدعم الإيراني للحشد شمل الأسلحة والخبرات العسكرية، كما اعترف بذلك نوري المالكي من انه لولا الدعم الإيراني لكان الوضع في العراق صعباً جداً؛وكان الدعم الإيرانيّ جدي وسريع حيث سحب الحرس الثوري السلاح للحشد من مخازنه[16]. وفي ظهور الحشد كذراع ايرانية تأكيد لإستراتيجية اخذت بوادرها في الظهور شمال الخليج العربي ، فقد صرح علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني قائلا “إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي” [17].ومن بغداد ستبدأ الخطوات الاخرى القادمة ممتطية الحشد الشعبي، ومنها استعداد الحرس الثوري الإيراني بالتحرك باتجاه الكويت والمملكة العربية السعودية. حيث تجري حاليا استعدادات لبناء قواعد ومعسكرات قرب الحدود مع المملكة تحت إشراف وتوجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني.كما ان من الخطوات الاخرى زج آلاف المنتسبين في هذه القواعد والمعسكرات،من مليشيات يشرف عليها فيلق القدس قاسم سليماني من البحرين ولبنان وأفغانستان بل ومن السعودية،وهم الذين ظهروا مشاركين في الهجوم على الفلوجة محتمين براجمات صواريخ تحمل صورة “نمر النمر”.اما الخطو الثالثة فستكون شرعنة هذه المليشيات بتأسيس الحرس الثوري العراقي والزج به ضد دول الجوار، بعد أن صار للحرس الثوري الايراني تواجداً مباشراً ورسمياً في العراق[18] .

أخيرا

فإن الخلاصات الأساسية التي يمكن الوصول اليها، هي انه إذا كانت العلاقات الخليجية الايرانية في جنوب الخليج مرة بطعم النووي ونكهة اليورانيوم،فهي ليست بطعم مستساغ في شمال الخليج .وستكون اشد مرارة حين تنتهي طهران من مشاريعها، و”تطويع” شمال الخليج بالمعنى الحاد للعبارة. ولكن هل بدأت الجبهة الخليجية بالتجوف من الداخل وآيلة للانهيار بشكل لابراء منه ! في تقديرنا ان هناك حيز للمناورة الخليجية؛ ففيما يخص تواصل إنتاج المزيد من الميليشيات الموالية لطهران في شمال الخليج ، يمكننا بجهد استخباري محكم، ودبلوماسية يحركها سفراء زادهم الاستراتيجيا لا مهارات العلاقات العامة،يمكننا تغيير خريطة الهياكل العسكرية في العراق. فقد كان الحرس الثوري حاضر في سياقات تشكل تلك الهياكل ونجح قاسم سليماني في خلق نقطة التحوُّل والمسار المستقبلي للعسكرية العراقية. أما نقطة ضعف المنظومات التي اقامها سليماني هي في تبنيها العقيدة العسكرية الايرانية التي لا تتعدى كونها دفاعية و مصممة لإعاقة أي احتلال لإيران و فرض حل دبلوماسي لا يناسب مصالحها. فالميليشيات العراقية الموالية لإيران تفتقد الى الروح التعرضية او المبادرة بالهجوم وانتكاسات وطول فترة اقتحام الفلوجة خير دليل على ذلك. وعلينا ان نبدأ بتفكيك التحالفات الايرانية العشائرية السنية التي تمت بدعاوي حرب الارهاب ثم إعادة تركيبها كغريم لطهران.كما يمكن الولوج الى عمق تحالف ميليشيات الحشد الشعبي نفسه مع سليماني، فهي كانت نتيجة علاقة غير متكافئة، بين ثقافتين متناقضتين، فقاسم سليماني ينتمي إلى ثقافة قومية فارسية عقائدية إمامية، تستند إلى الإيمان المطلق بثوابت القومية والعقيدة، ولا يمكن فصل احدهما عن الاخرى.بينما تعلمت فصائل الحشد منذ ايام الشتات في عصر طغيان البعث الثقافة البراغماتية والمنهج التجريبي المصلحي،فالفرق الفكري هو الثغرة لتؤسس الاصابع الخليجية فيها لحظات التحريض .

وامتدادا لنفس النهج، يمكننا تطوير واستثمار مبادرات لإعادة صنع عروبة العراق،فقد كان ترك بغداد في يد المرضعة الفارسية مدة طويلة غباء استراتيجي لا اسم له، تشكل بفعل غياب الخطاءين التوابون استراتيجيا.ولعله قد آن الاوان لعودة إبنة الرشيد لحضن امها العربية. حتى لايصبح العرق مثل الاحواز ويتم تذويب عروبته بحجة تبعيته لولاية الفقيه ،فالمذهبية عابرة للقوميات في الفكر الايراني. وما دمنا في مرحلة إعادة تدوير لمياه آسنة، يجب دعم حق الاحوازيين في الاحتفاظ بهويتهم.فقد استنفذت دول الخليج حصتها من اللامبالاة. وفي تقديرنا ان امتداد الزمن العسكري والتمرد المسلح لحل مشكلة عربستان غير واقعي لضمور الروح الثورية المسلحة بين الاحوازيين أنفسهم.والحل في تقديرنا هو اعتماد تقرب غير تحريضي، كما يفعل العرب مع فلسطيني الداخل ،بنشر توجيهات حازمة بتحريم بيعهم لأراضيهم، وبيوتهم لغير العرب،و إقامة مراكز لحفظ تراث الاحواز التاريخي.وتنشيط المرجعية والحسينية العروبية،ورفع المستوى التعليمي،و محو الامية والمستوى الصحي، والوعي الثقافي،لضمان عدم ذوبان الجنس العربي.

لقد كان شط العرب نهر داخلي للعراق، ولم تظهر تلك الخريطة المتوحش المثخنة بجراح الحروب ،إلا نتاج للموقف السلبي من حركة التاريخ لتحقيق مكاسب آنية مرة للتفرغ لحرب الاكراد ومرة لإرضاء الولي الفقيه،حتى اصبح شط العرب مكب للنفايات،وميدان لمناورات زوارق خفر السواحل الايرانية،ولعل جذب نظر العالم للكوارث البيئية فيه خير مدخل لإستعادته لواجهة الاحداث، وإن لم يكن فلتدويله،بدل السيطرة الايرانية الكاملة بتواطئي مع صانع القرار والمشرع العراقي الفاسد في المنطقة الخضراء. حينها لن يكون ميناء مبارك الكبير الكويتي خطر على ازدهار ميناء الفاو او الملاحة في شط العرب والبصرة ،بل مكمل لكتلة اقتصادية عربية ناجحة في شمال الخليج العربي.

د.ظافر محمد العجمي
المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...