البنات لا يتسحّرْن | لمياء باعشن
السحور قبل حلول وقت الإمساك، لكنَّنا كنَّا في زمن السهر، ننتظره مستيقظين كطقس تراثي جميل، ثم نهرع إلى النوافذ نشاهده وهو يقف عند كل باب، ونتلهّف لوقفته عند بيتنا.
كان يقول كلامًا كثيرًا، وهو يتنقل من باب لباب، أدعية وتراحيب وتسابيح، لكنَّ إصغاءنا كان يشتدُّ باهتمام حين يتغنَّى بأسماء أهل كل بيت. في نهاية شعبان كان المُسحِّر يسأل العوائل التي يدور عليها عن أيِّ إضافات لقائمة الأسماء: فالكلُّ يجب أن يُذكر بالاسم حتى المواليد الجدد، نعم، الكل، لكن من الذكور فقط.
في تلك الليلة التي سهرنا فيها مع برامج التلفزيون حتى وقت متأخِّر، سمعنا صوت الطبلة يتردَّد في أنحاء الحارة، فأسرعنا إلى النوافذ نتدلَّى منها متلهفين لرؤية المسحِّر والأطفال يحومون من حوله، وهو يردِّد ترانيمه الترحيبيَّة بشهر رمضان. كنّا طفلات نراقب الحدث الذكوري من الأعلى: رجل يُسحِّر الرجال بصيغ لا تذكر النساء: «السحور، السحور يا عباد الله.. قوم يا نايم اكسب الغنايم.. قوم اذكر الحي الدايم..». عندما وقف تحت باب بيتنا بدأ يردّد أسماء الرجال والأبناء من عائلتنا، ابتداءً من جدّي حتى أخي المولود: «الشيخ مشهور مسّاكَ الله بالرضا والنعيم.. محمد صالح مسّاكَ الله بالرضا والنعيم.. هاني أفندي مسّاكَ الله بالرضا والنعيم.. وتوالت أسماء الذكور كبارًا وصغارًا حتَّى أحسستُ بغصَّة، وتمنيتُ. كم تمنيت لو ذكرَ اسمي من بينهم.
كل ليلة من ليالي ذلك الرمضان كنَّا نتدلَّى من النوافذ، ونسمع القائمة تترا، ونصرخ أحيانًا في نهاية التسحير مطالبات عم يحيى أن يذكر أسماءنا، فيُهملنا، ويتجاهل صراخنا، أو يقول حاسمًا وهو يغادر: ما أسحِّر بنات. كنَّا صغيرات، وكان الحنق أكبر منَّا، لكنَّنا شعرنا بالتفرقة، وحرقتنا تساؤلاتنا بـ(إشمعنى). في نهاية الشهر كنَّا قد استنفدنا كل حيلنا لنثني عم يحيى عن قراره الحاسم، حتَّى أنَّ جدَّي حنَّ في حالي ذات مرَّة، وقد كنتُ قد بدأت في البكاء بحرقة، وطلب من عم يحيى أن يسحِّرني، لكنَّ الرجل استنكر تدخل جدّي في قوانين مهنته المتوارثة: «ما يصير يا عم مشهور.. كيف أسحِّر بنات؟».
كان ذلك آخر رمضان مارس فيه عم يحيى مهنته بعد أن فقدت رونقها ومعناها، فالناس سهارى الليالي، وجدّة ما عادت تلك البيوت المتجاورة في الحواري المتقاربة. خلت البيوت من سكانها الذين هاجروا للشمال وهجروها، فصمت إيقاع الطبلة الخاوية، واختفى الرجل الرمضاني من أزقتها الفارغة: ما عاد هناك مِن يحصي قوائم أسماء الذكور. وانتهت تلك المهنة الرجاليَّة المتوارثة، مهنة ورثتها امرأتان في جدَّة، السيدة شاطرية، والسيدة زينب بيرقدار، وهما اللتان أسندتا مهمَّة التسحير لحسابهما إلى العم محرم، ومن بعده إلى يحيى حلنقي.
امرأتان معروفتان بالاسم، تمتلكان مهنة بالتوارث تشترط عدم ذكر أسماء النساء، حتى إن كنَّ طفلات لا يدركن أزمة الفروقات الجنسيَّة. كان التناقض صارخًا، وكانت التفرقة في التعامل خانقة، لكنَّه التوارث بلا تمحيص، ولا تساؤلات. أو ربما لم يكن هناك أيّ تناقض، فالمهنة المتوارثة ذاتها تشترط أيضًا عدم قيام المرأة بها رغم امتلاكها. كلما وضعت اسمي قسرًا في سطر التسحير أجد أن علامة تأنيث كاف المخاطب ستكسره حتمًا: «لمياء باعشن.. مسّاكِ الله بالرضا والنعيم».. سطرٌ موروثٌ قد كُسِرْ..!!
للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS
تبدأ بالرمز (125) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى
88591 - Stc
635031 - Mobily
737221 - Zain
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 668
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 772
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 647
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 641
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 633
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 841
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...